الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية ( 5 _ 9)

الحلقة الخامسة:
من المشاركة الانتخابية إلى المعارضة المُدارة: جذور التكتيك القديم واستمراره عبر السلطة
تتعمق هذه الحلقة في تفكيك تجربة الحزب الشيوعي السوداني مع المشاركة داخل مؤسسات السلطة بدايةً من نظام عبود مروراً بدخوله برلمان ٢٠٠٥، وصولاً إلى تفاعله مع حكومة البرهان، لتكشف عن مأزق مركب يربط بين الخطاب الثوري والممارسة المحدودة داخل أطر السلطة حيث يصبح ادعاء تمثيل الجماهير أداة لإضفاء شرعية مزيفة على النظام وإعادة إنتاج قبول الهيمنة ( سنخصص حلقات تتناول تجربة الحزب الشيوعي مع انقلاب مايو ١٩٦٩ ) .
في بيان الحزب بتاريخ 9 مارس 1963 حول انتخابات المجلس المركزي لنظام عبود، جاء النص:
“إن الحزب الشيوعي حين يخوض اليوم معركة الانتخابات للمجالس المحلية يعلم حق العلم أنه يخوضها في ظل نظام حكم رجعي دموي، ولا يمكن التعاون معه بأي حال من الأحوال، بل هو يخوضها بهدف تحويل المعركة الانتخابية والعمل داخل هذه المجالس من أجل مصالح الجماهير اليومية، وإلى تجميع قوى العمال والشعب في مؤسسات الجبهة الوطنية الديمقراطية.”
هذا البيان يكشف التناقض الجوهري: الحزب يقر بطبيعة السلطة الاستبدادية ويعرف استحالة التعاون معها ومع ذلك يقرر المشاركة لتحقيق أهداف محدودة ضمن إطار مؤسساتي وضعته السلطة نفسها.
هنا يُبرز نموذج “المشاركة ضمن الإطار السلطوي”، نموذج استمر لاحقاً في انقلاب نميري في مايو ١٩٦٩ ،وبرلمان المؤتمر الوطني ٢٠٠٥، ويبدو حاضراً في تفاعلاته مع حكومة البرهان، مؤكداً استمرارية تكتيك المشاركة كأداة لإدارة المعارضة ضمن بنية السلطة.
توضح تجربة انتخابات المجلس المركزي لنظام عبود هشاشة هذا النهج.
الحكومة العسكرية حرصت على أن تبدو الانتخابات تنافسية مع تمديد فترات التصويت أحياناً، وأحياناً أخرى كان يُجبر المواطنون على المشاركة.
في مدن مثل واو وما حولها، فرّ المواطنون إلى المناطق الريفية مع أدوات زراعتهم هرباً من وصول لجنة الانتخابات، متذرعين بالعمل في الحقول.
تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الذين قاموا بتسجيل أسمائهم في قوائم الناخبين تناقصت من 77% في انتخابات عام 1958م إلى 56.6% في انتخابات 1963م.
وكانت نسبة الناخبين المسجلين في انتخابات 1963م بكل المديريات تقارب المتوسط القومي، عدا مديرية دارفور، التي تناقصت فيها النسبة إلى 40% بعد أن بلغت 60% في انتخابات 1958م.
وكانت المناطق الجبلية الوعرة في دارفور تواجه صعوبات كبيرة في وصول الناخبين إلى أماكن التسجيل والاقتراع.
هذه البيانات تشير بوضوح إلى ضعف الشرعية الشعبية وفتور المشاركة، ما كان يجعل النشاط الشعبي أو المقاطعة أكثر فعالية.
المقاطعة كانت ستكشف زيف السلطة وتخلق فعلاً ثورياً تحريضياً يعزل الحكومة ويضعها تحت ضغط شعبي مباشر، في مقابل المشاركة التي أعطت النظام غطاءً شكلياً ووفرت له إمكانية إعادة إنتاج نفسه وتجميل صورته أمام الداخل والخارج.
تجاوزت المشاركة الرمزية مجرد الانتخابات لتصل إلى التواصل المباشر مع وزراء السلطة الحالية بقيادة البرهان .
