
في لحظات الازمات الكبرى التي تمرّ بها الدول، لا تبرز الأخطار والتحديات فقط في شكل جيوش متحاربة أو مدن مدمّرة، بل تتسلل أيضاً عبر الخطاب، والفكرة التي تشكل وعي المجتمع وتؤثر على تماسكه، وإعادة تعريف الذات والآخر. وفي السودان اليوم، يبرز خطاب يمكن توصيفه بـ”العمسيبية” بوصفه أحد أخطر مظاهر هذا الانحراف الفكري، ليس لأنه رأي مختلف، بل لأنه مشروع إقصائي متكامل يسعى إلى إعادة صياغة الوطنية السودانية على أسس عنصرية واستعلائية، ويعمل، بوعي أو بدونه، على تفكيك المجتمع من الداخل.
العمسيبية، في جوهرها، تجاوزت أن تكون مجرد شخصٍ بعينه، بل اصبحت تجسيداً لفكرة ومنهج وخطاب. تقوم على تمظهر ثقافي مصطنع يحاول الظهور في صورة “المثقف الجريء” أو “الناقد الراديكالي”، بينما يفتقر إلى أبسط شروط الثقافة الحقيقية: الاتساق، والتواضع المعرفي، والقدرة على استيعاب التعدد. فبدل أن يكون الخطاب أداة لفهم تعقيدات المجتمع، يتحول إلى وسيلة لاستفزازه، ووصمه، وتصنيفه أخلاقياً وعرقياً.
المثقف الحقيقي لا يستفز مجتمعه بغرض الهدم، بل يصدمه بالحقيقة من أجل البناء. أما الخطاب العمسيبي، فيتخذ من الاستفزاز غاية في ذاته، ويخلط بين النقد والتجريح، وبين التفكيك والتدمير.
أحد أعمدة هذا الخطاب هو التناقض الصارخ في مسألة الهوية. إذ يتنقل بين ادعاء الانتماء الإثني للعرب والانتساب الرمزي إلى العباس، وبين تبنّي حضارة كوش الافريفية التي سبقت العباس بآلاف السنين. هذا التناقض لا يُطرح بوصفه ثراءً تاريخياً أو تركيباً ثقافياً سودانياً مميزاً، بل يُستخدم بشكل نفعي كأداة صراع: تُستدعى العروبة حين تخدم التفوق الرمزي والاستعلاء، وتُستدعى كوش حين يُراد إثبات الاصالة ونفي الآخر أو الطعن في وطنيته. وهنا لا يعود التاريخ مجالاً للفهم والعِبر، بل يتحول إلى سلاح.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن العمسيبية تمثل مدرسة كراهية متكاملة. فهي لا تكتفي بتقديم سردية ذاتية متضخمة، وإعلاءً وهمياً للذات الجماعية، بل تبنيها على تحقير المكونات الأخرى، وتشويهها، ونزع الشرعية الوطنية عنها. ويتجلى ذلك في خطاب استعلاء عرقي متوهم، يصرّح ، أحياناً بوقاحة ، بأن فئة بعينها أحق بالحكم من غيرها، لا استناداً إلى عقد اجتماعي أو تفويض شعبي، بل إلى ادعاء التفوق الإثني أو “الكفاءة الوراثية”.
هذا النوع من الخطاب لا يبقى حبيس الكلمات. فالعمسيبيون يتفوهون بالعنصرية علناً، بينما يمارسها مناصروهم على أرض الواقع، في علاقة معروفة تاريخياً بين التحريض اللفظي والعنف الاجتماعي. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يعمل بصورة ممنهجة على تفكيك الروابط الاجتماعية بين الشعوب السودانية، عبر تكريس الشك، وبث الكراهية، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة وجودية.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين لا يعطي هذا الخطاب أي اعتبار لمشاعر أو تضحيات المكونات الأخرى التي اصطفّت معهم في الحرب، وقاتلت دفاعاً عنهم وعن مناطقهم وأسرهم. فبدل الاعتراف بالشراكة في المصير، يُقابل ذلك بالاحتقار، والتقليل من الشأن، والتعامل معهم كأدوات مؤقتة، او كمرتزقة مدفوعي الأجر، لا كشركاء متساوين. هذا السلوك لا يعكس قوة فكرية أو ذكاء كما يعتقد العمسيبيون، بل أزمة أخلاقية عميقة.
