

يرى أحمد حسب الله الحاج في مقاله المهيب حول الطيب صالح أن القضية لا تتعلق بخطأ روائي عابر أو بحرية فنية في التعامل مع التاريخ، وإنما تكشف عن علاقة معقدة بين السرد والسلطة والوعي السياسي، وهي العلاقة التي شغلت عدداً من أبرز مفكري ما بعد الاستعمار، وعلى رأسهم إدوارد سعيد الذي رأى أن الثقافة ليست بريئة أو محايدة، بل كثيراً ما تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة وصناعة “الحقائق” التي تخدم المركز السياسي والثقافي.
ومن هذا المنظور يقرأ أحمد الحاج الطريقة التي قدّم بها الطيب صالح شخصية الأمير محمود ود أحمد في موسم الهجرة إلى الشمال، حين جعله يقف أمام اللورد هوراشيو هربرت كتشنر مطأطئ الرأس صامتاً، بينما تؤكد شهادات المؤرخين والضباط والصحفيين البريطانيين الذين حضروا الواقعة أن محمود ود أحمد واجه كتشنر بثبات وكبرياء، ورد عليه بندية قائلاً إنه ينفذ أوامر الخليفة كما ينفذ كتشنر أوامر الخديوي.
تكمن خطورة هذا التلاعب ـ بحسب أحمد الحاج ـ في أن الطيب صالح لم يكن يكتب رواية معزولة عن التاريخ والوعي الجمعي، بل كان يشارك في إعادة إنتاج سردية سياسية وثقافية ترسخت في السودان منذ سقوط الدولة المهدية. فبدلاً من تقديم مواجهة محمود ود أحمد وكتشنر بوصفها لحظة مقاومة وطنية ضد الغزو الاستعماري، جرى تحويلها إلى مشهد خضوع وصمت. وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه المقال بإلحاح: لماذا اختار الطيب صالح أن يسلب أحد أبرز قادة جيش الخليفة عبد الله التعايشي شجاعته الرمزية والتاريخية؟
ولا يذهب أحمد الحاج إلى تقديم إجابة مباشرة أو اتهام صريح بقدر ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع للعلاقة بين الثقافة والهيمنة. وهنا تتقاطع أطروحته مع ما كتبه مفكرون مثل فرانز فانون وألبرت ميمي حول دور النخب المحلية في إعادة إنتاج المنظومة الاستعمارية بعد رحيل المستعمر نفسه، ليس عبر الاحتلال العسكري، وإنما عبر احتكار تعريف التاريخ والهوية والبطولة. فقد أشار فانون في “معذبو الأرض” إلى أن بعض النخب المتعلمة في المستعمرات السابقة لا تكتفي بتبني رؤية المستعمر للعالم، بل تتحول إلى وسيط ثقافي يعيد إنتاجها داخل المجتمع المحلي في صورة أكثر نعومة وأشد خطورة.
ومن هنا يكتسب اعتراض أحمد الحاج أهميته؛ فهو لا يناقش مجرد “تفصيلة روائية”، بل يتوقف عند الكيفية التي يمكن بها للسرد الأدبي أن يعيد تشكيل الوعي القومي على أسس انتقائية. فالواقعة التي نقلتها شهادات البريطانيين أنفسهم كانت لحظة مواجهة نادرة بين قائد سوداني مهزوم عسكرياً لكنه ثابت الكرامة عظيم الإهاب، وبين قائد جيش استعماري منتصر جليل الخطاب. غير أن الرواية ـ كما يلاحظ أحمد الحاج ـ أزاحت تلك الندية، واستبدلتها بصورة الصمت والانكسار.
وقد نبّه إدوارد سعيد إلى هذه الإشكالية حين تحدث عن “المثقف المتواطئ” الذي يقوم، عن قصد أو بغير قصد، بتمرير الهيمنة داخل الخطاب الثقافي تحت غطاء الجماليات أو الموضوعية أو الكونية. كما أن غاياتري سبيفاك طرحت سؤالها الشهير: “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” لتشير إلى أن الهيمنة لا تقوم فقط على إسكات المهمشين بالقوة، وإنما أيضاً عبر التحدث نيابة عنهم، أو إعادة تمثيلهم بطريقة تسلبهم صوتهم التاريخي الحقيقي.
