السودان كدولة قادمة … لا كساحة حرب : قراءة سياسية في تصريحات ترامب ومسعد بولس ومسار السلام الجاري

مهدي داود الخليفة
تعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما أعقبها من حديث مستشاره للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال المؤتمر الإنساني في واشنطن، تحولاً نوعياً في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة السودانية، من إدارة إنسانية للأعراض إلى مقاربة سياسية–أمنية لمعالجة جذور الصراع. الإعلان عن وجود خطة سلام مكتملة أعدتها الآلية الرباعية خلال ثلاثة أشهر، ورفعها المرتقب إلى مجلس الأمن، إلى جانب الحديث الواضح عن آلية أممية للانسحاب من المدن، يشير إلى أن الملف السوداني لم يعد ملفاً هامشياً، بل بات جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع لإعادة الاستقرار في الإقليم. الواقع الميداني في السودان، رغم تعقيداته، لم يعد خارج الحسابات الدولية.
فالحرب التي بدأت كمواجهة بين قوتين مسلحتين تحولت إلى صراع حضري معقّد داخل المدن والأحياء، تشابكت فيه العوامل العسكرية بالاجتماعية، والاقتصادية بالإثنية، وتغذّى عبر اقتصاد حرب قائم على الذهب والتهريب.
هذا التشابك هو ما دفع المجتمع الدولي إلى تجاوز فكرة الهدن المؤقتة غير المضمونة، والانتقال نحو ترتيبات أمنية أكثر صرامة وواقعية. في هذا الإطار، تبرز للمرة الأولى ترتيبات جدية لتشكيل قوة مشتركة من بعض دول الجوار السوداني، تتولى مهمة الفصل بين القوتين المتحاربتين وتأمين خطوط التماس، في خطوة تعكس إدراكاً إقليمياً بأن استقرار السودان لم يعد شأناً داخلياً، وأن ترك الصراع مفتوحاً يهدد الأمن الجماعي لدول الجوار. هذه القوة لا تأتي بديلاً عن الدور الأممي، بل كجسر عملي يمهّد لانتشار آلية دولية أوسع بتفويض واضح، ويعالج الفراغ الأمني الذي أفشل الهدن السابقة.
وفي هذا السياق، يجب قراءة تصريحات الفريق عبد الفتاح البرهان الرافضة لأي هدنة “تُقوّي العدو” بوصفها خطاباً موجهاً للداخل أكثر من كونها تعبيراً عن الموقف التفاوضي الفعلي.
فالمعروف أن وفد القوات المسلحة المشارك في المسار التفاوضي في واشنطن قد وافق على الهدنة الإنسانية والترتيبات العسكرية التي يجري وضع اللمسات الأخيرة عليها، ضمن جدول زمني متدرج يراعي تعقيدات الميدان ويضع ضمانات تحول دون استغلال الهدنة لإعادة التموضع العسكري. وفي المقابل، فإن محاولات المضي قدماً في ترتيبات أحادية مثل تشكيل مجلس تشريعي في هذا التوقيت لا يمكن فهمها إلا كمساعٍ للالتفاف على مسار السلام الجاري.
فهذه الخطوات، مهما حملت من شعارات دستورية، تفتقر إلى الشرعية السياسية والاجتماعية، ولن تفضي عملياً إلى إعادة بناء الدولة، في ظل توافق دولي وإقليمي يتجه بوضوح نحو ترتيبات انتقالية مختلفة، تنتهي بقيام حكومة مدنية ذات قاعدة شبابية مستقلة، غير خاضعة لاستقطابات الحرب أو توازنات السلاح.
