مقالات وآراء

 في الذكري (٢٢) عام علي قصف مصنع الشفاء: اعتراف كامل باسرائيل

بكري الصائغ

 ١-
 التصريح الذي ورد في صحيفة ”سكاي نيوز عربية”، اليوم الثلاثاء ١٨/ اغسطس الحالي وافاد، ان   المتحدث باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق، اعلن فيه أن بلاده تتطلع لاتفاق سلام مع إسرائيل، قائم على الندية ومصلحة الخرطوم “دون التضحية بالقيم والثوابت”، وأنه “ما من سبب لاستمرار العداء بين السودان وإسرائيل”، مضيفا: “لا ننفي وجود اتصالات” بين البلدين، وأن السودان وإسرائيل سيجنيان فوائد وثمارا من عقد اتفاق سلام ، وأشار المتحدث إلى أن الخارجية السودانية تتطلع لقيادة الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، من أجل توقيع اتفاق سلام،…هو في حقيقة الامر تصريح من وزارة الخارجية في الخرطوم، كان متوقع سماعه في اي لحظة بعد زيارة الرئيس البرهان لمنتجع “عنتبي” اليوغندية يوم الاثنين ٣/ فبراير الماضي ٢٠٢٠، والتقي هناك مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، واتفقا على إطلاق تعاون سيؤدي إلى تطبيع العلاقات بين البلدين، يومها قال مسؤول إسرائيلي كبير، إن “إسرائيل والسودان اتفقا على “بدء تطبيع العلاقات”، يعتقد نتنياهو أن السودان بدأ يتحرك في اتجاه جديد وإيجابي ، وعبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، يرغب في مساعدة بلده على المضي قدما في عملية تحديث من خلال إنهاء عزلته ووضعه على خريطة العالم”، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”.
 ٢-
 ان هذا التصريح الرسمي من المتحدث باسم الخارجية السودانية، لا يعتبرعلي الاطلاق شيء غير متوقع او مفاجئة صادمة، فتاريخ العلاقات السودانية ـ الاسرائيلية بدأت قبل ان يحصل السودان علي استقلاله عام ١٩٥٦، واذا مارجعنا الي سنوات الخمسينات، نجد ان الامام/ عبدالرحمن المهدي سبق كل البلاد العربية، واجري اتصالات حزبية مع الحكومة الاسرائيلية”.
 ٣-
 عودة الي ملفات قديمة:
 (أ)-
 بحسب أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ الإسلامي في أكاديمية الولايات المتحدة للقوات الجوية في كولورادو السيد/ جاكوب عبادي “تتسم العلاقات الإسرائيلية ـ السودانية، بالسرية والتضارب والتقلبات، لكنها قديمة وتعود إلى فترات مبكرة من بعد قيام دولة إسرائيل بسنوات. ويوضح عبادي في مقالة له بعنوان (إسرائيل والسودان: ملحمة ذات علاقة غامضة)، أن التبادل التجاري بين البلدين بدأ قبل استقلال السودان في 1956”. يذكر عبادي بالأرقام حجم التبادل التجاري بين الدولتين، حيث صدر السودان ماشية وقطناً وأعلافاً بين 1949 و1952 بقيمة راوحت بين 300 و700 ألف جنيه إسترليني، ولكنه يؤكد أيضاً أن هذا التبادل التجاري توقف بعد عام 1953 دون أن يذكر أسباباً للتوقف. كما يذكر عبادي مقابلة قيادات حزب الأمة (أحد أكبر الأحزاب في السودان) لمسؤولين إسرائيليين في لندن قبل استقلال السودان، حيث بحث الجانبان دعم إسرائيل للحزب الذي كان يدعو لاستقلال السودان عن بريطانيا، مقابل الاعتراف بالدولة العبرية.
