مقالات وآراء

مصر أخت بلادي؟…

مهدي رابح برير

إذا استثنينا فقدان السودان بحدوده القديمة لمثلث أليمي Ilemi Triangle لصالح كينيا بوضع اليد دون نزاع في عهد النميري، أو استيلاء إثيوبيا على الفشقة خلال عهد الإسلامويين/البشير بقوة السلاح، نجد أن هنالك عنصرين ثابتين مشتركين كلما تنازلت بلادنا خنوعاً عن سيادتها على بقعة من نطاقها الجغرافي المعترف به دولياً دون مقاومة.
الأول هو مصر، وهنا أقصد مصر الرسمية وليست الشعبية، أو دولة الضباط كما أسماها مُحقّاً المفكر عزمي بشارة، والثانية سيطرة الجيش على السلطة السياسية ووجود ديكتاتور عسكري على رأس حكومة سودانية انقلابية…
عبود ومأساة حلفا القديمة، البشير وفضيحة حلايب وشلاتين، والآن على ما يبدو، المجرم البرهان وما تبقى من السودان المغلوب على أمره.
لقد استطاعت الآلة الأمنية الاستخباراتية المصرية اختراق الجيش منذ أمد بعيد، وبقليل من الجهد من أي باحث مبتدئ سيجد بصماتها في كل ما دفع بالبلاد اليوم إلى هذه الحرب البليدة، مجزرة القيادة العامة، انقلاب 2021م، الخطوات العملية الأولى للحرب بوجود طيرانها في مطار مروي ضمن خطة ساذجة لحسم الصراع على السلطة مع شريك البرهان السابق وشريكه في الجريمة الحالية، الزعيم المليشيوي حميدتي..
والوصفة أبسط ما يكون، خضوع الديكتاتور مقابل دعمه غير المحدود للاستمرار في كرسي الحكم.
هذا طبعاً عدا أساليب قديمة أخرى كامتلاكها لملفات تدين بعض الفاعلين العسكريين والسياسيين أخلاقياً ومالياً وغيرها.
أُسّس الجيش السوداني أصلاً كفرقة تابعة للجيش المصري، ومن الواضح أنه لم تزل تلك السمة راسخة عميقاً في حمضه النووي، تنتقل من جيل من الجنرالات للذي يليه…
مصر، أمّة شقيقة بالفعل، رغم هراء حملات الكراهية التي أطلقتها فيالق الحمقى من الجانبين، والرابط بينها والسودان عميق وقديم قدم التاريخ الإنساني برمته، لكن مصر الرسمية لم تغير نظرتها واستراتيجياتها تجاهنا منذ عهد الباشوات، أي باعتباره حديقة خلفية مستباحة تماماً..
مصدراً للعبيد لبناء القوة العسكرية في عهد محمد علي باشا، ثم منصة لحل النزاع على المياه مع إثيوبيا مع البرهان وعصبته، والآن تحول إلى منجم للذهب، وذلك كله بكلفة إنسانية مهولة جداً.
تغيير هذا الوضع المقلوب في المدى المنظور عسير جداً، أقصد نظرة الحاكمين الأمنية هناك إلى استقرار السودان وتقدمه وازدهاره كتهديد وجودي بدلاً من كونه، في حقيقة الأمر، يعني مزيداً من الاستقرار والتقدم والازدهار لمصر والعكس صحيح.
كمحصلة أخيرة هنالك ثلاث محاور استراتيجية يجب أن تكون في مركز أي مشروع سياسي مدني ديموقراطي في المستقبل.
الأول هو أن مصر جارة مؤثرة، وبما أننا لا نستطيع نقل السودان إلى قارة أخرى فلا مفر من مواجهة حقيقة دورها السابق والحالي المدمر لبلادنا، ثم نقل النقاش الواضح والموضوعي إلى مستوى يتسامى فوق وحل خطاب الكراهية والخذلان والشتائم.
الثاني، والأهم في تقديري، هو بناء جيش واحد مهني محترف على أسس وطنية يقوده سودانيون شرفاء، لا يتعاطون السياسة والتجارة، ويخضع للسلطة والرقابة المدنية.
الثالث هو الاتفاق على أسس ومبادئ السياسة الخارجية، التي تخدم مصلحة السودان واستقراره ورفاهه كما الإقليم والعالم…
فحرب السودان الحالية هي أيضاً نتاج السياسات الخارجية المعيبة التي ظلت تقدم استمرار نظام الحكم، الديكتاتوري، على مصلحة البلاد وبأي ثمن، وهو ما جعل السودان اليوم مطيّة لأمزجة وطموحات بلاد تعتقد أنها تستطيع شراء الجميع وكل شيء، وأبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة ودعمها السريع.
الرحمة والمغفرة للمعدنين السودانيين الذين قتلوا قصفاً بالطيران المصري.
#حرب_المجرمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..