الظلم لا يسقط وحده

كلمة و”غطايتا”
سامي الباقر
“الظلم لا يسقط وحده، بل يسقط حين يدرك المظلومون قوتهم ويتحركون معاً.”
في كل مرة يظن فيها المعلمون أن الحال بلغ نهايته، تكتشف الدولة أن هناك مزيداً من الإهمال يمكن ممارسته تجاه التعليم والمعلمين، ولذلك لم يكن الحراك الغاضب الذي بدأ يتشكل وسط المعلمين أمراً مفاجئاً، إنما نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الإذلال والتجاهل والاستهتار بقضية التعليم وبالإنسان الذي يحمل عبء هذه الرسالة في أقسى الظروف.
المعلم اليوم لا يطالب برفاهية، ولا ينتظر امتيازات خاصة، بل يطالب _فقط_ بحقوق أساسية ظلت الدولة تماطل فيها بصورة مهينة.
ففي عدد من الولايات وصلت متأخرات المرتبات إلى أربعة عشر شهراً كاملة، إلى جانب العلاوات والمنح والبدلات التي توقفت منذ اندلاع الحرب، دون أي التزام واضح أو جدول زمني جاد لمعالجة هذه الحقوق.
وفي الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة، ظل الحد الأدنى للأجور ثابتاً منذ العام ٢٠٢٢م، وكأن الدولة تريد للمعلم أن يعيش خارج الزمن وخارج الاقتصاد وخارج الحياة نفسها. أصبح مرتب المعلم لا يكفي لأيام معدودة، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع بلا سقف ولا رقابة.
ولم تكتف الدولة بذلك، بل رفعت يدها بالكامل تقريباً عن التعليم، وتركت المدارس تواجه مصيرها وحدها، وتحولت الرسوم الدراسية إلى عبء ساحق على أولياء الأمور، وأصبح المعلم في مواجهة مباشرة مع المجتمع، يتحمل غضب الأسر وعجزها، بينما المسؤول الحقيقي يختبئ خلف الشعارات والخطب الرسمية.
وفي ظل هذا الانهيار، تمددت ظاهرة الاستئثار بالفرص والمناصب والمكاسب لصالح قلة محدودة، حتى أصبحت كثير من الفرص في الخدمة والترقيات والتكليفات حكراً على العلاقات الشخصية والتنظيمية، لا على الكفاءة والاستحقاق.
هذا الواقع عمّق الإحساس بالظلم والإقصاء وسط المعلمين وغيرهم من العاملين في القطاع العام.
ثم جاءت المناسبات والأعياد لتكشف حجم المأساة بصورة أكثر قسوة، فقد مر عيد الأضحى المبارك على مئات الآلاف من المعلمين دون مرتب ودون منحة عيد، في أغلب الولايات، ليجد المعلم نفسه عاجزاً أمام أسرته وأطفاله، في وضع بالغ الحرج والقسوة، بينما تستمر السلطة في الحديث عن الصمود والانتصارات والانشغال بقضايا أخرى لا يجد فيها المعلم مكاناً.
إن هذا الواقع القاسي بدأ يوحد المعلمين بصورة غير مسبوقة، حول ضرورة بناء حراك مطلبي منظم، يبدأ بخطوات مدروسة، ويعتمد على الوعي والتنظيم والتنسيق، حتى يتمكن المعلمون من انتزاع حقوقهم المشروعة، فالظلم وحده لا يصنع التغيير، وإنما يصنعه وعي المظلومين بقوتهم، وقدرتهم على التحرك الجماعي المنظم دفاعاً عن حقوقهم وكرامتهم.
لذلك، لا بد من العمل بصورة واضحة على ابتكار شكل تنظيمي قادر على ترجمة هذا الغضب إلى فعل حقيقي يغيّر الواقع البائس، ويحفظ للمعلمين وحدتهم واستقلال قرارهم، بعيداً عن التشتت وردود الأفعال المؤقتة.
وعلى المعلمين أيضاً إدراك أن هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لعوامل عديدة، في مقدمتها الحرب وما أنتجته من فساد وفوضى واختلال للأولويات، إضافة إلى النظرة الخاطئة للتعليم من قبل الدولة نفسها، حيث تم وضع التعليم في أدنى سلم الأولويات، رغم أنه أساس بقاء الدولة والمجتمع.
ولعل أوضح دليل على ذلك هو أن قطاعات عديدة نالت زيادات وتحسينات، بينما ظل التعليم خارج دائرة الاهتمام، وحتى التوجيهات الصادرة من أعلى سلطة في الدولة ذهبت أدراج الرياح، أو تم الالتفاف عليها بصورة واضحة، وليس أدل على ذلك من توجيه رئيس مجلس السيادة بصرف بعض متأخرات معلمي ولاية الخرطوم، وهو التوجيه الذي تم التحايل عليه، وكذلك توجيهات رئيس الوزراء كامل إدريس بصرف مرتب شهر بمناسبة عيد الأضحى المبارك، والتي يبدو أنها لم تغادر مكتب السيد رئيس الوزراء حتى الآن.
إن قضية المعلمين اليوم ليست قضية فئة مهنية فقط، بل قضية وطن كامل يجري تدمير مستقبله بصمت. فحين يُهان المعلم، ويُجَوَّع، ويُدفَع إلى العجز والانكسار، فإن الدولة نفسها تكون قد قررت أن تتخلى عن مستقبلها وعن حق أبنائها في التعليم والحياة الكريمة.
ولهذا، فإن الحراك المطلبي للمعلمين لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة أخلاقية ووطنية، دفاعاً عن التعليم، وعن كرامة المعلم، وعن حق الأجيال القادمة في وطن يحترم العلم وأهله.
أيها المعلمون
قد فعل “جبريل” ما يريد، فهل نحن على استعداد لنفعل ما نريد؟!
[email protected]