وهذا بالضبط ما يجعل مسألة “طأطأة رأس محمود ود أحمد” قضية تتجاوز حدود الأدب إلى فضاء الوعي السياسي السوداني نفسه.
لقد مارست بعض النخب النيلية، عبر الأدب والتعليم والإعلام وكتابة التاريخ، نوعاً من الهيمنة الثقافية التي أعادت تشكيل الذاكرة السودانية على أسس انتقائية ومغرضة. فتم تمجيد بعض الشخصيات التاريخية المرتبطة بالشمال النيلي، مقابل تهميش أو تشويه أو تسفيه الرموز القادمة من غرب السودان. وبهذا المعنى فإن ما فعله الطيب صالح لا يمكن النظر إليه ـ في رأيي ـ باعتباره مجرد “اختيار جمالي” معزول عن السياق الثقافي والسياسي الذي نشأ فيه، بل باعتباره جزءاً من سردية أوسع ساهمت في إعادة إنتاج المركزية النيلية داخل الثقافة السودانية الحديثة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه السرديات الكاذبة ساهمت في إعاقة تكوين وجدان وطني مشترك بين السودانيين. إذ لا يمكن بناء أمة متماسكة بينما تُختزل مساهمات بعض مكوناتها في صور التخلف أو الهمجية أو الخضوع، بينما تُحتكر البطولة والشرعية التاريخية لصالح مجموعة بعينها. ولهذا فإن جذور الصراع الحالي لا تعود فقط إلى التفاوت الاقتصادي والسياسي، وإنما أيضاً إلى قرن كامل من التزييف الثقافي وإعادة كتابة التاريخ بصورة منحازة.
لقد أدت هذه الهيمنة إلى ترسيخ شعور عميق بالغبن التاريخي لدى قطاعات واسعة من السودانيين، لأنهم رأوا أنفسهم خارج الرواية الوطنية الرسمية، أو ممثلين فيها بصورة مهينة. ومن هنا فإن إعادة قراءة التاريخ السوداني، بعيداً عن سرديات المركز النيلي، لم تعد ترفاً فكرياً بل ضرورة سياسية وأخلاقية من أجل بناء دولة تقوم على الاعتراف المتبادل لا على الاستعلاء الثقافي.
إن القضية التي أثارها أحمد حسب الله الحاج حول الطيب صالح تكشف في حقيقتها أزمة السودان الكبرى: أزمة النخبة التي احتكرت تعريف الوطنية، واحتكرت كتابة التاريخ، ثم قدمت ذلك كله باعتباره “الوجدان القومي”، بينما كان هذا الوجدان نفسه مبنياً على الإقصاء والتحريف والإنكار. ولذلك فإن تفكيك تلك الأساطير الثقافية شرط أساسي لأي مصالحة وطنية حقيقية، لأن الأمم لا تُبنى على الأكاذيب الأيديولوجية مهما بلغت براعتها الأدبية.
نواصل




إلا تري قول محمود ود أحمد “انا أنفذ أوامر” فيه شئ من الضعف ؟ بل الوجل!
وهو مثلما يحدث في عصرنا هذا،عندما يرتكب أخد الجند جرما كبيرا أو حريمة ما،و عند محاكمته يقول “بإنه ينفذ أوامر”
لعلك إستمعت الي عضو مجلس الشيوخ ،كيلي وهو يخاطب ضباط الجيش الاميركي ،الا ينفذوا أي أوامر عسكريه غير قانونية”
يا اسماعيل آدم بما ان سؤالك سؤال عام و ليس خاصا بشخص كاتب المقال فدعني ارد عليك : ما الضير في ان يقول قايد ميداني لمستعمر بأنه ينفذ أوامر قائده الوطني في مقاومة الاستعمار .