ولا يمكن فصل المسار السياسي عن معالجة المشهد العسكري الأوسع، بما في ذلك المليشيات المتحالفة مع طرفي الصراع. فإلى جانب الجيش والدعم السريع، تشكلت خلال الحرب شبكة معقدة من التشكيلات المسلحة القبلية والجهوية والحركية، التي قاتلت بدوافع مختلفة، بعضها بدافع الخوف، وبعضها بدافع المصالح. الترتيبات الجارية تدرك أن تجاهل هذه القوى سيقود إلى إعادة إنتاج العنف، ولذلك يجري العمل على إدماجها ضمن مسارات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وفق معايير مهنية صارمة، مع استبعاد أي تشكيل قائم على أساس إثني أو جهوي، وتجريم إعادة تسليح المجتمعات المحلية، وإخضاع المتورطين في جرائم جسيمة لمسار عدالة انتقالية واضح. أما مسألة القيادة العسكرية، فهي حاضرة في صلب الترتيبات، وإن لم تُعلن تفاصيلها بعد. فالتجارب المقارنة أثبتت أن السلام المستدام يتطلب إعادة هيكلة حقيقية للمؤسسة العسكرية، تقوم على قيادة جديدة، وعقيدة وطنية مهنية، ودمج منضبط للقوات، بعيداً عن صفقات الرتب أو تقاسم النفوذ.
دمج الجيش والدعم السريع، وفق هذا التصور، ليس تسوية سياسية، بل عملية أمنية–مؤسسية طويلة تخضع لإشراف دولي مباشر خلال المرحلة الانتقالية، وتستهدف إنهاء اقتصاد الحرب وتجفيف مصادر تمويل السلاح.
البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عن الترتيبات الأمنية. فالحرب خلّفت جروحاً عميقة في النسيج المجتمعي، ووسّعت خطاب الكراهية والانقسام. لذلك، فإن مسار السلام الجاري يراهن على عدالة انتقالية حقيقية، ومصالحة مجتمعية مدعومة دولياً وإفريقياً، وإعادة الاعتبار للإدارة الأهلية دون عسكرة، إلى جانب برامج لمعالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية، باعتبارها شرطاً ضرورياً للاستقرار. وتشير المعطيات إلى أن شهر فبراير، خلال رئاسة بريطانيا لمجلس الأمن، سيشكّل محطة مفصلية، حيث يُتوقع إجازة ترتيبات السلام ووضع الإطار الذي بموجبه تتولى الأمم المتحدة استكمال الجوانب الفنية والسياسية للعملية، بما في ذلك إطلاق صندوق دولي لإعمار السودان، تشارك في قيادته المؤسسات المالية العالمية والصناديق العربية، في إشارة إلى أن السلام هذه المرة مرتبط بخطة اقتصادية واضحة، لا بوعود سياسية فقط. في المحصلة، السودان لم يعد أمام خيارات رمادية.
المسار الجاري، رغم تعقيداته، يعكس إرادة دولية وإقليمية حقيقية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها. السلام لن يكون نتاج هدنة عابرة، بل ثمرة ترتيبات أمنية وسياسية متكاملة، تُنهي حكم السلاح، وتعيد المدنيين إلى موقع القيادة، وتضع البلاد على طريق إعادة البناء. ويبقى الرهان أن تلتقط القوى السودانية هذه اللحظة، وأن تتعامل معها بوصفها فرصة أخيرة لإنقاذ الدولة، لا كساحة جديدة للصراع.
مداميك




السودان دولة قادمة ببولس وترمب يا لخيبة الآمال ؟ اي نخب انتم ؟ اين الثورة والثوار ؟ هل انكشف القناع نعم نخب قحت لم تكن تمثل الثورة ولا الثوار لقد كانوا مجرد لصوص سرقوا عرق الثوار وباعوا الثورة لأجندات ليس لها صلة بأهداف الثورة والثوار
منتظرين ترمب ليحملكم على عقوبات او دبابات أمريكية لتعودوا كما عاد الفشلة في العراق أمثال المالكي وامثال حامد كرزاي في أفغانستان
محن يا نخب قحت
بالله المخلوق الطالح الفوق يردو عليهو كيفن???;;
حتى اسكت يا كوز ما نافع معاهو ،،، غايتو مغصة ساكت ،،، الله يصلح الحال