لماذا ينهار الجنيه السوداني؟

روان حمد النيل
من تمويل الحرب وتهريب الذهب إلى «بنكك»… شرح بسيط لقصة معقدة
كل يوم تقريباً يسمع المواطن رقماً جديداً للدولار، أربعة آلاف، خمسة آلاف، ستة آلاف، ثم أكثر، ومع كل قفزة يبدأ السؤال نفسه: لماذا يرتفع الدولار بهذه السرعة؟ لكن لفهم ما يحدث، علينا أن نقلب السؤال:
الدولار لم يصبح فجأة مختلفاً، فما الذي يحدث للجنيه نفسه؟ ولماذا يحتاج المواطن إلى عدد أكبر من الجنيهات لشراء الدولار نفسه؟ هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا السؤال في الاقتصاد الذي تديره سلطة بورتسودان وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث يوجد بنك السودان المركزي ووزارة المالية والجهاز المصرفي لسلطة الانقلاب، وحيث تُتخذ القرارات المتعلقة بالنقود والضرائب والجمارك، وما وجدناه هو أن انهيار الجنيه ليس قصة تاجر عملة يقف في السوق ويرفع السعر كما يشاء، وإنما نتيجة سلسلة طويلة تبدأ من طريقة تمويل الدولة والحرب، وتمر بكمية الجنيهات الموجودة في الاقتصاد، والضرائب والجمارك، وضعف الإنتاج، ونقص الدولار، وتهريب الذهب، وتنتهي عند المواطن نفسه عندما يخاف على مدخراته ويحاول الهروب بها من الجنيه.
ولنفهم البداية، تخيل أسرة دخلها عشرة آلاف جنيه وتصرف في الشهر عشرة آلاف. الأمور تسير بصورة طبيعية، لكن إذا أصبحت مصروفاتها عشرين ألفاً بينما ظل دخلها عشرة آلاف، فهناك عشرة آلاف ناقصة كل شهر، ولا بد أن تأتي من مكان ما: إما أن تزيد دخلها، أو تستدين، أو تبيع شيئاً تملكه، الدولة تواجه الفكرة نفسها ولكن بأرقام ضخمة جداً، الحرب تحتاج إلى رواتب ووقود ونقل ومعدات وصيانة وإمدادات ومشتريات داخلية وخارجية، والحكومة نفسها وضعت متطلبات المجهود الحربي ضمن أولوياتها المالية، المشكلة أن الحرب التي رفعت المصروفات هي نفسها التي أضعفت الاقتصاد الذي يفترض أن يدفع هذه المصروفات، المصانع والأسواق والتجارة والزراعة والبنية التحتية تعرضت لضربات هائلة، ولذلك أصبح المطلوب من اقتصاد أضعف أن يتحمل فاتورة دولة تخوض حرباً.
وهنا نصل إلى النقطة الأولى التي يجب أن يفهمها أي مواطن: الحكومة لا تستطيع صناعة الثروة بمجرد حاجتها إلى المال، إذا لم تكن الإيرادات الحقيقية كافية لمصروفاتها، فستبحث عن المال بطرق أخرى، يمكن أن تزيد الضرائب والرسوم والجمارك، ويمكن أن تستدين، ويمكن أن تحصل على تمويل من الجهاز المصرفي والبنك المركزي، وكل طريقة من هذه الطرق لها تكلفة، وفي النهاية هناك شخص ما سيدفعها.
لكن قبل أن نتحدث عن الحكومة، علينا أن نفهم شيئاً بسيطاً جداً عن الجنيه نفسه، تخيل سوقاً صغيراً فيه عشر جوالات سكر ومائة جنيه فقط يتنافس بها الناس على شراء السكر، ثم تخيل أننا لم نضف جوالاً واحداً جديداً من السكر، لكن الأموال الموجودة في السوق أصبحت مائتي جنيه، أصبح لدينا مال أكثر يطارد البضاعة نفسها، هذه ليست كل قصة التضخم بالطبع، لكنها أبسط طريقة لفهم لماذا تصبح زيادة النقود خطرة عندما لا يصاحبها ارتفاع حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات.