ولضمان بقاء خطابها وحمايته من التفكك، تعتمد العمسيبية على منهج ممنهج في اغتيال الشخصية ونزع المواطنة؛ إذ يُسارع هذا الخطاب إلى وسم كل من ينتقده، أو يختلف معه من المكونات العرقية الأخرى، بصفة “الأجنبي”، وتجرَّده تبعاً لذلك من الانتماء الوطني، وتُنزع عنه صفة السوداني، ويُعاد تعريفه كعنصر دخيل أو غير وطني. بل إن من حارب ضدهم بالسلاح يُصنَّف تلقائياً، وفق هذا المنطق، كعدو للوطن، لا كمواطن له موقف سياسي مختلف، فالوطن ملكهم وحدهم. وهنا نكون أمام فاشية ناعمة تُعيد تعريف الوطنية على أساس الانتماء العرقي أو السياسي لا الانتماء للدولة.
ولا يمكن تجاهل أن ما يجري يحمل ملامح عمل مدروس، سواء من حيث تكرار الرسائل، أو دقة المفردات، أو الاستهداف الواضح لوحدة النسيج الاجتماعي. وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول احتمال وجود امتدادات خارجية أو تقاطعات مع مصالح إقليمية ترى في السودان الموحّد خطراً على مشاريعها.
وفي السياق ذاته، احتكر العمسيبيين شغل المفاصل الأساسية للدولة منذ الاستقلال، وهو ما كانوا ينكرونه سابقاً، ثم أصبحوا يعلنونه بعد الحرب ببجاحة، مصحوباً بتبرير مفاده أنهم الأجدر بتلك المواقع بحكم “الكفاءة العرقية”. هذا الخطاب يكشف عقلية ترى الدولة ملكية خاصة، لا مؤسسة عامة، وتحوّل الخدمة العامة إلى حق حصري لا حق عام للجميع.
ويمارس هذا التيار أيضاً إسقاطاً نفسياً واضحاً على المجتمعات الاخرى، عبر التشكيك في وطنيتها بسبب امتداداتها القبلية في دول الجوار الإفريقي، مثل تشاد أو النيجر أو اريتريا او إثيوبيا. وفي المقابل، يُغضّ الطرف تماماً عن الامتدادات العرقية والقبلية للمجموعات الشمالية مع مصر أو غيرها. وهذا يكشف مشروعاً يسعى إلى تفصيل الوطنية السودانية على مقاس فئات بعينها، في سلوك إقصائي لا يمكن تبريره أخلاقياً أو سياسياً.
لقد أخذت العمسيبية أهلها العزة بالإثم، متناسين أن هذا المسار سيقودهم حتماً يوما ما إلى عزلةٍ سياسيةٍ واجتماعية، وإلى موقفٍ تاريخيٍّ لا يمكن الدفاع عنه مستقبلاً. بل إن هذا الخطاب أصبح خطراً وجودياً حتى على أفراد بيئته نفسها، إلى درجة أن عقلاء من ذات المكونات التي ينتمي إليها العمسيبيون بدأوا يتبرؤون منه، إدراكاً لخطورة مآلاته على الجميع دون استثناء، وإيماناً منهم بسفاهة من يعتنقون هذا الفكر.
إن الدمار الذي تُحدثه العمسيبية أخطر من دمار مدافع الحرب الجارية، لأن الحرب تُدمّر الحجر، أما هذا الخطاب فيُدمّر الإنسان، والثقة، والروابط الاجتماعية، ومعنى الوطن. ومواجهة هذا الخطر لا تكون بالصمت أو المجاملة، بل بالتفكيك الفكري الصارم والمصادم، وتجريم الفكرة بالقانون النافذ، والدفاع الواضح عن مفهوم المواطنة المتساوية، وبناء مشروع وطني جامع لا يُقصي أحداً ولا يحتكر الدولة باسم عِرق أو تاريخ مؤوّل.
فالأوطان لا تسقط فقط حين تُهزم جيوشها، بل حين تُختطف هويتها.




عباس مين مجموعه بقايا مماليك هاربين من مصر واحتوتهم النوبه واستوطنو والطبع غلاب تماهو مع المستعمر واستحوذ و الارض والاعمال والسلطه سودان كوشي والبقيه تشوف محل ماجات منه حتي الدراسات الاخيره لدكتو منتصر الطيب طلعتهم مالهم علاقه بالعرب وان وجدت نسب ماخوزه من المصاهرة