فقد قابل الحزب وزير البنية التحتية وقدم مقترحات لتحسين الخدمات لمدينة عطبرة ( اشرنا اليها في مقال سابق ) .
على السطح، بدا هذا الفعل خدمة للجماهير وإظهاراً للحرص على مصالحها اليومية، لكنه في الحقيقة ، يكشف أن ذلك مؤشر على قبول الحزب بمبدأ التعاون مع السلطة، واعترافه ببرنامجها، وادعاء تمثيل الجماهير.
بهذا الشكل، يتحول النشاط إلى أداة لتسلق السلطة وتجميل صورتها، دون قدرة على إحداث تغيير تحويلي فعلي.
هذا التناقض الداخلي يظهر بجلاء: الحزب تائه بين الفكرة والفعل.
يريد تقويض السلطة من الداخل وتحويل مواقع المشاركة إلى أدوات تغيير جذري، ومع ذلك يسعى إلى الحفاظ على نقاء الخطاب الثوري دون أن يتلوث بالسلطة، ودون أن يتحمل النتائج العملية لتفاعله معها.
النتيجة: شعارات راديكالية على الورق، وفعل محدود داخل مؤسسات السلطة، مع الحفاظ على ادعاء تمثيل الجماهير ومصالحها اليومية.
هذا النهج، الذي بدأ مع نظام عبود، استمر لاحقًا مع دخول البرلمان في ٢٠٠٥ تحت حكومة الانقاذ، حيث ارتُفع الخطاب النقدي خارج البرلمان، بينما الممارسة داخل مؤسسات السلطة تتحرك ضمن حدود مرسومة مسبقاً.
وحتى في سياق حكومة البرهان، تتكرر هذه الاستراتيجية.
مجرد المشاركة ضمن برنامج مزيف، مهما ارتفع الخطاب الثوري، لا تُحدث تغييراً حقيقياً وتحوّل المعارضة إلى عنصر ضمن آلية السلطة لإعادة إنتاج نفسها، وتهدر الطاقات الجماهيرية دون نتائج فعلية.
إن المعارضة ليست مجرد موقع قانوني أو صوت يُرفع داخل المؤسسة، بل علاقة صراعية مع السلطة بوصفها تجسيداً لعلاقات الهيمنة.
حين يُختزل الفعل السياسي إلى المشاركة ضمن مؤسسات السلطة يُفرغ الخطاب الثوري من محتواه، ويُستبدل الصراع الاجتماعي بإدارة الخلاف السياسي داخل قنوات مؤسسية آمنة ويصبح الحزب وسيطاً بين السلطة والجماهير دون قدرة على خلق تغيير حقيقي.
الوقائع المذكورة ، يؤكد أن جذور هذه التكتيكات تعود إلى عبود، واستمرت مع مايو و الانقاذ في برلمان ٢٠٠٥، ووصلت إلى الحالة الحالية.
كما توضح أن مجرد المشاركة ضمن برنامج مزيف لم تُنتج تغييراً حقيقياً، في حين أن مقاطعة واعية للانتخابات أو رفض المشاركة ضمن أطر مزيفة كانت ستفتح أفقاً لتحريك الجماهير، وكشف زيف السلطة، وخلق فعل ثوري فعال قادر على عزل النظام من الداخل.
اللقاءات مع الوزراء، والاقتراحات التي قدمها الحزب باسم الجماهير، تظهر كيف يمكن أن يتحول النشاط الظاهري إلى أداة لتسلق السلطة تحت شعارات خدمة الشعب، دون أن يترك أثراً تحويلياً وتحول الحزب الى مستشار .
في الحلقة القادمة سيتم تحليل أثر هذه الاستراتيجية على صورة الحزب لدى الجماهير، وكيف يتآكل الرصيد الرمزي والتاريخي للفعل الثوري حين تتقدم البراغماتية على المبادئ، وكيف يتحوّل خطاب المعارضة إلى أداة للتكيف مع السلطة وتختلط حدود الفكرة بالفعل، في تجربة تكشف مأزق كل حزب يسعى إلى التغيير من الداخل ضمن بنية سلطوية صارمة.