وهذا يقودنا إلى واحد من أهم الأرقام في التحقيق، بحسب بيانات بنك السودان، ارتفع عرض النقود من نحو 14.48 ترليون جنيه في ديسمبر 2024 إلى نحو 36.8 ترليوناً في يونيو 2026، بمعنى أبسط: كمية النقود بمفهومها الواسع زادت بأكثر من الضعف خلال نحو عام ونصف، أي بنحو 154%، وفي الفترة نفسها ارتفعت القاعدة النقدية من نحو 11.02 ترليون جنيه إلى نحو 30.15 ترليوناً، هذه الأرقام لا تعني أن الحكومة طبعت كل هذه الأموال في أوراق نقدية ووزعتها على الناس؛ جزء كبير من النقود في أي اقتصاد يوجد أصلاً في الحسابات المصرفية وليس في شكل أوراق في الجيوب، لكنها تعني شيئاً يستطيع أي شخص فهمه: كمية الجنيهات زادت بصورة هائلة، بينما الاقتصاد الحقيقي لم ينمُ بالمعدل نفسه، وبنك السودان ينشر هذه البيانات ضمن نشراته ومراجعاته الاقتصادية الرسمية.
وهنا يأتي السؤال الطبيعي: إذا زادت الجنيهات بهذا الحجم، فما علاقة الحكومة بذلك؟ نذهب مرة أخرى إلى أرقام الجهاز المصرفي، فنجد أن صافي مطالباته على الحكومة ارتفع من نحو 8.07 ترليون جنيه في ديسمبر 2024 إلى نحو 26.18 ترليوناً في يونيو 2026، والمصطلح يبدو معقداً، لكنه يمكن تبسيطه جداً: عندما نقول «صافي مطالبات الحكومة»، فنحن نتحدث بصورة عامة عن الأموال التي أصبح الجهاز المصرفي يطالب الحكومة بها بعد أخذ ودائعها لدى النظام في الحسبان، أي أننا نرى أن العلاقة المالية بين الحكومة والجهاز المصرفي توسعت بصورة ضخمة، وهذا لا يثبت أن كل جنيه من هذه الزيادة ذهب إلى الحرب، لكنه يخبرنا أن الدولة أصبحت تستحوذ على حجم أكبر بكثير من التمويل والائتمان داخل النظام المالي.
ولكي ندرك حجم المسألة، نجد أنه بحلول يونيو 2026 كانت مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام أكبر بعدة مرات من مطالباته على القطاع الخاص، تخيل أن هناك بنكاً لديه أموال يستطيع تمويل الاقتصاد بها، لكن الدولة تأخذ حصة ضخمة من هذا التمويل، كلما توسع نصيب الحكومة، تصبح هناك مساحة أقل نسبياً أمام المصانع والمزارعين والتجار والشركات للحصول على التمويل الذي يحتاجونه للإنتاج، الاقتصاديون يسمون جزءاً من هذه الظاهرة «مزاحمة القطاع الخاص»، لكن المواطن لا يحتاج إلى المصطلح، يكفي أن يعرف أن الأموال عندما تذهب إلى تمويل الإنفاق الحكومي لا تكون في الوقت نفسه متاحة لتمويل مصنع أو مزرعة أو مشروع ينتج سلعة جديدة.
وإذا لم تكفِ هذه الموارد، تذهب الدولة إلى جيب آخر: الضرائب والجمارك والرسوم، وفي أبريل 2026 مثلاً رُفع سعر الدولار المستخدم في التقييم الجمركي من 2,827.61 جنيه إلى 3,222.8 جنيه، بزيادة 14%، وكانت تلك الزيادة التاسعة خلال أربعة عشر شهراً وفق «سودان تريبيون». وقد يبدو هذا الرقم بعيداً عن المواطن الذي لا يستورد شيئاً من الخارج، لكنه يصل إليه أسرع مما يتصور.
لنفترض أن تاجراً يستورد زيتاً أو دواءً أو قطع غيار، عندما ترتفع عليه الجمارك والرسوم وتكلفة الدولار، فلن يقول: «سأدفع الفرق من جيبي حتى لا يتضرر المواطن»، سيضيف جزءاً من التكلفة إلى سعر السلعة، تاجر الجملة يفعل الشيء نفسه، ثم صاحب الدكان، وفي النهاية يصل الزيت أو الدواء أو قطعة الغيار إلى المواطن بسعر أعلى، وهكذا يمكن أن يدفع المواطن جزءاً من تكلفة الأزمة من دون أن يرى في أي فاتورة بنداً مكتوباً عليه: تكلفة الحرب.
