مقالات وآراء

دولة المليشيات القبلية هو ما ستنتهي اليه حرب الكرامة و معركة الديمقراطية ما لم نجترح مقاربة جديدة

الطبيعي ان يكون لكل فرد تصور عن العالم من المهد الى اللحد و هذا التصور يتطور بالمعارف و التداخل و لكن جذره الأول هو الثقافة السائدة التى فى ابسط مستوياتها تعني اسلوب الحياة من قيم و مثل و كيفية استقبال المواليد و كيفية الدفن و غيرها. و تمثل الثقافة العقد الاجتماعي الأولي لعلاقة الفرد بالجماعة سواء كانت قبيلة او عشيرة. فكرة الدولة الحديثة اصلا قامت على عقد اجتماعي جامع لمكونات ثقافية متعددة و اهم اركان هذا العقد وظائف الدولة المتمثلة في احتكار الدولة للعنف و استخدامه وفق إطار قانوني و دستوري و تنظيم المجتمع و انفاذ التعاقدات بين الافراد و المجتمعات.

وقدرة الانسان على فعل اي شيء اذا اراد ان يستخدم قدرته على الفعل، اي مفهوم ال Agency، تبدا بالموقف الأخلاقي و هو أضعف الإيمان و عادة يتمثل فى شكل الدولة او المجتمع الذي يرغب الفاعل الاجتماعي و السياسي فى تحقيقه مثل دولة المواطنة المتساوية او العدالة الاجتماعية او النهضة التنموية و لكي يتمكن الفرد من الانتقال من الموقف الأخلاقي الى التطبيق يحتاج الى ادوات و هذه الادوات تتطلب وجود قوة صلبة (ادوات العنف) وقوة ناعمة (وسائل المحاججة و الاقناع عبر ادوات التاثير الثقافي) و اذا امتلك الفاعل السياسي ادوات كافية من القوة يصبح بإمكانه فرض ارادته كاملة لتحقيق التغيير الذي ينشده و حينها لا حاجة به للتفاوض الذي بالضرورة لا يعني حصول الفاعل على كل ما يريد او ما يعرف بال Maximaliism و افضل خلاصات التفاوض حينما تخلق معادلة تري فيها كل الاطراف انها حققت مكاسب اكبر مما تخلت عنه اي ما يعرف بال win-win strategy. اما اذا لم يكن للفاعل قدرة كافية على فرض ارادته كاملة غير منقوصة فليس امام الفاعل الى خيار التأثير او التراجع الى الموقف الأخلاقي (مثل ما تفعل بعض القوي السياسية) الذي فقط يكتفي بالتوصيف و عادة يبدا ب (يجب ان يكون كذا و كذا). و للقوة مصادر خمسة معروفة حسب الباحث French و هي ١. السلطة المخولة بموجب مرجعية قانونية، ٢. القدرة على توقيع العقاب اي كان نوعه، ٣. القدرة على منح الهبات، ٤. الكاريزما و ٥. القوة العارية المتمثلة فى ادوات العنف، و بالضرورة كل فاعل سياسي يسعى الى توسيع مصادر قوته اما لفرض ارادة او لزيادة فعالية التأثير و المتعارف عليه انه هناك تصورين لمفهوم القوة اما محدودة اذا حصل عليها فاعل سيحرم منه اخر او انها غير محدودة و كل الفاعلين بإمكانهم زيادة قوتهم اي انها ليست zero sum game معادلة صفرية.

كل هذه المقدمة و التعريف بالبديهيات انه فى الحروب الحديثة من النادر ان يستطيع طرف ان يفرض ارادته بالكامل اي الاخضاع عبر وسائل القوة الصلبة و ما الحرب إلا وسيلة لتحسين الموقف التفاوضي لكل طرف، و لكي تنجح اي عملية تفاوض للوصول الى حلول مستدامة لابد ان تكون نتيجة التفاوض مرضية لكل طرف بمعني انها معادلة رابحة لكل طرف. فى سياق حربنا الضروس يبدو ان معسكري الحرب الان مازالا يتمسكان بالحد الأعلي او ال Maximaliist Position اي تحقيق كل ما يريدان دون امتلاك ادوات القوة الكافية لفرض ارادة على المعسكر الاخر و لذلك كل طرف يحارب و فى ظنه انه سيستطيع عبر المعارك من الوصول الى مرحلة لاخضاع الطرف الآخر لارادته. و بقراءة بسيطة لما خلفته حرب ١٥ ابريل من دمار للبنية المادية و تمزيق للنسيج الاجتماعي و انقسام وجداني و كراهية و رغبة فى الانتقام يبدو جليا ان فكرة نصر عسكري حاسم لفرض ارادة لا يبدو ممكنا ليس فقط لمعطيات الواقع العسكري الميداني و لكن للطبيعة المتغيرة للحرب و ما احدثته من متغيرات اجتماعوسياسبة بالاضافة الى الصراع الاقليمي و تأثيراته الضحمة على السودان لا تنبيء بامكانية حدوث انتصار يؤدي الى فرض ارادة و اخضاع كما كان يحدث فى الحروب القديمة.