ان هذا القول صحيح عسكريا و ابلغ سياسيا لأنه رسالة للمستعمر بأن هناك دولة في السودان وقتها و أن هناك قيادة و تراتبية و هي من اهم مميزات البنية العسكرية و من مقومات الدولة
و الغرريب يا أخ اسماعيل انك مفتون بالامريكان من دون تدبر فقول عضو مجلس الشيوخ الامريكي قيد عدم تنفيذ الاموامر بمخالفة القانون و هل هناك مخالفة لأي قانون وطني عند مقاومة المستعمر كما فعل ود أحمد
تعرف يا وليد
من يوم جردت الطيب صالح من قدرته علي الإبداع
وأحلته إلي مجرد صنم كان قد صنعه الجلابة
وكمان ألمحت إلي أن إبراهيم إسحق أكثر أبداعا منه
إنت مش دقست بس
إنت دخلت في حسكنيت مروقك منه صعب
لأنه ستظل تحفر وتحفر وتحفر لإقناع العالم أن الطيب صالح ليس مبدعا ولكنه صنم
أري الصعوبة الكامنة في هذه المحاولة
لكنني
ولأنني من معجبيك
خايف عليك أن تنحرف ولو قليلا عن مسارك الذي رسمت بوعي
وتتحول لمجرد عدو جلابة بالصح والكضب
يا أخي بامكانك ان ترد على الوليد مادبو من خلال ما هو معروف و موثق عن الطيب صالح و ابراهيم اسحاق ( اسحق) و لكن طريقة ردك على الوليد مادبو تدل على أنك من صناع الاصنام
الامير محمود ود احمد!! من منحه الامارة وامير علي من ؟؟.
من تسميه الامير ،يعرف في بلاد النيلين بجزار المتمة، اللص القاتل،المغتصب محمود ود احمد.
ويبقي السؤال لماذا استسلم اميركم لعدوه؟. لماذا لم يقاتل حتي يقتل كحال جنوده الذين حصدهم ،جيش كتشنر؟؟.
اما عن بطولات اميركم وهو في الاسر،لماذا اختار البطولات الكلامية و لم يظهر هذه البطولات عبر السلاح ، ويقاتل حتي يقتل.
اقتباس :
(فتم تمجيد بعض الشخصيات التاريخية المرتبطة بالشمال النيلي، مقابل تهميش أو تشويه أو تسفيه الرموز القادمة من غرب السودان. )..
وهل يمجد الضحيه قاتله ؟..
، هل يعقل ان يمجد الشمال النيلي الفكي القاتل التعايشي ،وجزار المتمة علي الازلال، والنهب، والاغتصاب والقتل وكل موبقة ارتكبوها في حقهم ؟؟.
سيأتي اليوم الذي يطالبنا فيه الدكتور مادبو،بتمجيد دقلو اخوان، وجلحة، وابولولو،والقبة ، وعثمان عمليات، وفضيل رغما عن الفظائع والجرائم،التي ارتكبوها في حق اهلنا في العاصمه، ود النورة، السريحة، الهلاليه، تمبول،رفاعة، النيل الابيض.
.يبدو ان الفارق الحضاري بين بلاد النيلين، وبلاد غرب السودان ،له اثر كبير في ما يخطه يراع الدكتور مادبو ،البيئة التي يفتخر بها فخامة الامير الوليد مادبو ،يحتفي فيها باللصوص القتلي، فهولاء يلهمون الحكامات شعرا، وام قرون رقصا،
اما في بلاد النيلين يحتفي باهل العلم والمعرفه، والمبدعين كل في مجال تخصصه ،فهذا ارث حضاري ضارب في جذور التاريخ.