 (ب)-
 يزعم عبادي أن التعاون بين الحزب والدولة العبرية استمر حتى بعد الاستقلال ووصول الحزب للسلطة بعد تولي عبدالله خليل منصب رئيس الوزراء، إلا أن العلاقات بدأت في التدهور، لكنها لم تنقطع بعد الانقلاب العسكري الأول 1958، والثاني بقيادة جعفر النميري عام 1969، والانقلاب الأخير بقيادة المعزول عمر البشير 1989.
 (ج)-
 وأورد عبادي كواليس لقاء النميري مع شارون في مايو 1982 بمنتجع “مونت كينيا”، حيث اتفق الجانبان على التعاون في نقل يهود الفلاشا. كما “وافق النميري على خطة شارون لتحويل السودان لترسانة ضخمة من الأسلحة والذخائر من كل صنف لتستخدمها إسرائيل ـ عند الحاجة ـ في عملياتها الخاصة”، كما تم الاتفاق في ذلك الاجتماع على “تعويض النميري بدفع مبالغ مالية للسودان، وله في حسابه الشخصي”، على حد قول الكاتب.
 (د)-
 اما بالنسبة لحكومة البشير، فإن السياسي وعضو الكنيست السابق ووزير التعاون الإقليمي السابق أيوب أقرا، صرح لقناة “نيوز24” الإنجليزية عام 2016 بأن إسرائيل تحتفظ بعلاقات جيدة ـ ولكنها خفية ـ مع النظام السوداني. كما كشف أقرا في عام 2017، عن زيارة مسؤول سوداني لإسرائيل سراً.
 (هـ)-
 قطع رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في يوم الخميس ٥/ فبراير ٢٠٢٠، بأن لقاءه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مدينة عنتيبي بأوغندا، هدفه شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأن اللقاء جرى بترتيب من الولايات المتحدة الأميركية، متوقعاً أن يعود بفوائد كبيرة على السودان. وأعلن الجيش السوداني، أمس، تأييده للقاء البرهان ونتنياهو، بما يحقق المصلحة العليا للأمن الوطني. وقال البرهان، في لقاء صحافي، بعد يومين من تسرُّب لقائه مع نتنياهو، إن محادثات تحضيرية استغرقت ثلاثة أشهر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أدَّت لعقد اللقاء غير المشروط، الذي يُتوقع أن يسهم في إعادة إدماج السودان بالمجتمع الدولي، بترتيب أميركي. وأوضح البرهان أن «قوى إعلان الحرية والتغيير»، «الحاضن السياسي للحكومة الانتقالية»، لم تكن رافضة للخطوة، وإنما لعدم التشاور معها قبل اللقاء، الذي تم بعلم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، حيث أُبلغ باللقاء قبل يومين من موعده.
 ٤-
 الشيء الغريب الملفت للنظر، ان تصريح المتحدث باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق، من ان بلاده تتطلع لاتفاق سلام مع إسرائيل، لم يصدر بشكل رسمي الا بعد اتفاق السلام بين الإمارات واسرائيل!!، فالذي كان متوقع بشكل كبير، هو”تطبيع” شامل كامل بين الخرطوم وتل ابيب، قبل اتفاق الامارات واسرائيل بستة شهور، وليس بعد!!
 ٥-
 بعض السياسيين في الخرطوم، والذين عندهم المام  بالكثيرعن ما خفايا واسرار ما يدور في دهاليز الساحة السياسة، اكدوا بشكل جاسم وقاطع، ان الزيارة العاجلة التي قام بها الدكتور/ مصطفى مدبولي ،رئيس الوزراء المصري للخرطوم في يوم السبت ١٥/ اغسطس الحالي، كانت بهدف حث السودان علي سرعة “تطبيع” السودان مع اسرائيل، والشيء المحير في امر هذه الزيارة ، انها صادفت نفس يوم اتفاق التطبيع الكامل الإماراتي الإسرائيلي في يوم ١٥ أغسطس (آب) ٢٠٢٠!!
 ٦-
 (أ)-
 تصريح المتحدث باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق، جاء علي اعتاب الذكري ال(٢٢) عام علي قصف واشنطن مصنع “الشفاء” في الخرطوم بحري في يوم ٢٠/ اغسطس عام ١٩٩٨.
