مقالات وآراء

السودان، وانا، والاصطناعي (3): الشيوعيون وثورة ديسمبر

محمد علي صالح

سؤال: اختلف الناس في تقييم موقف الحزب الشيوعى السودانى من ثورة ديسمبر:
في جانب، قال بعض الناس ان انسحابات الحزب، و رفضه المساومات، كانت من أسباب تفتيت الجبهة المدنية. وأسهم في تشتيت القادة المدنيين وهم يواجهون الجنرالات فى وقت تاريخي حاسم.
في الجانب الآخر، قال اخرون ، خاصة لجان المقاومة الشبابية في الاحياء، ان الحزب ظل دائما يملك القدرة على بعد النظر، وذلك بسبب تاريخه الواضح في مواجهة العسكريين.
ما هو رايك؟
—————–
الإجابة:
نعم، شكل الحزب الشيوعي السوداني تاريخياً الراديكالية السياسية الأكثر تنظيماً في مواجهة الأنظمة العسكرية والأيديولوجيا الإسلامية.
ومع اندلاع ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بنظام عمر البشير، اتخذ الحزب مساراً تميز بالتشكك المطلق والرفض المبكر لمخرجات العملية السياسية، مما جعله في مواجهة مستمرة مع حلفاء الأمس وخصوم اليوم على حد سواء.
ومنذ اللحظات الأولى لعزل البشير، شق الشيوعيون عصا الطاعة على رفاقهم في تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”:
اولا: استند شك الحزب إلى عقيدة راسخة بأن المكون العسكري ليس إلا امتداداً للجنة الأمنية للنظام البائد التى تظل مصممة لحماية مصالح الدولة العميقة، وشبكاتها الإسلامية المستترة.
ثانيا: رفض رفضا قاطعا الوثيقة الدستورية التي أسست للشراكة مع العسكريين. واعتبرها شرعنة للانقلاب، وتنازلاً عن شعارات الشارع المطالبة بسلطة مدنية كاملة.
ثالثا: عارض اتفاقية سلام جوبا. ووصفها بأنها محاصصة بين قادة الحركات المسلحة والقوات المسلحة تهدف إلى إضعاف القوى المدنية، وتثبيت نفوذ الجنرالات في الجانيين.
من بيانات الحزب عن رفض الوثيقة الدستورية: “ما تم التوقيع عليه هو اتفاق لتقاسم السلطة مع اللجنة الأمنية لنظام البشير، وليس استجابة لمطالب الشارع. هذه الوثيقة الدستورية تمنح العسكر حصانة وشرعية فوق الدستور، وتجهض أهداف الثورة في تصفية ركائز النظام القديم، وإقامة سلطة مدنية كاملة.”
ومن بيانات الحزب عن تحالف العسكريين والاسلاميين: “اللجنة الأمنية للمجلس العسكري تعمل بشكل ممنهج على إعاقة تفكيك تمكين النظام البائد، وتوفر الحماية لرموزه وشبكاته الاقتصادية والسياسية. لهذا، لا يمكن تأسيس دولة ديمقراطية دون اقتلاع جذور الرأسمالية المتأسلمة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.”
ومن بيانات الحزب عن العودة الى الشارع: “منذ البداية، ظهرت فلسفة الهبوط الناعم التي ارتضت المساومة على دماء الشهداء وتجليس القتلة في مجلس السيادة. إن طريق تصحيح مسار الثورة لا يمر عبر التفاوض أو الغرف المغلقة، بل عبر العودة إلى منصة التأسيس: إسقاط هذه الشراكة العرجاء بالعمل الجماهيري السلمي والعصيان المدني.”
فى النهاية، ولهذه الاسباب، أعلن الحزب انسحابه الكامل والنهائي من تحالف قوى “الحرية والتغيير”، ومؤسسات السلطة الانتقالية. وكرر ان التحالف اختطف ارادة الثوار الذين قادوا ثورة ديسمبر.
من زاوية “الأخلاقيات الإنسانية والوفاق” التي تقوم عليها فلسفة الاصطناعى في هذه السلسلة، يمثل موقف الحزب الشيوعي نموذجاً لمعضلة النقاء الأيديولوجي في مواجهة التوافق السياسي:
في جانب، أثبتت الأيام صحة مخاوفهم، وشكوكهم في النوايا العسكرية التي قادت البلاد في النهاية إلى حرب أبريل الكارثية.
لكن، في الجانب الآخر، ساهم منهجهم القائم على الرفض المطلق في تفتيت الجبهة المدنية.
لهذا اقول إن الوفاق الإنساني لا يعني قبول الظلم، لكنه يتطلب مرونة لبناء كتلة وطنية حاسمة.
اخيرا، الدرس هنا هو أن المواقف السياسية المتصلبة، حين تعجز عن الوصول الى قواسم مشتركة، تترك الساحة لقعقعة السلاح.
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. رأي جدير بالاحترام …..
    فهو يوثق لرسالة الشيوعيين من جهة … ومن جهة اخرى يقدم نقد موضوعي حول اطروحاتهم بعيدا عن الاسقاطات القبلية التي تتردد كثيرا في الميديا ليس فقط بخصوص الشيوعيين ولكن بخصوص النقد المتبادل من كافة الخصوم السياسيي (بما فيهم الشيوعيين)