.. اما محاولاتك لتبخيس الطيب صالح والتقليل من قدره، ردي علي ذلك الهراء،بالمثل الشعبي الشائع في بلادنا :
( الما بتلحقو جدعو )
……… ………
اتمنى ان تنشر الراكوبة تعليقي عملا بحرية الرأي، والرأي المخالف له،
لم تنشر الراكوبة تعليقي علي المقال السابق لدكتور الوليد مادبو، رغما عن ذلك ارسلت تعليقي الثاني، (عسي ولعل )..
اتمني ان يدلو القراء بدلوهم علي ما يكتبه دكتور مادبو ،ومحاولاته اليائسة لتشويه صورة تاريخ واعلام بلادنا .
الراكوبة تنشر لهذا المتحيز المثير للكراهية و لا تنشر بعض ردودي عليه
يا ايها المدعو سيف العزل ، قولك للباشمهندس الدكتور الوليد ( الما بتلحقو جدعو ) بغرض إنو كتابات الطيب صالح رصينة و بليغة فيه إفتراء واضح و فاضح و إنحياز لقريبك الجلابي لا اساس له ، كتابات الوليد مادبو من ناحية بلاغية و دقة في ضبط المعاني و المصطلحات المؤسسة على خلفية اكاديمية و تحليلية معاصرة لا يمكن مقارنتها ابدا بكتابات الطيب صالح الركيكة والتي هي اقرب للعامية مهما قيل و كُتب عنه.
أطلق مصطلح الجلابة على سكان المناطق النيلية الذين هاجروا غربا إلى كردفان ودارفور، ووصلوا بعيدا حتى وداي للعمل بالتجارة، وهؤلاء الجلابة كانوا من الدناقلة والمحلس والجعليين والشايقية وغيرهم من سكان شمال السودان، بالإضافة إلى أهالي سنار. وتحتل دارفور وكردفان اليوم الأجزاء الغربية من السودان، أما وداي فتقع إلى الغرب منهما، وتشكل الآن الجزء الشرقي من تشاد. وقد وظف الجلابة خبراتهم التجارية التي حصلوا عليها من خلال التجارة مع مصر في ترقية وتطوير أعمالهم التجارية في هذه المناطق التي هاجروا إليها، فأسهموا بنصيب كبير في زيادة النشاط التجاري فيها، حتى سيطروا سيطرة مطلقة على مقاليد هذا النشاط في المنطقة الممتدة من كردفان حتي حوض بحيرة تشاد. وتضافرت عدة أسباب دفعت الجلابة للهجرة غريا، ولعل من أهمها الاضطراب الأمني الذي ساد في مناطقهم الأصلية منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى نهاياته، والذي اضطوهم للهجرة إلى مناطق كانت تعدهم بالأمن والربح الوفير. وفي دارفور أسس الجلابة مدينة كوبي التجارية، والتي تقع شمال غرب مدينة الفاشر، وقد تطورت مدينة كوبي، حتى صارت ثاني أكبر مدينة تجارية في السودان بعد المسلمية آنذاك، آما في وداي فقد أسس الجلابة مدينة نمرو والتي كانت تقع بالقرب من أبشي ومن خلال الهيمنة التجارية التي فوضها الجلابة على واقع الحياة الاقتصادية في كل من دارفور ووداي، فإنهم حصلوا أيضأ علي نفوذ سياسي كبير، فكانوا قريبين من سلاطين هاتين الدولتين، وبالتالي أثروا في مجريات الحياة السياسية هناك.
المصدر: عثمان عبد الجبار عثمان. بحث منشور جامعة النيلين. مجلة دراسات حوض النيل.
هذا يعني ان الجلابة لم يختاروا ان يكونوا جلابة وإنما غادروا موطنهم بحثا عن الرزق. كما كان وسط وشمال السودان هدفا لهجرة معظم قبائل غرب السودان وغرب أفريقيا.
صراع الغرب والوسط الذي يسوق له بعض أبناء المنطقتين لن يفيد السودان في شيء وهذا واضح ولا يحتاج إلى دليل.
يحب البحث في مشاكل السودان غربا وشمالا ووسطا عبر الفكر الاقتصادي السياسي الشامل وليس النزعات العنصرية.