حين يجلجل صوت المعلم… فليسمع المجتمع؟

في زمنٍ كثر فيه الصمت، وقلَّت فيه الكلمات الصادقة، يخرج صوت الأستاذ كمال حسين كصرخة ضميرٍ حيٍّ في وجه مجتمعٍ نخشى أن يفقد بوصلته.
ليس ما كتبه كمال حسين مجرد مقالٍ عابر، ولا غضبة قلمٍ سرعان ما تهدأ؛ بل هو رميةٌ واعية للكرة في ملعب المجتمع كله: في ملعب الآباء والأمهات، في ملعب الأغنياء والبسطاء، في ملعب كل من له طفل يجلس اليوم على مقعدٍ مدرسي ينتظر مستقبله.
كمال حسين لم يكتب ليهاجم أحدا، ولا ليجامل، بل ليقول الحقيقة كما هي: إن قضية التعليم لم تعد قضية وزارة، ولا قضية نقابة، ولا حتى قضية معلم يطالب بزيادة راتب… إنها قضية مجتمعٍ كامل يقف اليوم على حافة انهيارٍ تربوي خطير.
لقد تعودنا من كمال حسين الكتابة الناضجة الملهمة؛ عقلٌ كامل، ووجدانٌ سليم، وجرأةٌ لا تخشى مواجهة الحقائق.
لذلك جاءت كلماته واضحةً كالجرس في ليلٍ طويل: أولادكم ما زالوا في المدارس الحكومية، لكن أي مدارسٍ هذه؟
مدارسٌ يعمل فيها المعلم كادحًا على الفتات، مدارسٌ صار فيها الدرس الإضافي تجارةً معلنة، مدارسٌ يدفع فيها الطالب ثمن الماء والكرسي والكراسة، بينما يتقاضى آخرون المليارات بلا علاقةٍ بالتعليم، وتُصرف بدلات السكن كما لو كان أصحابها يسكنون قصور الفراعنة.
أي مفارقةٍ هذه؟
المعلم الذي يصنع العقول يعيش على الهامش، والمال العام يتدفق حيث لا علم ولا تربية.
تخيلوا المشهد بصدق: طفلٌ يخرج من المدرسة ليذهب إلى درسٍ إضافي يدفع فيه في أدنى الأحوال، مبلغا ينوء به كتف الاسرة، في اليوم، بينما أبناء المليارديرات يدرسون في مدارس تلمع جدرانها كالذهب.
ثم يأتي النظام ليقول ببرود: “التعليم متاح للجميع.”
نعم… متاح، لكن لمن يستطيع الدفع فقط.
أما البقية فليتعلموا من الهواء!
وهنا تكمن خطورة ما حذّر منه الأستاذ كمال.
فالذين باعوا سور المقابر، وباعوا المصالح الناجحة، وباعوا القطن والسكة الحديد والميناء… لن يترددوا لحظة في بيع التعليم نفسه.
الخصخصة قادمة، لا كإصلاحٍ مدروس، بل كـ”مزادٍ علني” يُقام على حساب أطفال هذا البلد ومعلميه.
وحينها، سيكتشف المجتمع الحقيقة المتأخرة: أن صرخة المعلم لم تكن من أجل جيبه، بل من أجل مستقبل أولادكم.
سيكتشف الناس أنهم حين تركوا المعلم يواجه الفقر وحده، كانوا في الحقيقة يتركون أبناءهم يواجهون الجهل.
لهذا فإن كلمات الأستاذ كمال حسين ليست مجرد تحذير… إنها إنذارٌ أخلاقي للمجتمع كله.
فإما أن نقف اليوم مع المعلمين، ندعم قضيتهم، ونطالب لهم بحياةٍ كريمة تليق بدورهم، وإما أن نستعد غدًا للوقوف في طوابير طويلة أمام أبواب المدارس الخاصة، ندفع من جيوبنا أثمان تعليمٍ كان يومًا حقًا عامًا.
قضية المعلمين ليست قضية فئةٍ مهنية، بل قضية العدالة الاجتماعية نفسها.
هي قضية مستقبل أطفالنا، وكرامة المجتمع، ومعنى الدولة.
شكراً للأستاذ كمال حسين…
لأنه ما زل تقول الحقيقة حين يصمت الآخرون، ولأنه ما زل يقف حيث يجب أن يقف أصحاب الضمير.
أما نحن… فنعترف أن الكلمات قد تعجز أحيانًا عن وصف الشجاعة والصلابة.
لكن يكفينا أن نقول: إن صوتك اليوم ليس مجرد مقال، بل جرس إنذارٍ يوقظ مجتمعًا كاملاً قبل فوات الأوان.