لكننا إذا توقفنا هنا سنفقد نصف القصة، لأن الجنيه لا يتعامل مع الجنيه وحده، السودان يحتاج إلى الدولار أيضاً، نستورد أدوية ووقوداً وآلات ومدخلات إنتاج وسلعاً كثيرة من الخارج، وهذه الأشياء لا يبيعها العالم لنا بالجنيه السوداني، نحن نحتاج إلى عملات أجنبية لشرائها، ولذلك إذا كانت هناك جنيهات كثيرة داخل الاقتصاد ودولارات قليلة، سيبدأ عدد أكبر من الجنيهات في مطاردة كل دولار متاح، فيرتفع سعره بالجنيه.
وهنا يظهر السؤال الذي يجعل الأزمة أكثر غرابة: إذا كان السودان يحتاج إلى الدولار إلى هذه الدرجة، فأين الذهب؟
الذهب ليس مجرد معدن أصفر نخرجه من الأرض ونبيعه. بالنسبة لاقتصاد مثل السودان، الذهب يعني شيئاً شديد الأهمية: دولارات، عندما تصدر الدولة ذهباً بمائة مليون دولار وتعود حصيلة البيع عبر القنوات الرسمية، أصبح لدى الاقتصاد مائة مليون دولار يستطيع استخدامها في الاستيراد والمعاملات الخارجية، لذلك يفترض أن يكون الذهب واحداً من أقوى الأسلحة التي يملكها السودان لمواجهة نقص العملات الأجنبية.
والمفارقة أن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش تضم أهم مناطق إنتاج الذهب في البلاد، وبحسب بحث Chatham House، بلغ الإنتاج المعلن في مناطق سيطرة الجيش 64.36 طناً في 2024، معظمها من التعدين الأهلي، بينما قالت سلطات بورتسودان إنها صدرت رسمياً 27.96 طناً بعائد يقارب 1.6 مليار دولار، وتشير بيانات بنك السودان التي راجعها الباحثون إلى رقم تصدير أقل قليلاً، يبلغ 22.92 طناً بقيمة 1.57 مليار دولار، اختلاف الأرقام نفسه مهم، فشقيقا البرهان “عبد الرحمن وعمر” البرهان هما أكبر مهربين لذهب السودان إلى مصر.
وهنا نجد شيئاً أكثر خطورة، يقدر البحث نفسه أن الذهب غير الرسمي والمهرّب إلى مصر يعادل نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، وهي مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، وفي المقابل، تقول بيانات بنك السودان إن صادرات الذهب الرسمية إلى مصر في 2024 كانت قيمتها 16.3 مليون دولار فقط من إجمالي صادرات ذهب رسمية قيمتها نحو 1.57 مليار دولار، ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن هناك ذهباً كثيراً ينتج في مناطق سيطرة الجيش، وهناك أدلة بحثية قوية على خروج جزء كبير منه عبر قنوات غير رسمية، خصوصاً باتجاه مصر.
ولنفهم لماذا هذه النقطة خطيرة على الجنيه، تخيل أن السودان أنتج ذهباً قيمته مليون دولار، إذا خرج الذهب رسمياً وعاد المليون دولار إلى السودان، فقد خرج الذهب ودخل الدولار، أما إذا خرج الذهب بالتهريب واستلم صاحبه المليون دولار خارج النظام المصرفي السوداني، فما الذي حدث؟ خرج الذهب، لكن الدولار لم يدخل إلى النظام الرسمي، هذه الجملة وحدها تشرح جزءاً ضخماً من المشكلة.
بل إن الأمر أسوأ من ذلك، السودان تحمل تكلفة إنتاج الذهب أصلاً، هناك عمال، ووقود، وآليات، ونقل، ومواد تستخدم في التعدين، وطرق وخدمات، أي أن الاقتصاد السوداني دفع تكلفة استخراج الثروة من أرضه، فإذا خرجت الثروة ولم تدخل حصيلتها كاملة إلى النظام المالي، فإن السودان لا يخسر الذهب فقط؛ يخسر أيضاً فرصة الحصول على الدولار الذي كان يمكن أن يوفره ذلك الذهب.
