أهم الأخبار والمقالات

عمر الدقير يكتب.. تعقيب على مقال مناوي حول الهدنة الإنسانية

 

عمر الدقير

قبل يومين، نشر السيد مني أركو مناوي مقالاً بعنوان “الهدنة الانفصالية: قراءة سياسية في مستقبل السودان”، تناول فيه الهدنة الإنسانية بوصفها مدخلاً مُحتمَلاً لتفكيك السودان.
ويُعبِّر المقال عن مخاوف تتعلق بوحدة البلاد في زمن حرب وانتهاكات جسيمة، غير أنه ينطوي على جملة من الالتباسات السياسية والتاريخية التي تستوجب المراجعة والتوضيح:

(١)
يقتضي النقاش الجاد تصويب الوقائع قبل بناء المواقف عليها .. وفي هذا السياق، فإن القول بأن الهدنة الإنسانية طُرحِت بعد أحداث الفاشر، يجافي الحقيقة ويغالط التاريخ القريب. فالهدنة وردت بوضوح في بيان الرباعية في سبتمبر الماضي، أي قبل تلك الأحداث بوقت معتبر .. ثم إن الهدنة المقترحة لا تَتعلَّق بالفاشر وحدها، وإنما لمعالجة كارثة إنسانية تعصف بالسودان كُلِّه، وهو ما يخرجها من منطق الاستجابة الموضعية إلى منطق الضرورة الإنسانية والوطنية العامة.
وكما هو معلوم، قبلت قوات الدعم السريع بمقترح الهدنة الوارد في بيان الرباعية وأعلنت استعدادها الانخراط في التفاوض بشأنه، بينما رفضته القوات المسلحة والقوى المتحالفة معها، بما في ذلك القوات المشتركة التي يشرف عليها كاتب المقال نفسه.
ومع الإدانة للانتهاكات التي صاحبت سيطرة الدعم السريع على الفاشر، يَصِحُّ القول إن الاستجابة المبكرة لمقترح الهدنة كان يمكن أن تُجنِّب وقوع الكارثة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن قوات الدعم السريع كانت قد رفضت، قبل ذلك، مقترح هدنة خاص بمدينة الفاشر تَقدَّم به الأمين العام للأمم المتحدة، بينما وافقت عليه القوات المسلحة .. هذا التَّقَلُّب في المواقف، تبعاً للوضع الميداني لا لاعتبارات حماية المدنيين، يكشف نمطاً تكتيكياً يخلو من البعد الإنساني، ولا يعبأ بدماء المدنيين المسفوحة ولا بمعاناتهم.

(٢)
الهدنة الإنسانية ليست بديلاً عن الحل الشامل، ولا تُؤسِّس بذاتها لشرعية. فهي إجراءٌ مُؤقَّت تفرضه الكارثة الإنسانية، يهدف إلى توفير الحد الأدنى من حماية المدنيين وتهيئة المناخ لمسارٍ سياسيٍّ سلميٍّ نحو الحل الشامل .. ومعلوم أن الدعوة إلى الهدنة الإنسانية صارت موقفاً ثابتاً في المبادرات المطروحة إقليمياً ودولياً.
يستند مقال السيد مناوي إلى منطق الشك عبر استدعاء المثل القائل: “إذا رأيت فقيراً يأكل دجاجةً، فإما أن يكون الفقير مريضاً أو أن الدجاجة مريضة” .. وهذا المثل، وإن عَبَّر عن حِسِّ الحذر، لا يصلح إطاراً لتحليل واقع سياسي مُعقَّد. كما أن الربط التلقائي بين الهدن الإنسانية ومسارات التفكك والانفصال يخلط بين الأسباب والنتائج. ففي ليبيا والصومال واليمن، تمت الهدن في دول كانت قد شهدت بالفعل انهياراً مؤسسياً أو انقساماً سياسياً وعسكرياً حادَّاً ممتداً، ولم تكن سبباً في نشوء تلك الأوضاع.
وحتى المثال السوداني المتعلق بعملية “شريان الحياة” لا يثبت أن العمل الإنساني قاد إلى التقسيم بانفصال الجنوب الذي جاء تتويجاً لتراكم اختلالات بنيوية وعجزٍ وقصورٍ لا خلاف عليهما في مسيرة الحكم الوطني، خصوصاً خلال حقبة نظام حكم الحركة الإسلامية المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني “نظام الإنقاذ”.
فقد أوغل ذلك النظام في بؤس السياسات وعَبَّأ لاستمرار الحرب في الجنوب بشعارات دينية، وعندما أعجزه حسمها عسكرياً نظر إلى الانفصال – بتقديرٍ ثبت خطلُه – كوسيلة لحسم جدل التَنوُّع وتكريس فضاءٍ خالصٍ لاستدامة سلطته، وتقاطعت هذه النظرة القاصرة مع رغبات دولية دفعت في اتجاه التقسيم.