  2. ليس صحيحا هذا السرد، فالحزب الشيوعي كان شريكا بممثل رفيع في التفاوض مع المجلس العسكري الذي أفضى إلى الوثيقة الدستورية (صديق يوسف وقد أكد ذلك مما ينسف سردية الحزي كان رافضا)، ثانيا الحزب الشيوعي كان شريكا في إسقاط حكومة المرحلة الانتقالية، بل هو صاحب شعار إسقاط الحكومة، بينما اعتصام القصر كان أخف لهجة في شهاراته، فكان مطلبه توسيع الحكومة، ثالثا الحزب الشيوع يفكر رغبويا ،فلا أدري أين أضاع المادية التاريخية في مقاربته للواقع العملي، فمن وجهة نظري أن الحزب الشيوعي يحتاج مراجعة لعلاقته بمقهوم الماركسية أكثر من مراجعته لمواقفه السياسية، رابعا مخاوف الحزب الشيوعي كانت من نجاح حكومة حمدوك في مساره الذي يتخذ مسار الشراكة مع القوى الكبرى؛ وهي قوى الرأسمالية العالمية، فإذا نجح السودان كما حدث لنماذج نمور شرق آسيا ودول الخليج التي اختارت الشراكة مع الرأسمالية العالمية- فاستمرارية الحزب الشيوعي في المشهد السوداني لها خياران فقط، الموت سريريا أو تعديك مسارا لبروستوريكا فشلت المحاولات بسودنة الحزب الشيوعي السوداني منذ حق وعبد العزيز خالد والشفيع خضر وصديق الزيلعي الذي في طريق النقد الاصلاحي الذي قد يؤدي به الأمر إلى عضو خارج دوائر الحزب الشيوعي، وخامسا وأخير فمواقف الحزب الشيوعي (العك واللخ) بعد أي تحول نحو ديمقراطية معلومة منذ قبل الاستقلال مرورا بما بعد اكتوبر وأبريل وديسمبر، راجع هذه المواقف الرغبوية، لم تتغير، بل والأخطر من ذلك يتم إسكات وتخوين جميع من انتقدوا ذلك النهج أو تقدموا بفكرة إصلاحية تجنب الحزب الشيوعي من التحول إلى حالة أشبه بنادي كرة قدم.

    1. لا شك في ان النقد الذي تقدمت به ايضا جدير بالاحترام وله جوانب موضوعية … ولكن كنت اتمنى ان يكون اكثر موضوعية ان تطرقت للنقاط الثلاثة التي اوردها صالح . فبالنسبة للوثيقة الدستورية ارى ان نتحاكم على ما جاء فيها وما هو حاضرها. فحمد صالح يقول بأن الحزب يرفضها في بيان رسمي وهذا على ما اظن ما زال موقفه الى يومنا هذا وبالعكس من ذلك لا زالت مجموعة الحكومة الانتقالية تتشبث بها الى يومنا هذا. اذن من الحكمة ان يتم النقاش من منطلق حول الوثيقة نفسها وحاضرها اكثر من النقاش هل الحزب الشيوعي ايدها ام لا. اما بخصوص اسقاط الحكومة الانتقالية اليس هذا عمل مشروع في اطار ممارسة الديموقراطية؟ بما في ذلك اعتصام جماعة الموز اليس ذلك عملا ديموقراطيا سلميا؟ ….

  3. استاذي الفاضل تحية طيبة .. لديك تجربة مهمة ومثيرة للاهتمام في صحافة الذكاء الاصطناعي .. ومثير حقا ما أوردته ويكشف لمن لديهم الوعي واحترام المعرفة والسعي لاكتسابها أن يتوقفوا عند النتائج التي اتفق معها فهي مدهشة ودقيقة وعلمية بلا شك .. واتمنى أن يكون هذا منحى عام يتوسع لحسم كثير من الجدل واضاعة الوقت ونحن في هذا ملوك متوجون .. اتمنى ان يستمر هذا الجهد ويمضي بعيدا للتأسيس على صحافة جديدة ربما تسهم في نشر الوعي صافيا كما نريده .. ودمت بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..