وهنا نفهم كيف يمكن أن يحدث شيء يبدو مستحيلاً: يمكن أن يزيد إنتاج الذهب وفي الوقت نفسه ينهار الجنيه، لا يوجد تناقض، المهم ليس فقط كم كيلوغراماً من الذهب خرج من الأرض، وإنما كم دولاراً من قيمة هذا الذهب عاد فعلياً إلى الاقتصاد الرسمي، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «كم ينتج السودان من الذهب؟»، وإنما: «أين تذهب حصيلة الذهب؟»
والآن نستطيع أن نضع أجزاء الصورة بجانب بعضها، لدينا دولة تحتاج إلى أموال كثيرة، والحرب من أولويات إنفاقها، لدينا اقتصاد أضعفته الحرب، لدينا كمية من الجنيهات زادت بصورة ضخمة، لدينا حكومة توسع انكشاف الجهاز المصرفي عليها، لدينا ضرائب ورسوم وجمارك تزيد الضغط على التجارة والإنتاج، ولدينا اقتصاد يحتاج إلى الدولار للاستيراد، ثم لدينا في الجهة الأخرى ذهب يمكن أن يجلب الدولار، لكن جزءاً منه يخرج خارج القنوات الرسمية، إذا أردنا تلخيص كل هذا لشخص لا يعرف شيئاً عن الاقتصاد، يمكن أن نقوله في جملة واحدة: الجنيهات أصبحت كثيرة، والدولارات شحيحة، وحتى الذهب الذي يمكن أن يجلب مزيداً من الدولارات لا تدخل كل حصيلته إلى النظام الرسمي حيث يهرّبه قائد الجيش و إخوته، ويصرف به على مليشيات الحرب التي تبقيه في السلطة.
لكن القصة لم تنتهِ بعد. لأن انهيار الجنيه نفسه يبدأ بعد مرحلة معينة في صناعة انهيار جديد.
تخيل أن لديك عشرة ملايين جنيه في حسابك، عندما يكون الدولار بأربعة آلاف جنيه، فإن مدخراتك تعادل تقريباً 2,500 دولار، ثم يرتفع الدولار إلى ثمانية آلاف جنيه، تفتح حسابك فتجد أن أموالك ما زالت عشرة ملايين، لم يسرق أحد جنيهاً واحداً من الرقم الموجود أمامك، لكن إذا حاولت شراء الدولار، ستجد أن أموالك أصبحت تساوي 1,250 دولاراً فقط، الرقم لم ينقص، لكن نصف قيمته اختفى.
ماذا سيفعل الإنسان العادي عندما يرى ذلك؟ لن يحتاج إلى شهادة في الاقتصاد، سيقول لنفسه: إذا تركت أموالي بالجنيه وربما أصبح الدولار غداً عشرة آلاف أو اثني عشر ألفاً، فسأخسر أكثر. فيذهب ويحاول شراء الدولار أو الذهب لحماية ما تبقى من قيمة أمواله، هو لا يفعل ذلك لأنه مضارب يريد إسقاط الجنيه؛ بل لأنه خائف على مدخراته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يفكر عشرات الآلاف بالطريقة نفسها، المواطن الأول يشتري الدولار لأنه خائف من انهيار الجنيه، والثاني يفعل الشيء نفسه، والثالث والرابع، وفجأة يصبح لدينا آلاف المشترين الجدد للدولار، ماذا يحدث عندما يزيد عدد الناس الذين يريدون شراء سلعة بينما الكمية المتاحة منها قليلة؟ يرتفع سعرها، فينخفض الجنيه أكثر، فيخاف أشخاص جدد، فيذهبون هم أيضاً إلى الدولار، الجنيه ينخفض، فيخاف الناس؛ الناس تشترى الدولار، فيزداد الطلب عليه؛ الدولار يرتفع أكثر، فيخاف مزيد من الناس. وهكذا يبدأ الانهيار في تغذية نفسه.
وهنا ندخل إلى «بنكك».
«بنكك» لم يصنع الحرب، ولم يخلق الجنيهات الجديدة، ولم يهرب الذهب، ولم يرفع الجمارك، ولم يخلق نقص الدولار، لكنه فعل شيئاً آخر مهماً جداً: جعل حركة المال أسرع، في الماضي، إذا أردت شراء الدولار، ربما تحتاج أولاً إلى سحب أموالك نقداً، وحملها، والذهاب إلى السوق، ومقابلة التاجر، اليوم يستطيع شخص يحمل هاتفاً أن يحرك ملايين الجنيهات خلال دقائق، ويستطيع تاجر العملة استقبال تحويلات من عشرات الأشخاص من أماكن مختلفة من دون أن يحملوا أكياساً من الأوراق النقدية.