و عليه اعتقد اننا امام ثللاثة سيناريوهات (او خيارات كفاعلين سياسيين) و هي:
اولا، استمرار الحرب الذي لا محالة سيؤدي الى تفكك معسكري الحرب و سيحول البلاد الى كانتونات عسكرية تحكمها مليشيات قبلية.
ثانيا، ان تتعاظم الكارثة الإنسانية اكثر مما هى عليه و ان يتحرك المجتمع الدولي و الاقليمي لايقاف الحرب عبر تسوية بين معسكري الحرب و تنجح خطط بعض دول الاقليم فى جعل معسكر البرهان دبيبة السودان عبر تمثيلية حوار وثبة اخري لاستعادة عضوية السودان فى الاتحاد الافريقي و ان تصبح تأسيس حفتر السودان و يتم تجميد الصراع و هو النموذج الأكثر شيوعا الان فى جل النزاعات من كشمير الى ليبيا و اليمن و غيرها.
ثالثا، ان تتخلق ارادة سياسية داخلية تتجاوز مصالح معسكري الحرب و يقابلها جهد دولي يحد من التأثير الخارجي للوصول الى حل سياسي يخاطب جذور و امهات القضايا و على رأسها قضية الوصول الى منظومة إمنية و عسكرية قومية و مهنية قادرة على احتكار العنف و مسألة المواطنة المتساوية و التنمية المتوازنة التي تخاطب التهميش الاجتماعي و الاقتصادي.
خلاصة القول، الأجدي للشعوب السودانية المكتوية بنيران هذه الحروب و لمعسكري الحرب الوصول الى حقيقة صارت بديهية بفعل الواقع المادي و منطق الاشياء انه لا يوجد معني او تعريف للنصر و ان استمرار الحرب ليس فقط خسارة للجميع بل انه سيقود الى واقع سيخرج من سيطرة الفاعلين العسكريين و هو ما قد يؤدي الى دولة كانتونات تحكمها مليشيات قبلية. و قديما قيل التجربة خير وسيلة للتعلم اي ان the proof is in the pudding و ها نحن قد خبرنا “بليلة” الحرب و اذا كان هذا الخراب و الدمار و الموت و المعاناة لم تورثنا اي حكمة حتى الآن فعلي الارض السلام.
بكري الجاك
٦ يونيو ٢٠٢٧
اي ١١٤٣ يوما من الجحيم

‫2 تعليقات

  1. لماذا لا تفكروا في حل مغاير ؟
    اللجؤ الي حكم فيدرالي و كل اقليم يشكل حكومته بالطريقة التي ترتضيها الاقلبية ،لفترة انتقالية،،-عامين مثلا ، وبعدها انتخابات تأتي بحكومات جديدة علي إلا تزيد فترة الحكم عن 4 أعوام.
    مع التخلص من كل الجيوش والمليشيا والاكتفاء بالشرطة و اعلان حياد السودان تماما وانسحابه من جامعة الدول العربية و الاتحاد الافريقي…فقد ثبت فشاها…

  2. تحليل علمي وواقعي…..السناريو الاول والثاني في صالح الكيزان والحركات المسلحه وقد يتطور الثاني بالدخول في تفاهمات بانتصار زائف لمعسكر الجيش مما يخلق شعور عام بان الجيش له الاحقيه في حكم السودان و القضاء علي علي ثوره ديسمبر وعدم تحقيق اهدافها في الحريه والسلام والعداله….لكن في النهايه لايصح الا الصحيح…ستحقق بإذن الله تعالى اهداف ثوره ديسمبر ويتحقق السناريو الثالث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..