 (ب)-
 عودة لحدث قديم:
 في يوم  20 أغسطس عام 1998، تم تدمير المصنع في ضربات صواريخ كروز التي أطلقها الجيش الأمريكي زاعما أنها انتقاما لتفجيرات 7 أغسطس بشاحنة على سفاراته في دار السلام، تنزانيا،  ونيروبي، كينيا . إدارة الرئيس بيل كلينتون بررت الهجمات، وأطلقت عليها اسم عملية الوصول المطلق، على اعتبار أن مصنع الشفاء متورط بتجهيز غاز الأعصاب VX القاتل، وكان لدى المالكين روابط مع جماعة تنظيم القاعدة و أسامة بن لادن، الذي كان يعتقد أنه وراء تفجيرات السفارة وعملية بوجينكا. ضربت القوات الأمريكية في 20 أغسطس أيضا معسكرات القاعدة في أفغانستان، حيث أبن لادن قد انتقل اليها في مايو 1996 بعد طرده من السودان.أثبتت السنوات اللاحقة كذب الإدارة الأمريكية بخصوص مصنع الأدوية و أن ليس هناك صلة بين المصنع وغاز الأعصاب، وحتي اليوم  ترفض الإدارة الأمريكية الاعتذار.
 (ج)-
 السعي الدؤوب من قبل السودان طوال (٢٧) عام مضت حتي اليوم من اجل ازالة اسمه من قائمة “الدول الراعية للارهاب”، لن يتحقق مالم يلتزم السودان بالشروط الامريكية، والممثلة في استمرار وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع السودانية، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى الضحايا، ومواصلة التعاون معها لمعالجة النزاعات الإقليمية والتهديد الإرهابي.. واعترفت الإدارة الأميركية، في بيان، أن تأجيل رفع العقوبات جاء رغم أن الحكومة السودانية أحرزت تقدماً كبيراً في العديد من المجالات «لكنها رأت أنها بحاجة للمزيد من الوقت للاستيثاق من مدى التزامها، وتنفيذها لخطة المسارات الخمسة»، بيد أن إدارة الرئيس ترمب عادت وأضافت السودان، الأسبوع الماضي، إلى قائمة الدول المتقاعسة في وقف الاتجار بالبشر، وتضم كلاً من «السودان وإيران وفنزويلا والكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وجنوب السودان»، بموجب «قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر»، وينص على عدم تقديم الولايات المتحدة لأي مساعدات غير إنسانية أو غير مرتبطة بالتجارة لأي من الدول المصنفة ضمن تلك القائمة، وتعويض عائلات ضحايا تفجير السفينة “يو إس إس كول” الأمريكية، وهذا شرط أساسي وضعته الولايات المتحدة لإزالة اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
 (د)-
 ورغم البطء الذي يصاحب عملية ازالة اسم السودان من قائمة ” الدول الراعية للارهاب”، الا ان حكومة واشنطن قامت بمد حبل التعاون الايجابي مع حكومة الخرطوم الحالية، وهددت بفرض عقوبات على عدد من الشخصيات السياسية بحجة انها تعمل على تقويض حكومة الفترة الانتقالية، وقال وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو انهم يدعمون الحكومة الانتقالية في السودان، وان الاعلان الدستوري يوفر افضل خريطة طريق لبدء الانتقال الى مجتمع عادل وديمقراطين وهدد بومبيو بعقوبات على الذين يعملون على تقويض النظام الحالي.
 ٧-
 مخطي من يظن ان رفع اسم السودان من قائمة ” الدول الراعية للارهاب” يكمن في توطيد العلاقات مع اسرائيل والتطبيع معها، هناك شروط امريكية واضحة مطروحة علي السودان منذ عام ١٩٩٣، والخرطوم هي التي ماطلت كثيرآ في زمن الرئيس المخلوع…وحاليآ في زمن حمدوك!!
   بكري الصائغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..