وهذا يعني أن الخوف نفسه أصبح أسرع، يرى المواطن سعر الدولار في هاتفه، يفتح «بنكك»، يرى عشرة ملايين جنيه، يحسب كم فقدت من قيمتها، ثم يتخذ قراراً خلال دقائق بمحاولة تحويل جزء منها إلى دولار، لذلك فإن «بنكك» ليس أصل المرض، لكنه يمكن أن يعمل مثل الطريق السريع الذي تتحرك عليه الأزمة. المشكلة صنعت السيارة، و«بنكك» أعطاها طريقاً أسرع.
ومن هنا يصبح توقف التطبيق قضية أكبر من مجرد عطل فني، إذا كان لديك عشرة ملايين جنيه داخل «بنكك» وتوقف التطبيق، فإن العشرة ملايين لم تختفِ، ما تغير هو أنك لا تستطيع استخدامها الآن، أما الشخص الذي يمتلك عشرة ملايين جنيه كاش، فيستطيع التحرك بها وشراء الدولار، ولذلك، أثناء أي توقف واسع للتطبيق، يصبح السؤال المهم جداً: من كان يستطيع الوصول إلى السيولة؟ ومن لم يكن يستطيع؟ من استطاع شراء الدولار أثناء التوقف؟ ومن بقيت أمواله محبوسة داخل الحسابات؟
وهذه النقطة تحديداً نعمل فيها على تحقيق منفصلً في ضوء المعلومات التي حصل عليها هذا التحقيق من مصادر داخل القطاع المصرفي بشأن التوقف المتوقع لـ«بنكك»، قبل توقفه بأيام، مما يدل على أن التوقف كان متعمداً والجهة التي طلبته كانت هي قيادة الجيش ممثلة في البرهان، وتعطيل الوصول إلى الرصيد الإلكتروني لا يمحو الأموال، وإنما يغير بصورة مؤقتة من يستطيع استخدام أمواله ومن لا يستطيع، وإذا كان بعض الفاعلين يمتلكون كميات كبيرة من النقد في اللحظة نفسها، فإن ميزان القدرة على دخول سوق الدولار يصبح مختلفاً تماماً.
والآن نستطيع العودة إلى تاجر العملة الذي بدأنا منه، هل يستطيع المضاربون رفع السعر؟ نعم، ويمكن للخوف والشائعات والمضاربة أن تزيد سرعة الانهيار، لكن هل تاجر العملة هو الذي خلق عشرات الترليونات من الجنيهات؟ لا طبعاً، هل هو الذي قرر حجم تمويل الحكومة؟ لا، هل هو الذي رفع الدولار الجمركي؟ لا، هل هو الذي جعل الدولة تحتاج إلى تمويل حرب طويلة؟ لا، وهل هو المسؤول وحده عن خروج الذهب بعيداً عن القنوات الرسمية؟ لا، لذلك فإن تحميل تاجر العملة وحده مسؤولية انهيار الجنيه يشبه لوم ميزان الحرارة لأنه أخبرك أن المريض مصاب بالحمى.
سعر الدولار في السوق الموازي هو المكان الذي تظهر فيه أمراض كثيرة في الوقت نفسه، يظهر فيه ضعف الإنتاج، وحاجة الدولة إلى التمويل، وزيادة كمية الجنيهات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، ونقص العملات الأجنبية، وتهريب الذهب، وفقدان الناس الثقة في الجنيه، التاجر يرى كل هذه الأشياء قبل أن يراها المواطن في تقرير اقتصادي، فيرفع سعره لأنه يعرف أن الشخص الذي أمامه يريد الدولار وأن الدولارات المتاحة أقل من حجم الطلب عليها.
وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من سعر الدولار نفسه: من يدفع كل هذه التكلفة؟ عندما تزيد الضرائب والجمارك، يدفعها التاجر أولاً ثم ينقل جزءاً منها إلى المواطن، عندما ترتفع تكلفة الإنتاج والاستيراد، يدفع المواطن في سعر السلعة، عندما يزداد التضخم، يدفع الموظف لأن راتبه يشتري أقل، وعندما ينخفض الجنيه، يدفع صاحب المدخرات لأن الأموال التي جمعها طوال سنوات تفقد جزءاً من قيمتها، وإذا خرج الذهب من السودان ولم تدخل حصيلته إلى النظام الرسمي، يدفع الاقتصاد كله مرة أخرى لأنه فقد دولارات كان يمكن أن تساعد في تمويل الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة.
