مقالات وآراء

جبر الخواطر … قصة في الخاطر!!

خطرفات ذاتية
سايمون دينق
لدى قبيلة الدينكا، مسلّمات اجتماعية لا تثير الدهشة بقدر ما تثير الفضول عند غيرهم
الفتاة في سن الزواج عند الدينكا غير مطالبة ابدًا بالاكتفاء بحبيب واحد.
فالحب في مرحلته الأولى مساحة مفتوحة، أشبه بساحة القرية وقت العصر؛ يدخلها من يشاء ويغادرها من يشاء، شريطة أن تظل الأمور في حدود الأدب، ولا تنزلق إلى الوقوع في المحظور
وبموجب هذه القاعدة الذهبية، يصبح مشهدا عاديا جدا أن ترى عاشقا أو اثنين، وربما ثلاثة، يقفون في أركان متفرقة قرب بيت أسرة الفتاة في أوقات الفراغ، غالبا في منتصف النهار، حين لا تكون الفتاة التزامات اسرية مثل طحن الذرة أو جلب الماء أو واجبات اخرى.

وإذا صادف ان حضر أكثر من عشيق في التوقيت نفسه، فإن الأمر يُحسم ببساطة وهدوء:
تنظر الفتاة نظرة سريعة، تقيس المسافات، ثم تتجه نحو الأقرب إلى قلبها في تلك اللحظة، لتقضي وقتا لطيفا من حديث الحب تحت شجرة وارفة الظل.
أما البقية، فينسحبون في هدوء رياضي نبيل، بلا شجار ولا دموع، وكل واحد منهم يمني نفسه بأن الحظ قد يبتسم له في الجولة القادمة.

أحيانا، تتدخل الأسرة وتستخدم حق “الفيتو”. فإذا رأت أن أحد العشاق لا يليق من حيث الأصل او بسبب سمعة اسرته السيئة، نصحت ابنتها بقطع العلاقة فورا. عندها تبلغ الفتاة عشيقها القرار بكل لباقة، ومن غير التزام بشرح الأسباب. تنتهي القصة عند هذا الحد، بلا ضجيج ولا مسلسلات تركية.
وفي النهاية، وكما هي سنة الحياة، يبقى حبيب واحد فقط يفوز بالزواج بعد مشوار حافل بالقصص الغرامية… وهاردلك للبقية.
وفي أسوأ السيناريوهات، تقرر الأسرة أن تختار العريس بنفسها من بين قائمة العشاق، والقرار نهائي غير قابل للنقاش، حتى لو كانت للفتاة وجهة نظر أخرى.. فالكلمة الأخيرة ليست دائما للقلوب.

لكن… ولأن لكل قاعدة شواذ، تُحكى قصة فتاة حيّرت القرية بأكملها.
كانت تفضّل الجلوس مع عشيق غريب، وافد من قرية بعيدة، على حساب شاب من أبناء قريتها، رغم أن الاثنين كانا يحضران في التوقيت نفسه.
وفي كل مرة، تذهب للغريب، وتترك ابن الحي واقفا يعدّ النمل.
في إحدى الأمسيات، التقيا في مناسبة اجتماعية، فجمع الشاب شجاعته وسألها بصراحة:
“أنا ناقصني شنو؟
مال؟ مكانة اجتماعية؟ ولا القبيلة ذاتها؟ ليه الغريب دائماً وأنا لا؟”
ابتسمت الفتاة بثقة العارف، وقالت له بهدوء:
“أنت حبي الحقيقي، وزوجي المستقبلي… لا تخف، الأسرتان راضيتان عن علاقتنا، ولن أختار غيرك أبدا..أنت من ملك فؤادي.”
ثم أضافت، وكأنها تلقي محاضرة أخلاقية قصيرة:
“أما الغريب، فاختياري له سببه بسيط: المسكين يقطع مسافات طويلة ماشيا ليصلني، ولا يليق أخلاقيا أن أكسر بخاطره وأصرفه خائبا بلا لقاء
اما أنت فابن الحي، نلتقي متى ما شئنا.|
ما أفعله معه مجرد جبر خواطر… لا أكثر.”
وختمت حديثها بنبرة مطمئنة:
“دع عنك الشكوك، وابدأ في ترتيب أمور زواجنا.”
عاد صاحبنا إلى بيتهم وهو يكاد يطير من الفرح، مطمئناً، مقتنعا، ومسلحا بمنطق لا غبار عليه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يهتم إطلاقا بأخبار عشاق حبيبته.

لم تمضِ سوى أيام معدودات…
حتى جاءه صديق يدعوه لحضور مناسبة زواج في إحدى القرى البعيدة.
ذهب الرجل…
وكانت الصدمة الكبرى:
العروس؟ هي حبيبته.
والعريس؟
كان ذلك العشيق الغريب.
أما جبر الخواطر…
فقد انكسر بلا رجعة. 😄

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..