مقالات وآراء

محمد عمر بشير.. رجل أمة ومؤسس مشروع التنوير الوطني

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

عندما قدمتُ طالباً إلى جامعة أم درمان الأهلية في العام 1992م، لم أكن أعلم ـ شأن كثيرين من أبناء دفعتي ـ من هو مؤسس هذه الجامعة التي جئنا إليها محمّلين بأحلام الشباب وأسئلة المستقبل. كانت الجامعة بالنسبة إلينا مجرد صرح أكاديمي مختلف، له سمعته ومكانته، لكننا لم نكن ندرك أن وراء هذا الصرح قصة رجلٍ استثنائي كرّس حياته للفكر والتعليم وبناء الإنسان السوداني.

وفي أول أيامنا بالجامعة، تمت دعوتنا ـ نحن الطلاب الجدد ـ مع الأساتذة والموظفين ومدير الجامعة حينها البروفيسور عبد الرحمن أبو زيد إلى زيارة قبر المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير في مقابر حمد النيل، حيث دُفن مقابل البوابة الرئيسية للجامعة.

كانت المسيرة صامتة وحزينة ومهيبة في آنٍ واحد. سرنا جميعاً في خشوعٍ نحو القبر، وكأن الجامعة بأكملها كانت تمشي يومها لتودّع روح مؤسسها. وعند القبر وقفنا ندعو له بالرحمة، ثم تم تعريفنا بأن هذا هو قبر البروف الذي رحل قبل أشهر قليلة فقط. كان المشهد عميق الأثر في نفسي؛ إذ شعرت للمرة الأولى أن هذه الجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات دراسة، بل فكرة عظيمة صنعها رجل آمن برسالة التعليم والتنوير.

ومنذ تلك اللحظة، أدركت أن في ذلك القبر يرقد رجلٌ لم يكن مجرد أستاذ جامعة أو إداري أكاديمي، بل كان ـ كما وصفته لاحقاً في كتاباتي عنه ـ “رجل أمة”. رجل حمل همّ السودان فكراً وتعليماً وهويةً، وجعل من الجامعة مشروعاً وطنياً لبناء العقل السوداني الحر، المؤمن بالتعدد والمعرفة والإنسان.

لقد مثّل محمد عمر بشير أحد أبرز رموز النخبة الوطنية السودانية التي ربطت بين المعرفة والعمل العام، وبين الفكر ومسؤولية بناء الدولة الحديثة. ولد بمدينة كريمة عام 1926م، في مرحلة كانت فيها الحركة الوطنية السودانية تتبلور في مواجهة الاستعمار، فانعكس ذلك على تكوينه الفكري المبكر، وعلى اهتمامه العميق بقضايا الاستقلال والهوية والوحدة الوطنية.

درس في جامعة الخرطوم، ثم واصل رحلته العلمية في بريطانيا، فنال بكالوريوس الاقتصاد من جامعة كوينز في بلفاست، ثم درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة أكسفورد. غير أن قيمة محمد عمر بشير لم تكن في درجاته العلمية وحدها، وإنما في تحويله المعرفة إلى مشروع وطني يستهدف بناء الإنسان السوداني القادر على التفكير الحر والانفتاح على العالم دون التفريط في هويته الوطنية.

وقد انشغل البروفيسور محمد عمر بشير مبكراً بما يمكن تسميته “سؤال السودان الكبير”؛ أي كيف يمكن بناء وطن موحد في ظل التنوع الثقافي والعرقي والإقليمي. ولذلك جاءت كتاباته حول الجنوب والوحدة الوطنية والتعليم والتنمية بوصفها محاولات فكرية عميقة لفهم الأزمة السودانية من جذورها، بعيداً عن الخطابات السياسية الضيقة.

لم يكن ينظر إلى التعليم باعتباره عملية تلقين، بل باعتباره أداة للتحرر الوطني وصناعة الوعي. ولذلك ظل يدعو إلى تحديث التعليم وربطه بقضايا المجتمع والتنمية، وكان يرى أن الجامعة يجب أن تكون مؤسسة لإنتاج الفكر النقدي، لا مجرد مرفق يمنح الشهادات. ومن هنا جاءت تجربته الرائدة في تأسيس جامعة أم درمان الأهلية، التي شكّلت نموذجاً مختلفاً في التعليم السوداني، قائماً على الاستقلال الأكاديمي والانفتاح الفكري وخدمة المجتمع.

لقد كانت الجامعة بالنسبة إليه مشروعاً وطنياً أكثر من كونها مؤسسة أكاديمية. أراد لها أن تكون مساحة للحوار الحر، ومنبراً للتعدد، وجسراً بين المعرفة وقضايا الناس. ولذلك استطاعت الجامعة أن تترك أثراً كبيراً في الحياة الثقافية والفكرية السودانية، وأن تخرّج أجيالاً من المثقفين والمهنيين الذين حملوا روح مشروعها التنويري.

كما لعب محمد عمر بشير أدواراً وطنية مهمة خارج الإطار الأكاديمي؛ فاختير سكرتيراً لمؤتمر المائدة المستديرة الخاص بجنوب السودان، وأسهم في الحوارات الفكرية حول مستقبل الدولة السودانية، كما شارك في مؤتمرات عربية وأفريقية ودولية، وعمل مستشاراً لاتحاد الجامعات العربية والأفريقية، وكان عضواً في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وقد عكس هذا الحضور مكانته بوصفه مفكراً سودانياً ذا بعد قومي وإنساني.