(٣)
من المعلوم أننا رفضنا تشكيل حكومة موازية، لأنها تُعمِّق تعقيد الأزمة وتزيد مخاطر التقسيم، ولأن شرعية الحكم تُكتَسب بالتفويض الانتخابي أو التوافق خلال الانتقال.
وهنا يجدر التذكير بموقفنا المعلن منذ ما قبل اندلاع الحرب، ومفاده أن الشرعية انتهت بانقلاب ٢٥ أكتوبر، الذي أجهض المسار الانتقالي التوافقي. ولم يكن هذا الموقف معزولاً؛ إذ واجه الشعب السوداني الانقلاب برفض واسع، – قَدَّم خلاله مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين – كما انعكس في تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي .. وأمام هذا الواقع، أقرَّت قيادة طرفي الانقلاب لاحقاً بانهيار الشرعية عبر توقيعهما على الاتفاق الإطاري الذي أكد على إنهاء الانقلاب واستعادة الشرعية الانتقالية عبر التوافق على سلطة مدنية كاملة تُمهِّد للشرعية الانتخابية.

(٤)
لا خلاف على أن المطالبة بالشفافية في المفاوضات، وبإشراك الشعب في معرفة ما يُدار باسمه، موقف صحيح نَتبنَّاهُ نحن أيضاً .. لكن اللافت أن السيد مناوي اكتفى بالتعبير عن “القلق” لغياب الشفافية، وذلك يثير سؤالاً لا يمكن تجاوزه: إلى من تُوَجَّه دعوة التزام الشفافية؟ .. فإذا كان السيد مناوي – بحكم تموضعه ضمن البنية السياسية والعسكرية – يُفترَض أن يكون في دائرة اتخاذ القرار، فإن الإجابة على سؤال الشفافية تبدأ من داخل هذه الدائرة، لا من خلال مقال للرأي العام.

(٥)
مع تقديرنا وحاجتنا للدور الخارجي الإيجابي في تيسير جهود إنهاء الأزمة، فإن موقفنا يظل ثابتاً: الحل بيد السودانيين لا سواهم، ولا يمكن لأي مبادرة خارجية أن تكون بديلاً عن مسؤولية السودانيين في حل أزمتهم .. فالخارج نفسه فضاء متباين المصالح والرؤى، وهو ما يستدعي رؤية سودانية واضحة تُحسِن التعاطي مع هذا التباين، وتبني مصالح مشتركة مع مختلف أطرافه تأسيساً على المصلحة الوطنية، ولا ينبغي التعويل على دور الخارج إلا إذا انحصر في دعم مسار سوداني يتجه نحو توافق وطني لمعالجة جذور الأزمة وطي صفحة الحروب.

(٦)
في الختام؛ فإن الهدنة ليست بديلاً عن الحل الشامل، بل ضرورة إنسانية ووطنية لايقاف معاناة المدنيين ونافذة لابتدار مسار سياسي سلمي. وقد أثبت تاريخ الحروب في السودان أنها، مهما طال أمدها، تنتهي عند طاولة التفاوض. وكان السيد مناوي جزءاً من هذا التاريخ؛ إذ خاضت حركته صراعاً مسلحاً ضد نظام “الإنقاذ”، قبل أن تُوَقِّع معه اتفاق سلام أصبح بموجبه مساعداً لرئيس الجمهورية، ليعود مجدداً إلى مربع الحرب على خلفية خلافه مع النظام، ثم أصبح طرفاً في اتفاق جوبا – بعد سقوط النظام – وتولى بموجبه منصب حاكم إقليم دارفور.
أما تحذير السيد مناوي من أن التفكك “مرضٌ مُعْدٍ سيصيب كل من هو في الساحل والمصب والمنبع”، فهو يُخطئ الهدف إذا وُجِّه نحو الهدنة لا نحو العِلَّة الحقيقية، وهي استمرار الحرب .. فإسكاتُ البنادق بدافع الضرورة الإنسانية لا يهدد وحدة السودان، بل يهددها إغلاق أفق التوافق بالحوار لصالح منطق الغَلَبة بالسلاح.

