
في الحروب لا تبقى كل الأصوات التي ارتفعت، ولا كل المواقع التي اشتعلت حولها المعارك، لكن بعض الأماكن تظل تحمل ذاكرة من مروا بها. ذاكرة لا تصنعها الجدران، بل الرجال الذين وقفوا خلفها في اللحظات التي لم يكن فيها التراجع خيارا.
كان سلاح الإشارة في بحري واحدا من تلك الأماكن. لم يكن مجرد مبان او اجهزة اتصال، بل كان حلقة تصل القيادة بالميدان، وشريانا لا يحتمل الانقطاع. ولهذا ظل هدفا للهجمات المتتالية، وظل رجاله ومن وقف معهم في الخطوط الأولى يخوضون اختبارا طويلا من الصبر والثبات.
لم تكن قصة الإشارة قصة موقع واحد فقط، فقد وقف عند اسوارها رجال من وحدات واجهزة ومناطق مختلفة، جمعهم ظرف واحد وواجب واحد. وبين عشرات القصص التي صنعتها تلك الأيام، تبقى قصة أحد عشر رجلا اختارت لهم الحرب طريقا مختلفا؛ تفرقت بهم مواقع المواجهة، ثم جمعهم التراب في قبر واحد.
لم يكونوا جميعا في خندق واحد، ولم يحملوا السلاح في اللحظة ذاتها، لكن كل واحد منهم كان يقف في مكانه عندما كان الوطن يحتاج الى ثباته. اختلفت مواقعهم، واختلفت خلفياتهم، لكنهم التقوا في المعنى نفسه: ان يبقى الخط واقفا.
كان مجاهد صلاح من جهاز الأمن واحدا من اولئك الرجال الذين قادتهم المعركة الى حيث يكون الخطر اكبر. بدأ القتال في محيط مستشفى الأمل، ثم واصل طريقه الى جبهة الإشارة، ينتقل من موقع الى اخر وكأن المسافة بين الجبهات لا تعني شيئا امام واجب اختاره لنفسه. هناك، في قلب المواجهة، كانت رحلته الأخيرة.
وفي خطوط الدفاع المتقدمة وقف عبدالرحمن عبدالله من القوات البحرية، ومعه نجم الدين سليمان وطارق أحمد حامد من المكافحة. كانوا في مواجهة مباشرة مع محاولات الاختراق، وتعاملوا مع تقدم المهاجمين وآلياتهم حتى أصبحت مواقعهم عقبة امام قوة تحاول فتح طريقها. لم يكن ما يثبتهم كثرة العدد، بل ذلك الشعور بان خلفهم موقعا لا يجوز ان يسقط.
وفي تلك الصفوف كان عبدالباسط إبراهيم عبدالله، صاحب القلب الحار كما يصفه رفاقه، يقف حيث يشتد الخطر. حمل الدوشكا في مواجهة المهاجمين، وفي اللحظات التي تصبح فيها المسافة قصيرة ويصبح القرار اسرع من التفكير، اختار ان يبقى في مكانه.
وكان بين هؤلاء ثلاثة من المستنفرين الذين جمعتهم ساحات القتال من مناطق مختلفة؛ إسماعيل أبكر وإدريس آدم ومختار أبشر. لم تجمعهم منطقة واحدة ولا طريق واحد، لكن جمعتهم راية واحدة. جاءوا الى الموقع ليصبحوا جزءا من قصة اكبر من اسمائهم.
اما موسى تيه من سلاح الأسلحة، فكانت قصته امتدادا لمعنى الوفاء للموقع. جاء من متحرك الفشقة بعد رحلة شاقة، وانتقل الى جبهة الإشارة ليواصل دوره هناك. بالنسبة له لم تكن الجبهات اماكن منفصلة، فالوطن عنده ساحة واحدة مهما اختلفت الجهات.
وفي يوم 12 مايو 2024، جاءت اللحظة التي اختبرت كل شيء.
في المنطقة الصناعية شرق موقف شندي، بلغت المواجهة ذروتها. تقدمت القوات المهاجمة مستفيدة من طبيعة المكان، واستخدمت الورش والمباني الصناعية للتسلل، حتى اقتربت المسافة الى امتار قليلة. وصلت الإشارة بان الخطوط الأولى تعرضت للاختراق، ولم يعد هناك وقت للحسابات الطويلة.
كان صوت الرصاص يملأ المكان، وكانت الجدران التي تحولت الى ساتر للمهاجمين شاهدة على قتال قريب لا تفصل فيه المسافات بين الطرفين. تحرك المهاجمون عبر الفتحات التي احدثوها في الورش والمحلات، لكن الرجال في الموقع كانوا يعرفون ان تلك اللحظة هي الفاصل بين بقاء الخط وسقوطه.
ثبتوا في اماكنهم.
ارتفعت اصوات الدوشكا والأسلحة الأرضية، وتحول الموقع المتقدم الى نقطة مواجهة مفتوحة. اقترب الخطر حتى صار وجها لوجه، لكن الموقع بقي صامدا، وتوقف التقدم عند رجال اختاروا ان يكونوا آخر من يغادر المكان.
كانت تلك المواجهة واحدة من صفحات كثيرة عاشها سلاح الإشارة خلال الحصار الطويل. هجمات متكررة، وظروف قاسية، ورجال كانوا يعرفون ان مهمتهم لا تنتهي عند حدود السلاح، بل تبدأ من مسؤولية حماية الموقع الذي يقفون فيه.
وفي خضم تلك الأيام ظهرت قصص اخرى، من بينها قصة أحمد الطيب ود نجاة، الذي عرف بين رفاقه بالشجاعة والإقدام، وظل حاضرا في مواقع الخطر، لان بعض الرجال يصبح وجودهم جزءا من معنويات المكان.
ثم جاءت لحظة الفرج بعد شهور طويلة من الصمود، عندما وصلت القوات القادمة من ام درمان عبر كوبري الحلفايا، وانكسر الحصار عن سلاح الإشارة.
لكن الذين دفعوا الثمن الأكبر لم يكونوا هناك.
كان الأحد عشر قد مضوا قبل ان يشهدوا تلك اللحظة. جمعتهم النهاية بعد ان فرقتهم مواقع القتال. احتضن قبر واحد رجالا جاءوا من وحدات ومناطق مختلفة، لكنهم تركوا خلفهم قصة واحدة.
وفوق ذلك القبر نبتت شجرة خضراء.
لم تكن مجرد شجرة، بل كانت صورة تختصر الحكاية كلها؛ فالارض التي احتضنت اجسادهم حملت معها رسالة بان التضحيات لا تنتهي برحيل اصحابها، وان الدماء التي تبذل دفاعا عن الوطن تتحول الى ذاكرة لا تزول.
رحل الرجال.. وبقيت الإشارة.
رحل اصحاب المواقف.. وبقيت الحكاية.
فبعض الرجال لا تحتاج اسماؤهم الى حبر، لان الاوطان تتولى كتابة سيرتهم في صفحاتها الخالدة.



