
على ضوء قرار السيد وزير المالية بزيادة أجور العاملين بالدولة، والذي جاء فيه أن هذه الزيادة تطبق على الباحثين بالوحدات المركزية إلا بعد فك ارتباطهم بأساتذة الجامعات، نقول للسيد الوزير: لا فكاك . في الدول التي تطمح إلى بناء اقتصاد المعرفة، تُعد العلاقة بين الجامعات والمراكز البحثية علاقة عضوية لا يمكن فصلها دون أن يتضرر الطرفان.
فالبحث العلمي ليس نشاطًا منفصلًا عن التعليم العالي، بل هو الامتداد الطبيعي له، والمجال الذي تتحول فيه المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع والاقتصاد. لذلك جاء قرار استثناء الباحثين في الهيئات والمراكز البحثية من زيادة رواتب العاملين بالدولة — ما لم يفكوا ارتباطهم بأساتذة الجامعات — مثيرًا للتساؤل حول جدوى هذا الشرط وآثاره على منظومة البحث العلمي.. لقد استغرق بناء الهيكل الوظيفي للباحثين سنوات طويلة من الجهد والمرافعات العلمية والإدارية، حتى استقر على هيكلة مماثلة لنظام أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
فـ مساعد التدريس يقابله مساعد باحث، والمحاضر يقابله باحث، ثم أستاذ مساعد وأستاذ مشارك في مسار البحوث، وهي درجات ترتبط أساسًا بالمؤهلات العلمية والإنتاج البحثي، تمامًا كما هو الحال في الجامعات. ولم يكن هذا التماثل في الهيكلة مجرد مسميات، بل كان اعترافًا بأن البحث العلمي والتعليم الجامعي جناحان لمنظومة معرفية واحدة. فالمراكز البحثية تمثل في كثير من الأحيان معامل مفتوحة ومزارع تجريبية يتدرب فيها طلاب الكليات ذات الصلة، ويجري فيها طلاب الدراسات العليا تجاربهم العلمية تحت إشراف مشترك بين الباحثين وأساتذة الجامعات.
إن مطالبة الباحثين بفك هذا الارتباط كشرط لنيل حق مالي مشروع لا يهدد فقط حقوق الباحثين، بل يهدد أيضًا جسور التعاون العلمي التي بُنيت عبر عقود. فالطلاب سيخسرون بيئة تدريبية مهمة، والجامعات ستفقد جزءًا من فضائها التطبيقي، والمراكز البحثية ستنعزل عن أحد أهم روافدها العلمية. الأمر في جوهره لا يتعلق بالهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بفلسفة إدارة المعرفة في الدولة. فالدول التي نجحت في تطوير قطاعاتها الزراعية والحيوانية والصناعية فعلت ذلك عبر تعزيز التكامل بين الجامعات ومراكز البحوث، لا عبر الفصل بينها. إن قطاع الثروة الحيوانية — الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد في السودان — يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى منظومة بحثية متماسكة، تتكامل فيها الجامعات مع المراكز المتخصصة لإنتاج المعرفة وتطوير التقنيات وتحسين الإنتاج. لذلك فإن الحفاظ على الارتباط المؤسسي والعلمي بين الجامعات والمراكز البحثية ليس مطلبًا فئويًا، بل ضرورة وطنية لضمان استمرار تدفق المعرفة وتطوير القطاعات الإنتاجية.
كما أن استقرار الباحث المادي ليس ترفًا إداريًا، بل هو شرط أساسي للإبداع والإنتاج العلمي. فالبحث العلمي بطبيعته عمل يتطلب صفاء الذهن وطول النفس والصبر على التجربة والتحليل. وعندما ينشغل الباحث بهموم المعيشة وضغوط الحياة اليومية، فإن جزءًا من طاقته الذهنية يتبدد بعيدًا عن المعمل والمزرعة وحقل التجربة. لذلك فإن توفير بيئة مهنية مستقرة وعادلة للباحثين هو في حقيقته استثمار مباشر في جودة المعرفة التي ينتجونها، وفي الحلول العلمية التي ينتظرها المجتمع والاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي نود أن تصل — بكل التقدير والاحترام — إلى السيد وزير المالية، أن العلاقة بين الجامعات والمراكز البحثية ليست علاقة يمكن فكها بقرار إداري أو ربطها بشرط مالي. فهذان الكيانان ليسَا توأمًا سياميًا يمكن فصله جراحيًا، بل هما جناحان لطائر واحد؛ جناح للتعليم وجناح للبحث والتجريب. وإذا انفصل أحد الجناحين تعثر الطيران، وتباطأ مسار النمو والتطور الذي تنشده البلاد.
وفي نهاية الأمر، و لكل من يهمه الأمر، فإن الأمم لا تُبنى بالقرارات المالية وحدها، بل تُبنى بالعقول التي تُفكر، وبالبيئات التي تُتيح لهذه العقول أن تعمل في طمأنينة وكرامة. والباحث حين يجد الاستقرار والتقدير، لا يمنح جهده لمؤسسته فحسب، بل يهب علمه لوطن كامل ينتظر ثمرة المعرفة. إن الجامعات والمراكز البحثية ليست مؤسسات متجاورة في الجغرافيا فحسب، بل هي منظومة واحدة تتنفس العلم وتنتج المعرفة. وإذا كان التعليم يزرع الفكرة في عقول الطلاب، فإن البحث العلمي هو الحقل الذي تنمو فيه هذه الفكرة حتى تصبح حلًّا أو ابتكارًا أو نهضة. ولهذا فإن الحفاظ على هذا التكامل ليس مطلبًا وظيفيًا ضيقًا، بل رهان على مستقبل البلاد نفسه. فالأوطان التي تكرم علمها وعلماءها تمضي بخطى واثقة نحو التقدم، أما الأوطان التي تُثقل كاهل المعرفة بالقيود والاشتراطات، فإنها — دون أن تشعر — تؤخر موعد نهضتها. فالعلم جناح، والبحث جناح، ولا يليق بطائر الوطن أن يُطلب منه الطيران بجناحٍ واحد.
مزاهر القدال _ مركز بحوث الانتاج الحيواني _ حلة كوكو