‫6 تعليقات

  1. هذا مقال سياسي معمق يتناول الأزمة السودانية من زاوية نقدية لموقف السيد مني أركو مناوي. بعد المراجعة، يمكن تقديم تحليل متوازن يوضح دفوعات المقال وضده، ثم البناء على ذلك لتقديم حلول جديدة:

    دفوعات لصالح منطق المقال:

    1. التركيز على الجوهر (الشرعية): يركز المقال على القضية المحورية، وهي استعادة الشرعية الدستورية التي انقطعت بالانقلاب، ويعتبر أي مسار لا يعالج هذا الأصل مجرد مسكن مؤقت. هذا تصور استراتيجي مهم.
    2. مساءلة الأطراف الداخلية: نقطة قوة في المقال هي تحويل سؤال الشفافية من اتهام خارجي إلى مسؤولية داخلية. بتسليطه الضوء على موقع السيد مناوي كجزء من “دائرة اتخاذ القرار”، يذكر بأن المطالبة بالشفافية تبدأ من الداخل أولاً.
    3. رؤية واقعية للدور الخارجي: الموقف الذي يطرحه المقال بشأن الدور الخارجي متوازن. فهو يرفض التبعية للحلول الخارجية، ويطالب بوجود “رؤية سودانية واضحة” لإدارة التباين الدولي لخدمة المصلحة الوطنية، وهو أمر ضروري لاستقلالية القرار.
    4. التفرقة بين الوسيلة والهدف: يقدم المقال تمييزاً مهماً بين الهدنة (كضرورة إنسانية ووسيلة) والحل السياسي الشامل (كهدف). هذا يحذر من استخدام الهدنات كغاية لإضفاء الشرعية على واقع سياسي غير مقبول.

    دفوعات ضد أو انتقادات لمنطق المقال:

    1. طبيعة الخطاب الاستبعادية: قد يُفهم النص على أنه يحمل نبرة اتهامية أو استبعادية للسيد مناوي (“اكتفى بالتعبير عن القلق”، “يخطئ الهدف”). في ظل حاجة ماسة للحوار، قد تعيق هذه اللغة عملية جذب الأطراف المتنازعة نحو طاولة تفاوض جامعة.
    2. التركيز على الماضي مقابل المستقبل: بينما تحليل التاريخ (دور مناوي السابق) مهم، إلا أن الإفراط فيه قد يحوّل النقاش من “كيف نبني المستقبل” إلى “من كان على صواب أو خطأ في الماضي”، مما يعيق التقدم.
    3. تعميم “الخارج”: على الرغم من دقة تحليل تباين مصالح الخارج، إلا أن التعامل مع “الخارج” ككتلة واحدة قد يبسط التعقيد. فهناك فرق بين دور وسيط محايد (مثل بعض الدول أو المنظمات) ودور فاعل له أجندة سياسية مباشرة.
    4. إشكالية “الشرعية” في ظل واقع معقد: في ظل انهيار الدولة وانتشار السلاح، يصبح الحديث عن “شرعية الانتقال التوافقي” السابق كمرجعية وحيدة مجرداً عن واقع القوة العسكرية والأرضية على الأرض، مما قد يحد من فاعلية المقترحات إذا لم تعترف بهذا التعقيد.

    بناءً على ذلك: اقتراح حلول جديدة/مطورة

    يمكن البناء على نقاط القوة في المقال وتجنب نقاط ضعفه لاقتراح مسار عملي:

    1. آلية “شفافية مضاعفة” مع ضمانات:
    · دعوة داخلية – خارجية مشتركة: بدلاً من توجيه دعوة الشفافية للداخل فقط أو الخارج فقط، يمكن الدعوة إلى إطار مشترك للإشراف على المفاوضات. تكون القيادة السياسية للسودانيين، مع وجود آلية رصد وإشهار (قد تتضمن ممثلين محترمين من المجتمع المدني السوداني وأطراف دولية وسيطة كضامن للشفافية فقط، ليس للقرار). هذا يلبي مطالب الشفاقة ويخرج من دائرة الاتهام المتبادل.
    2. مسار حل متدرج ذو “بوابات” واضحة:
    · اقتراح مسار سياسي واضح المعالم يتضمن بوابات تبادلية. البوابة الأولى: وقف إطلاق نار دائم وإنساني (ليس مجرد هدنة) يراقبه مراقبون محايدون، مع فتح الممرات الإنسانية بشكل كامل.
    · البوابة الثانية: مفاوضات للحل السياسي تستند إلى المرجعيات المتفق عليها (الاتفاق الإطاري، الوثائق الدستورية السابقة) ولكن مع اعتراف صريح بالأخطاء والثغرات التي أدت لانهيارها، لضمان عدم تكرار الفشل.
    · البوابة الثالثة: تشكيل سلطة مدنية انتقالية كاملة (كما ذكر المقال) ولكن مع آلية قوية ومتوازنة للرقابة المدنية على القطاع الأمني خلال الفترة الانتقالية، كشرط لثقة الجمهور.
    3. إطار تفاوضي “متعدد المستويات” (متعدد المسارات):
    · الاعتراف بأن حل الأزمة يتطلب أكثر من طاولة مفاوضات واحدة بين النخب العسكرية والسياسية.
    · المسار الأول: التفاوض على السلطة والترتيبات الأمنية بين القوى العسكرية والسياسية الرئيسية.
    · المسار الثاني: مؤتمر وطني/مجالس مواطنة يُشرك ممثلي المجتمعات المحلية، النازحين، الشباب، النساء، النقابات في مناقشة القضايا الجوهرية (الهوية، العدالة الانتقالية، تقاسم الثروة، نظام الحكم). تكون مخرجاته ملزمة للمسار السياسي الرئيسي.
    4. إستراتيجية “الخارج الإيجابي الانتقائي”:
    · بدلاً من الموقف العام من “الخارج”، يمكن صياغة إستراتيجية سودانية تفاعلية واضحة:
    · التعاون الكامل مع الآليات الإنسانية الدولية والمحايدة.
    · قبول الوساطة فقط من جهات تُجمع عليها الأطراف السودانية الرئيسية وتلتزم بجدول أعمال سوداني واضح.
    · رفض أي دعم عسكري أو سياسي لأي طرف يخرق وقف إطلاق النار أو يعرقل المسار السياسي.
    · بناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة للحل السوداني، وليست مُصدرةً للحلول.
    5. خطة “العدالة والوحدة” المتوازية:
    · لمعالجة تحذير السيد مناوي من “التفكك المعدي”، يجب أن يسير مسار السلام بموازاة خطاب وممارسات تعزز الوحدة الوطنية. ذلك يشمل:
    · برنامج تواصل وطني: يشرح أبعاد الاتفاقيات للمواطن العادي بلغة واضحة.
    · بدء حوار وطني حول القضايا العالقة (مثل نظام الحكم اللامركزي) حتى قبل الانتخابات، لطمأنة الأطراف حول مستقبل الدولة.
    · الاعتراف الرسمي بمعاناة جميع المناطق ووضع إطار واضح للعدالة الانتقالية والمصالحة في المستقبل.

    الخلاصة: المقال يقدم أساساً فكرياً قوياً يركز على المبادئ (الشرعية، الحل السوداني، الحل الشامل). الحلول الجديدة المقترحة تحاول ترجمة هذه المبادئ إلى آليات عملية تكون أكثر شمولاً في المشاركة، أكثر واقعية في التعامل مع تعقيدات الداخل والخارج، وأكثر وضوحاً في الربط بين الخطوات الإنسانية العاجلة والهدف السياسي الاستراتيجي، مع تجنب فخاخ الخطاب الاستبعادي والجدالات التاريخية العقيمة. المفتاح هو بناء مسار ذي مصداقية يعيد الثقة للمواطن أولاً، ثم يبني عليها الترتيبات السياسية بين النخب.

  2. شكرا السيد مناوي!! انكم عنوان لفترة سوداء جاءت نتيجة طبيعية لعلل الدولة الوطنية بعد الاستقلال ، فبتفاعلكم العبثي على المشهد استكتبتم الدقير عسى و لعل ان يجد صدى لدى شعب ١ جيش ١لعلهم يعقلون و انه لعمري هدف بعيد المنال

  3. وكاننا نسمع لارسطو في القرن العشرين ،، يا استاذنا الجليل والقائد المستقبلي الدقير ،، والله لقد اهدرت وقتا وحبرا وصبرا على هذا القزم الذي لا ينتمي الى البشرية بصلة ،، مناوي من مساعد حلة لزعيم عصابات الى حاكم اقليم بمساحة فرنسا. ،، سبحان الذي اصطفى الانبياء من رعاة الابل واخرون لا يعرفون اباءهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..