ولذلك لا يمكن فهم انهيار الجنيه بالنظر إلى شاشة تاجر العملة وحدها، علينا أن ننظر إلى ما قبل الشاشة: من أين تأتي الجنيهات؟ أين تذهب أموال الحكومة؟ كيف تمول الحرب؟ ماذا يحدث للقطاع الخاص؟ أين تذهب الضرائب؟ لماذا يحتاج الاقتصاد إلى هذا الكم من الدولار؟ أين يذهب الذهب؟ ومن يحصل على حصيلته؟ عندها فقط تبدأ الصورة في الاكتمال.
وفي النهاية يمكن اختصار القصة كلها بمثال بسيط. تخيل سوقاً يدخل إليه كل يوم مزيد من الناس يحملون مزيداً من الجنيهات ويريدون شراء الدولار، بينما عدد الدولارات الموجودة على الطاولة لا يزيد بالمعدل نفسه، وفي الوقت ذاته يوجد باب خلفي يخرج منه جزء من الذهب الذي كان يمكن بيعه وإحضار دولارات جديدة إلى تلك الطاولة، ماذا تتوقع أن يحدث لسعر الدولار؟ سيرتفع، وماذا يحدث عندما يرتفع؟ يأتي مزيد من الناس خوفاً على مدخراتهم، فيزداد الزحام حول الطاولة أكثر.
هذه هي قصة الجنيه ببساطة: أموال محلية تتوسع، اقتصاد حقيقي أضعفته الحرب، دولة تحتاج إلى تمويل متزايد، دولار شحيح، ذهب يتسرب جزء منه خارج القنوات الرسمية، ومواطن يخشى أن يستيقظ غداً فيجد أن ما جمعه طوال سنوات أصبح يساوي أقل.
ولذلك ربما ظللنا طوال الوقت نسأل السؤال الخطأ، السؤال ليس فقط: لماذا وصل الدولار إلى هذا السعر؟ السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو: لماذا أصبح الجنيه الذي في جيب المواطن وحسابه يساوي أقل يوماً بعد يوم، ومن أين جاءت الضغوط التي جعلته يفقد قيمته؟
عندما نجيب عن هذا السؤال، سنكتشف أن الدولار لم يصنع الأزمة.
الدولار فقط كشفها.




خلاصة الأمر
د. أحمد عيسى محمود
عيساوي (٠١٢١٠٨٠٠٩٩*٠٩٠٦٥٧٠٤٧٠)
(أزمة المعيشة)
استثمر فولكر زيادة سعر رغيفة واحدة بمدينة عطبرا لينهي حكومة البشير. ومن يومها والبلاد في ضنك. ليكتشف الشارع بأنه كان ضحية خدعة يسارية مسنودة من الخارج. لتبدأ المواجهة الجماهيرية للعودة لحضن الإسلاميين الدافيء. وبعد أن تيقن اليسار من كساد مشروعه في السودان أشعلها حربًا ليقضي على أخضر ويابس الشارع الذي ناصبه العداء. بفضل الله الشارع تمكّن حتى الآن من تجاوز أكثر (٨٠٪) من الحرب. هنا ظهرت الخطة الثانية لليسار لتأديب الشارع المتمرد على مشروعه. وهذه الخطة تتمثل في خلق أزمة معيشية لم يسبق لها مثيل. وهذا ما نعيشه اليوم. غلاء فاحش، وزيادة في الأسعار على مدار الثانية. وهذا الوضع دفع كثير من الأسواق بولايات عديدة للإغلاق. وتصور واقع البسطاء والأسواق خارج الخدمة!!!. وهذه الخطة القصد منها ثورة ثانية ضد البرهان. ولكن هيهات. نجزم بأن لسان حال الشارع يقول: (لا نُلدغ من الجحر الفولكري مرتين). وخلاصة الأمر رسالتنا للبرهان بأن يضع في الحسبان أن اليسار قد وسّع من دائرة استهداف الوطن. لذا لابد من وضع الملح على الجرح النازف فورًا. حكومة طوارىء. وإطلاق يد الأمن الاقتصادي لملاحقة (رباطة) الدولار ومحتكري قوت الشعب، خلاف ذلك الفوضى في أقبح مظاهرها.
الخميس ٢٠٢٦/٩/١٧
نشر المقال… يعني الجيعان ما بتنظر فورة البُرمة.
لا يمكن تبرئة سماسرة العملة والأغذية
هل البصل مثلا يستورد من الخارج
الآن انعدم تماما من البقالات والسوبر ماركتات
وعندما تجده يكون بأسعار خرافية
اذا كان بعض المواطنين
يلجأون إلي تحويل أموالهم إلي دولار للحفاظ علي قيمتها
فما بالك بالتجار؟!