مقالات وآراء

رسالة إلى البرهان: هل يمكنك عمل حوار وطني في ظل وجود (٧٠) ألف معتقل بلا تهم؟!!

بكري الصائغ

مقدمة: ولما وجدت صعوبة بالغة في الحصول على أعداد المعتقلين والنشطاء السياسيين والصحفيين، الذين تم اعتقالهم لأسباب سياسية او لاشتباههم في التعاون مع “الدعم السريع”، او بسبب سحنتهم الزرقاء او بحجج اخري، ولم تسعفني وسائل الاتصالات الحديثة بكل انواعها المختلفة التي استعنت بها في معرفة أعداد القابعين في الزنزانات والسجون والمعتقلات الاستخبارات العسكرية، اضطررت إلى الاستعانة بصديق ضابط شرطة يعمل في وزارة الداخلية بإحدى الولايات، وعنده إلمام كبير باخبار المعتقلين.. عملية الاتصال لم تكن سهلة بسبب انقطاع التيار الكهربائي في المدينة، وبعد ساعات من الاتصال والعثور عليه، طرحت عليه السؤال عن اعداد المعتقلين في سجون السودان لأسباب سياسية أو ارتكاب مخالفات اصلا لم يرتبوها؟!!، وكان رده، انه لا توجد احصائية دقيقة عنهم بسبب ظروف الحرب، وصعوبة الاتصالات بين وزارة الداخلية وبقية الاقاليم، وأيضا لا احد يستطيع ان يذكر عدد المعتقلين في ظل الاعتقالات الكثيرة التي تتم يوميا، وهناك معتقلين سياسيين وصحفيين تم اطلق سراحهم وخروجهم من الزنزانات بعد تدخلات من جهات عليا ورؤساء حركات مسلحة.

قال الضابط في كلامه “في السجن المركزي بالولاية التي اعمل فيها يوجد نسبة كبيرة من المعتقلين المثقفين واساتذة الجامعة والمعلمين بالمدارس، وتم اعتقالهم بسبب الرواتب المتدنية والاضراب عن العمل، ولكن النسبة العالية من المعتقلين والسجناء فهم من دارفور واثيوبيا”، وطلبت من الضابط، ان يفيدني – ولو بالتقريب- عن عدد المعتقلين السياسيين والنشطاء والصحفيين في الولايات التسعة الخاضعة للقوات المسلحة؟!!، فأجاب:(بالتقريب كده في حدود ٦٠ الي ٧٠ ألف معتقل.).

وسواء كان رقم المعتقلين في زنزانات وزارة الداخلية وسجون الاستخبارات العسكرية غير معروف، ولا قامت جهة رسمية وأعلنت عن العدد الصحيح للمعتقلين، فإن هذا لا يعني، ان سجون وزنزانات الاستخبارات العسكرية في بورتسودان و الولايات التسعة لا تضم عشرات الآلاف من المعتقلين، فما مر يوم من الأيام بعد حرب أبريل ٢٠٢٣- وحتى اليوم- (أي خلال “١١٢٥” يوما)-، الا وكانت الصحف السودانية والاجنبية قد نشرت اخبار اعتقالات قامت بها شرطة وزارة الداخلية والاستخبارات العسكرية وجهاز الامن، بل حتي تنظيم “البراء بن مالك” هو الاخر، قام بحملات اعتقالات شملت في غالبيتهم من هم ابناء دارفور وجبال النوبة، وليت اعتقالات تنظيم البراء وقفت عند الاعتقالات، بل نفذت إعدامات ميدانية وتصفيات لمدنيين ومتطوعين، لا سيما في مناطق مثل الحلفايا، حيث تم إعدام العشرات رمياً بالرصاص بتهمة التعاون مع قوات “الدعم السريع”، ووثقت تقارير مقتل عدد من شباب المنطقة العاملين في “التكايا” (مطابخ مجانية) رمياً بالرصاص أمام ذويهم في سبتمبر ٢٠٢٤ دون محاكمة.. ومع الاسف الشديد والشيء المحزن للغاية، أن القوات المسلحة اصدرت وقتها – بعد التصفيات الجسدية التي قامت بها جماعة البراء-، بيانات ارجع فيها حوادث القتل إلى تصرفات فردية.

