الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية (7_9)

د. عبد المنعم همت
الحلقة السابعة: النقابات بين روح البناء ومنطق الاحتواء
يصعب الحديث عن تاريخ العمل النقابي في السودان دون التوقف عند الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي في مرحلة التأسيس. فقد أسهم الحزب في إدخال تقاليد تنظيمية جديدة إلى الحياة النقابية وقدم عدداً من كوادره الذين امتلكوا قدرة واضحة على التنظيم والتعبئة وبناء الهياكل النقابية. في تلك المرحلة، كان النشاط النقابي مرتبطاً بروح المبادرة الاجتماعية وكان كثير من النقابيين الذين تأثروا بأفكار اليسار يعملون على ترسيخ مفهوم التنظيم المهني الحديث داخل المجتمع السوداني.
هذا الدور المبكر كان له أثر مهم في ترسيخ تقاليد العمل الجماعي داخل قطاعات العمال والمهنيين. فقد ساعدت الكوادر المرتبطة بالحزب في نشر ثقافة التنظيم وفي بناء نقابات قادرة على الدفاع عن مصالح أعضائها. كما ساهمت في ترسيخ فكرة أن النقابة مؤسسة تمثل العامل أو المهني في مواجهة السلطة أو أصحاب العمل.
غير أن مسار العلاقة بين الحزب والنقابات شهد تحولاً تدريجياً مع مرور الزمن. فبدلاً من النظر إلى النقابات باعتبارها مؤسسات مستقلة تعبّر عن مصالح قواعدها المهنية، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من ساحة الصراع السياسي. ومع اتساع نفوذ الحزب في بعض القطاعات، أخذت النقابات تتحول إلى مساحات تعمل في اتجاه سياسي محدد يرتبط بخط الحزب.
هذا التحول كان له أثر مباشر في طبيعة العمل النقابي نفسه. فالنقابة التي يفترض أن تكون مساحة جامعة لأصحاب المهنة الواحدة، صارت في بعض الحالات أقرب إلى إطار يعمل وفق رؤية سياسية محددة. وعندما يحدث ذلك تتغير طبيعة النقاش داخل النقابة، ويتراجع التركيز على المطالب المهنية لصالح القضايا السياسية العامة.
تظهر هذه المسألة بصورة أوضح في الواجهات التنظيمية التي ارتبطت بالحزب في مجالات مختلفة. فقد ظهرت تحالفات قدمت نفسها كأطر ديمقراطية واسعة تضم طلاباً ومهنيين والمرأة والشباب من اتجاهات متعددة. غير أن التجربة العملية في عدد من هذه التحالفات كشفت عن واقع مختلف في بعض الأحيان.
من أبرز هذه النماذج تجربة الجبهة الديمقراطية للطلاب التي قُدمت منذ نشأتها كتحالف يجمع بين الديمقراطيين والشيوعيين وغيرهم من الطلاب التقدميين. الفكرة الأساسية لهذا التحالف كانت تقوم على توسيع قاعدة العمل الطلابي وفتح المجال أمام مشاركة تيارات متعددة في النشاط السياسي داخل الجامعات.
غير أن الممارسة العملية داخل بعض المؤسسات التعليمية أظهرت أن إدارة الجبهة كانت تتم عبر الهياكل التنظيمية للحزب داخل الجامعة أو المدرسة. كانت اجتماعات فرع الحزب تناقش القضايا الأساسية المتعلقة بالنشاط الطلابي ويتم الاتفاق على الموقف الذي يجب طرحه داخل الجبهة الديمقراطية. وعندما تعقد اجتماعات الجبهة، يدخل أعضاء الحزب برؤية موحدة جرى الاتفاق عليها مسبقاً.
بهذه الطريقة يتحول النقاش داخل التحالف إلى إجراء شكلي في بعض الحالات، إذ تكون النتيجة معروفة قبل بدء الاجتماع. يظهر النقاش كعملية ديمقراطية كاملة، غير أن القرار الحقيقي يكون قد اتخذ في إطار تنظيمي آخر. هذا الأسلوب جعل كثيراً من الشركاء داخل التحالف يشعرون بأن دورهم يقتصر على الحضور أكثر من المشاركة الفعلية في صناعة القرار.
