مقالات وآراء

ثقافة القطيع في السودان: كيف تكشف أزمة التفكير المستقل

هل سمعت يوما أحدهم يتحدث عن “ثقافة القطيع” ويصف بها أشخاصا أو جماعة ما؟
وما قصة هذا المصطلح الذي يشبه بعض السلوكيات البشرية بسلوك الحيوانات؟
ولماذا أصبح متداولا في السودان خلال الفترة الأخيرة؟
يستخدم مصطلح “ثقافة القطيع” لوصف ظاهرة تأثر الأفراد بالجماعة أكثر مما يتأثرون بقناعاتهم الشخصية المستقلة.
وقد استخدمت كلمة “القطيع” كاستعارة من عالم الحيوان، لأن الحيوانات تتحرك في مجموعات كبيرة حفاظا على الأمان، ويتبع أفرادها اتجاه المجموعة حتى وإن كان ذلك الاتجاه خاطئا أو يقود إلى الخطر.
لكن الحيوانات معذورة، فهي لا تملك وعيا أو قدرة على التحليل وقراءة الموقف.
أما عندما يتعلق الأمر بالإنسان، فإن المسألة تستدعي وقفة لمعرفة الأسباب، وهذا ما دفع علماء الاجتماع وعلماء النفس إلى دراسة هذه الظاهرة.
تشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن الإنسان قد يتأثر بسلوك الجماعة في ظروف معينة بطريقة تشبه بعض الأنماط الموجودة في عالم الحيوان.
فعندما تشتد الأزمات، أو تزداد المخاوف، أو يضعف اليقين، يصبح الانتماء إلى الجماعة مصدرا للشعور بالأمان والهوية والقبول الاجتماعي والراحة النفسية.
فالحاجة إلى الانتماء حاجة إنسانية طبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانتماء إلى تبعية عمياء، وعندما يصبح صوت الجماعة أعلى من صوت العقل.
بصفة عامة المصطلح يستخدم لوصف التبعية السلبية و التخلي عن التفكير النقدي المستقل لصالح الاتباع الأعمى للجماعة، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية او غيرها، ويظهر السلوك عندما يقبل الرأي لأن الجماعة تتبناه، ويرفض الرأي نفسه إذا صدر من جهة أخرى.
ويصبح النقد خيانة، والتساؤل تمردا، والمراجعة ضعفا، بينما تمنح الطاعة العمياء للمجموعة صفة الولاء والالتزام.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن صاحبها قد لا يدرك أنه واقع فيها.
فهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة، بينما يكون في الواقع مدافعا عن الجماعـة أكثر من الفكرة نفسها، ويعتقد أنه اتخذ موقفه عن قناعة كاملة، بينما قد يكون الدافع الحقيقي هو الخوف من العزلة أو الرغبة في القبول أو المكانة أو التأثر المستمر بمن حوله.
استخدام المصطلح في السودان في الفترة الأخيرة جاء نتيجة لتنامي ظاهرة الوقوف مع الجماعات والدفاع عنها، حتى عندما تتعارض مواقفها مع الحقائق أو المصالح العامة.
و هذا الامر يكشف عن ازمة تفكير كبيرة جدا يعاني منها مجتمعنا، وفي الحقيقة يعود السبب الى ما عانته البلاد من حروب طويلة وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية مستمرة وغياب لدور الدولة، ما جعل بعض الناس يلجأون إلى الاحتماء بالجماعات المختلفة بحثا عن الأمان والهوية والمكانة والقوة.
ومع مرور الزمن أصبح الانتماء عند البعض جزءا من تعريفهم لأنفسهم، مما جعل مراجعة مواقف الجماعة أو نقدها أمرا صعبا في كثير من الأحيان.
وحقيقة أن كثرة الجماعات والانتماءات أمر طبيعي في أي مجتمع، ولا تكمن المشكلة في ذلك، وإنما في ضعف ثقافة النقد الذاتي داخل هذه الجماعات.
فكم من شخص يدافع عن حزب أو تيار أو جماعة أو قائد دون أن يسمح لنفسه بطرح الأسئلة الصعبة؟
وكم من شخص يرفض فكرة صحيحة فقط لأنها جاءت من طرف لا ينتمي إليه؟
وكم من شخص استمر في الانتماء إلى مجموعة معينة رغم اقتناعه بأخطائها خوفا من فقدان الحماية أو المكانة الاجتماعية أو التعرض للانتقاد؟
والأسوأ من ذلك أن بعض الجماعات تحارب من يحاول نقدها أو كشف أخطائها، وتتعامل مع النقد باعتباره تهديدا لوجودها بدلا من اعتباره فرصة للإصلاح.
ولذلك كثيرا ما نشاهد انشقاقات متكررة داخل الجماعات، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، لأن ثقافة الحوار والمراجعة تكون أضعف من ثقافة الاصطفاف والولاء.
إن الجماعة القوية لا تمنع النقد، بل تتعلم منه.
والانتماء الواعي ليس الذي يلغي شخصية الإنسان، بل الذي يمنحه مساحة أوسع للفهم والمراجعة والتطور.
وفي الحقيقة، نحن كسودانيين نحتاج إلى أن نتوقف ونراجع مواقفنا: هل تتشكل قناعاتنا من خلال تفكيرنا الحر والمستقل أم من خلال التأثر غير الواعي بالآخرين؟
وإلى أي مدى نتبنى ما يؤمن به الآخرون لمجرد خوفنا من مواجهة الحقيقة.
والسؤال الأهم موجه إليك أنت، عزيزي القارئ: هل فكرت يوما في أسباب انتمائك الحقيقي إلى الجماعة التي تنتمي إليها اليوم؟
هل اخترتها بوعي وإدراك؟
أم وجدت نفسك داخلها بفعل البيئة أو العاطفة أو الخوف أو ضغط المحيط او بحثا عن القوة والمكانة؟
المشكلة ليست في أن تنتمي إلى جماعة ما، بل في أن تفقد قدرتك على مغادرتها عندما تكتشف أنها أخطأت.
وليست المشكلة في أن تؤيد فكرة ما، بل في أن تعجز عن مراجعتها عندما تظهر الأدلة التي تناقضها.
ففي النهاية، لا يقاس وعي الإنسان بعدد الذين يقفون معه، وإنما بقدرته على التفكير الواعي والمستقل، حتى عندما يقف وحده.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..