واعود الى عنوان المقال، واسال البرهان الذي دعا إلى حوار سوداني- سوداني ولكن ليس مفتوحا للجميع-، ولا قام بتوضيح موسع حول فكرة هذا الحوار الذي يكتنفه الغموض والسؤال هو:-(إذا كانت أهداف الحوار ترمي إلى مشاركة جماعية من أجل وقف الحرب وعودة الامن والامان، اذا لماذا لا تطلق سراح عشرات الآلاف القابعين منذ شهور طويلة في سجون وزارة الداخلية وزنزانات الاستخبارات العسكرية والامن، بلا تهم محددة ولا جرائم ارتكبوها، بل وان اغلب هؤلاء السجناء هم من المعروفين والمشاهير في الساحة السياسية والاعلامية والصحفية، واصحاب افكار نيرة وعقول تحمل افكار ايجابية لبناء وطن سليم معافي؟!!

يا البرهان، يا من دعوت لحوار سوداني – سوداني، اسأل: مع من تريد أن تحاور وتناقش، وانت قد اخرست أصوات هي أحق بالمشاركة في الحوار الجاد، وتعمدت في طرحك لفكرة الحوار أن تغض النظر و تتجاهل عن عمد السجناء الابرياء؟!!

قمة المهزلة يا البرهان، ان تدعو لحوار سوداني- سوداني، والسجناء السياسيين الفارين من سجن كوبر مازالوا طلقاء، احرار ينعمون بالعيش الرغد والحماية (المحصنة)، وحتما لن يستغرب احد من المواطنين، أن قرأ في الأيام القادمة، خبر يفيد بصدور قرار من البرهان بتشكيل لجنة عليا لادارة الحوار السوداني- سوداني برئاسة علي الكرتي، وعضوية علي عثمان، واحمد هارون، وعوض الجاز، واسامة عبدالله، والفاتح عزالدين، وموسي هلال.

هناك حقيقة يعرفها كل القراء الكرام، انه طالما البرهان (ظاهريا) هو من يحكم، و(فعليا) الامور كلها ليست في يده، وان رفيق السلاح ياسر العطا وتنظيم الاخوان والمليشيات هم السلطة الحاكمة، فلن ينجح أي حوار سوداني.

هناك شيء مريب ظهر فجأة قبل ثلاثة ايام مضت وبدون مقدمات في الساحة السياسية، وجاء هذا الشيء الغريب متزامنا مع دعوة البرهان للحوار، فقد نشرت الصحف خبر افادت فيه، ان أحمد هارون المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية يدعو إلى “كتلة وطنية موحدة”!!

وخبر آخر جاء فيه، أن رئيس المجلس الرئاسي في حكومة التأسيس وقائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي” قال: “رؤيتنا لا تقتصر على وقف الحرب، وإنما تمتد إلى مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة السودانية معالجةً تاريخية عميقة”، ودعا “حميدتي” دول الجوار إلى دعم المشروعات السياسية التي تهدف إلى بناء السودان الجديد، والوقوف إلى جانب السودانيين في المعركة ضد مشروع الحركة الإسلامية.

وخبر ثالث له علاقة بالخبرين جاء فيه: “إن دبلوماسيين سودانيين سابقين نقلوا إلى قيادات إسلامية، من بينهم أحمد هارون وأميرة الفاضل، رؤية بريطانية أمريكية تقوم على إيقاف الحرب، والعودة إلى النشاط السياسي المدني، والابتعاد عن دعم العمل العسكري أو المليشياوي.”.

واخيرا، اما من عارف وملم بخفايا واسرار ما يجري حولنا من امور غامضة، ويفسر لنا، لماذا ظهرت هذه المبادرات الاربعة -(حوار البرهان، تصريح حميدتي، ودعوة أحمد هارون، الرؤية البريطانية الامريكية)- فجأة في وقت واحد؟!!
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..