هذا النموذج لم يكن محصوراً في المجال الطلابي. فقد ظهر بدرجات مختلفة في عدد من المنظمات التي ارتبطت تاريخياً بالحزب، مثل اتحاد الشباب السوداني والاتحاد النسائي السوداني، إضافة إلى التحالفات المهنية التي نشأت داخل قطاعات الأطباء والمعلمين والمهندسين والصيادلة وأساتذة الجامعات. في هذه المجالات أيضاً ظهرت أطر تنظيمية واسعة في ظاهرها، غير أن إدارتها كانت تدور غالباً حول مركز تنظيمي محدد.
الأثر الذي ترتب على هذا الأسلوب كان واضحاً مع مرور الوقت. فحين يشعر الشركاء داخل أي تحالف بأن القرار يتخذ خارج الإطار الذي يجمعهم، تتراجع روح المبادرة لديهم. المشاركة تفقد معناها الحقيقي، والنقاش يتحول إلى إجراء روتيني لا يغير من مسار القرار.
كما أن هذه التجارب حدّت من قدرة تلك التحالفات على إنتاج قيادات جديدة من خارج الإطار الحزبي. فالمجالات الطلابية والمهنية كانت قادرة على أن تتحول إلى مدارس لتكوين قيادات متنوعة في رؤيتها وتجربتها. غير أن الهيمنة التنظيمية داخل بعض هذه التحالفات جعلت القيادة الفعلية تدور في نطاق ضيق، الأمر الذي أضعف فرص التطور الطبيعي للعمل الجماعي.
هذا المسار ترك أثراً عميقاً في الحياة النقابية والمهنية في السودان. فقد تحولت بعض النقابات إلى ساحات صراع سياسي أكثر من كونها مؤسسات تعبر عن مصالح أعضائها. ومع اتساع الاستقطاب، أصبح من الصعب على كثير من المهنيين النظر إلى النقابة باعتبارها إطاراً جامعاً لكل أبناء المهنة.
في التجارب النقابية الحديثة حول العالم، تُعد استقلالية النقابات أحد أهم شروط فاعليتها. فالنقابة التي تستطيع جمع مختلف الاتجاهات المهنية حول مطالب مشتركة تكتسب قوة حقيقية في الدفاع عن حقوق أعضائها. أما النقابة التي تنخرط بصورة مباشرة في الصراع الحزبي فإنها تواجه خطر فقدان جزء من قاعدتها الاجتماعية.
هذا الدرس كان يمكن أن يسهم في تطوير التجربة النقابية السودانية لو جرى التعامل معه بقدر أكبر من المرونة. فوجود أعضاء حزبيين داخل النقابات يمثل ظاهرة طبيعية في أي مجتمع سياسي. العضو النقابي يحمل أفكاره وقناعاته، ويشارك في النقاش العام داخل النقابة. غير أن تحويل النقابة نفسها إلى امتداد تنظيمي لحزب سياسي يضعف قدرتها على تمثيل جميع أعضائها.
لقد أدى هذا المسار إلى تضييق دائرة التحالفات المهنية التي كان يمكن أن تنشأ حول النقابات. فالشركاء المحتملون أصبحوا أكثر حذراً في الانخراط داخل أطر يُنظر إليها على أنها تعمل وفق أجندة سياسية محددة. ومع مرور الزمن، انعكس ذلك على قوة العمل النقابي نفسه.
التجربة النقابية في السودان ما تزال تحتاج إلى مراجعة هادئة لتاريخها، بما في ذلك المرحلة التي شهدت صعود نفوذ الأحزاب داخل النقابات. الهدف من هذه المراجعة لا يتعلق بإدانة الماضي بقدر ما يتعلق بفهمه. فالنقابات تحتاج إلى مساحة استقلال حقيقية حتى تتمكن من أداء دورها المهني والاجتماعي بصورة فعالة.
في الحلقة القادمة سيقترب النقاش من بنية الحزب الداخلية نفسها، لأن فهم هذه الظواهر لا يكتمل دون النظر إلى طبيعة التنظيم الذي يقف خلفها. فالأحزاب التي تواجه تحولات اجتماعية كبيرة تحتاج دائماً إلى مراجعة أدواتها التنظيمية، حتى تظل قادرة على التفاعل مع المجتمع الذي تعمل داخله.