ومن أبرز ما ميّز مشروعه الفكري أنه كان مشروعاً قائماً على الإيمان بالتعدد السوداني، وعلى رفض الانغلاق والتعصب. فقد كان يرى أن قوة السودان تكمن في تنوعه، وأن بناء الهوية الوطنية لا يتم بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل والشراكة الثقافية والإنسانية. ولهذا ظل مفهوم “السودانوية” حاضراً في كتاباته باعتباره محاولة لصياغة وعي وطني جامع.

رحل محمد عمر بشير عام 1992م، لكنه ترك وراءه إرثاً فكرياً وتعليمياً لا يزال حاضراً في الوجدان السوداني. فقد رحل الجسد، وبقيت الفكرة. وبقيت الجامعة التي أسسها شاهداً على رجل آمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء العقل، وأن التعليم ليس ترفاً، بل قضية وطنية كبرى.

إن الحديث عن محمد عمر بشير ليس مجرد استعادة لسيرة أكاديمي بارز، بل هو استدعاء لمرحلة من تاريخ السودان كان فيها المثقف الوطني جزءاً من مشروع النهضة والتنوير. ولذلك استحق بجدارة أن يوصف بأنه “رجل أمة”؛ لأنه عاش للمعرفة، وعاش للسودان، وجعل من التعليم رسالة للتحرر والوحدة وبناء المستقبل.

هامش المراجع والمصادر

محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان.

محمد عمر بشير، تطور التعليم في السودان.

محمد عمر بشير، التنوع والإقليمية والوحدة القومية.

محمد عمر بشير، السودانوية: إشكالية الهوية والقومية السودانية.

أرشيف جامعة أم درمان الأهلية ووثائقها التاريخية.

وثائق مؤتمر المائدة المستديرة حول جنوب السودان.

دراسات ومقالات حول الحركة الفكرية والتعليمية في السودان الحديث

‫6 تعليقات

  1. لك التحية د. صلاح ورحم الله بروف محمد عمر بشير وهذه لفتة بارعة منك دكتور ولا يعرف الفضل من الناس الا ذويه. بعد كل ما عدد من مناقب الرجل يأتي دكتور الوليد مادبو ويقول لك هذه اصنام صنعها الجلابة…….

  2. تحية لدكتور صلاح على هذا المقال عن الدكتور محمد عمر بشير مؤسس جامعة ام درمان الأهلية رحمه الله رحمة واسعة. والآن مر على وفاة الرجل اكثر من ثلاثة وعقود ولم نر أي تكريم لشخصه، فأين مجلس أمناء الجامعة ومديريها الذين تعاقبوا على إدارتها من موضوع التكريم. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد مرور هذه المدة الطويلة هل حققت الجامعة أهدافها على المستوى الكلي؟ لا أعني المستوى الجزئي وهو تخريج الكثير من الطلبة والطالبات، بل أهداف الجامعة التي تعني بالتنوير المجتمعي عن الدولة السودانية متعددة الأعراق واللهجات.

  3. لك الشكر والتقدير جمال الهادي -كنت قد التقيت الاستاذة آمال محمد عمر بشير ابنة البروف الراحل قبل شهر من كتابة هذا المقال وجدتها في حسرة على احراق (المتحاربين) لمركز محمد عمر بشير بكل ما فيه من إرث ووثائق ومراجع ومصادر وكتب- ظلت جامعة أمدرمان الاهلية منذ ان عرفتها في العام ١٩٩٢ وحتى اليوم محل استهداف ممنهج – يجعل الإجابة على سؤالك المهم (هل حققت الجامعة أهدافها على المستوى الكلي ) مستوى التنوير المجتمعي . إجابتي إلى حد كبير نعم رغم التحديات الكبيرة المشار اليها آنفاً.

  4. شكرا دكتور صلاح وانت تقدم رؤية ثرية تعيد الاعتبار للبروفيسور محمد عمر بشير بوصفه أحد آخر رموز المثقف الوطني الذي جمع بين الفكر والتعليم والعمل العام.
    قيمة المقال أنه لا يكتفي بتوثيق سيرة مؤسس جامعة أم درمان الأهلية، بل يكشف عن مشروعه الأعمق: بناء الإنسان السوداني الحر، المؤمن بالتعدد، والواعي بدور التعليم في صناعة المستقبل.
    المقال يذكّرنا بأن الجامعات ليست مباني ولا شهادات، بل أفكار ورجال يحملون رؤية. ومحمد عمر بشير كان صاحب رؤية تتجاوز حدود الجامعة إلى حدود الوطن كله.
    إن استحضار سيرته اليوم هو دعوة للتأمل في ما فقدناه، وفي الحاجة الملحّة لاستعادة نموذج “رجل الأمة” الذي يرى في المعرفة مسؤولية وفي التعليم رسالة.

    1. لك التحية د صلاح وانت توثق لهرم معرفي وفكري … فبروف محمد عمر بشير الف العديد من الكتب وجامعة ام درمان الاهلية منارة علم تقف شامخة وشاهدة علي سيرة حادي العلم و التعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..