مقالات وآراء

السودان وطن واحد لن يتجزأ

أحمد بطران عبد القادر

في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها بلادنا برزت على السطح عصابات إسفيرية وارتفعت أصوات عنصرية نشاز لا تمثل إلا أصحابها وتستنكرها القاعدة الجماهيرية العريضة لشعبنا العظيم
هذه الأصوات تروج لمشروع خطير هدفه تقسيم السودان إلى دويلات ضعيفة على أسس عرقية وجهوية على النحو الذي تشتهيه قوى الاستعمار الحديث ليسهل على الاستعماريين الجدد نهب موارده واستثمار ثرواته لصالح بلدانهم.
إن هذا المشروع لا يستند إلى معطيات موضوعية ولا يجد له سنداً في تاريخ شعبنا المجيد بل هو نتاج أجندات خارجية وأوهام فئة فشلت في إدارة الوطن الموحد فلما عجزت عن الحكم لجأت إلى البحث عن وطن على مقسم يلائم أهواءها المريضة
وهي لا تملك رؤية لما سيؤول إليه حال المقسم بعد التقسيم إذ يحمل في طياته ذات جذور الأزمة القائمة في الوطن الأم ذلك أن أي رقعة جغرافية مهما صغرت تتشكل من المكونات الاجتماعية ذاتها الموجودة في بقية جغرافيا الوطن وعليه فإن كل جزء من أجزائه عزيز علينا وكل شبر منه وطن كما تغنينا بذلك

السؤال الجوهري
هل تستطيع خرائط تُرسم في مراكز البحوث الغربية أن تمحو ذاكرة آلاف السنين من التعايش السلمي والتاريخ والمصير المشترك؟
وهل يقوى خطاب الكراهية على نسف جغرافيا التصاهر والتواصل والتجارة والدين ؟ التي حفرها السودانيون بدمائهم وعرقهم

إن بلاد السودان لم تتوحد بالسياسة والحكم والإدارة فحسب بل توحدت منذ آلاف السنين وجداناً ولعبت الأديان السماوية دوراً محورياً في ذلك حتى جاء التصوف فأحدث وحدة وجدانية صارت صمام أمان في وجه كل مشاريع التقسيم

أولاً خطآن فادحان يرتكبهما دعاة التقسيم
إن المروجين اليوم لفكرة التقسيم وانفصال هذا الجزء والاستغناء عن ذاك يرتكبون خطأين فادحين

1/ يتجاهلون تاريخ شعب عاش متوحد الوجدان قبل آلاف السنين وقبل أن تُرسم حدوده وفق أمزجة الاستعمار
2/ يتوهمون أن بإمكانهم محو جغرافيا امتزجت فيها الدماء والأرحام وحركة السكان الطبيعية في كل الأنحاء علماً ومعرفة وتجارة وتصاهراً ونسباً على مدى قرون من الزمان

لذلك ظل السوداني بفطرته ميالاً إلى الوحدة وما كان انفصال الجنوب خياراً شعبياً بل كان نتاج حرب طويلة أريد لها أن تنتهي ببتر عضو من الجسد لتكون بداية لانفراط العقد فلا يجوز أن نجعل من الاستثناء قاعدة

ثانياً السودان وطن واحد بتاريخ ومصير مشترك
لم يكن السودان يوماً مجموعة قبائل متجاورة بل كان وطناً واحداً شهد تاريخاً حافلاً بالتضحيات والأمجاد
1 / تاريخ موحد منذ فجر الحضارة وقدم التاريخ
من مملكة كوش أولى حضارات وادي النيل مروراً بالممالك المسيحية وصولاً إلى السلطنة الزرقاء وسلطنات دارفور والمساليت والمسبعات كانت طرق الرعي والتجارة والحج مفتوحة لم تفرقها حدود ولم تقطعها سيوف وكانوا السودانيين يقيمون حيث شاؤوا

2 مصير مشترك في مواجهة الغزاة
توحد السودانيون في التصدي للغزو التركي المصري
وفجروا أعظم ثورة في وجه المستعمر الثورة المهدية 1885م التي هب لها أهل السودان بمختلف إثنياتهم ومكوناتهم الاجتماعية لم يسأل أحد عن قبيلته أو دينه وكان لافتاً أن أغلب قادة المهدية من ذوي الثقل كانوا من أبناء جبال النوبة

وجاءت ثورة 1924م صفحة ناصعة في سجل الوحدة الوطنية حيث سقط شهداؤها بقيادة عبد الفضيل الماظ طلباً للاستقلال ودفاعاً عن وحدة البلاد

وتوجت هذه المسيرة بملحمة الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م حيث أعلن نواب الشعب بصوت واحد السودان للسودانيين لم يكن قرار إقليم دون آخر بل كان قراراً سودانياً خالصاً عبر عن إرادة شعبنا العظيم كما فعلت ثورة ديسمبر المجيدة عندما هتفت في وجه الرئيس المخلوع عمر البشير يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور

3/ وجدان ديني وصوفي موحد
شكلت الخلاوي والطرق الصوفية نسيجاً روحياً ممتداً من حلفا إلى نمولي ومن بورتسودان الي الجنينة وقبل ذلك خرجت من أرض كوش رسالات التوحيد لتشهد أن هذه الأرض كانت مهبط أنبياء قبل أن تصير ساحة صراع بسبب اختلال إدارتنا لوطن متعدد الثقافات والأعراق والأديان يعشق الحرية والسلام أردنا أن نسومه سوء العذاب

4 / تنوع مصدر إثراء لا إزعاج
نحن شعب متعدد الثقافات و الأعراق فينا الدم العربي والدم الزنجي مسلمون ومسيحيون نتحدث بأكثر من 500 لهجة لكن هذا التنوع كان مصدر غنانا تصاهرنا وتقاسمنا المرعى والماء وتزاوجنا فانصهرت أنسابنا وتوحدت أمزجتنا وهتفنا يا صديقي منقو لا عاش من يفصلنا وما زالت غصة انفصال الجنوب قائمة في وجدان الوطن

ثالثاً من هم دعاة التقسيم
هم ثلاث فئات لا تملك الحق ولا الرؤية ولا تفويضاً من أحد وتسعى ضد إرادة شعبنا المحب لوطنه المتمسك بوحدته أرضاً وشعباً

1/ عملاء بأجندة خارجية؟
يتلقون التمويل والإملاء من قوى أجنبية لا تريد سوداناً قوياً متحداً بل تريده ضعيفاً ليسهل استغلاله ونهب موارده

2/ انتهازيو سلطة
عجزوا عن الحكم الرشيد وظلموا واستبدوا فلما هبت ثورات شعبنا ضد جبروتهم سعوا إلى مشاريع التقسيم ليحتفظوا بجزء من وطن مدمر يسهل السيطرة عليه والاحتفاظ بالامتياز فيه لا قواعد لهم إلا ضجيج الأبواق ولا تاريخ ولا رصيد نضالي

3/ ضحايا خطاب الكراهية
أقنعوهم أن المشكلة في الآخر لا في فشل النخب العسكرية والمدنية التي عجزت عن بناء مشروع وطني يكمل مهام الاستقلال

رسالتنا إليهم جميعا
اذهبوا إلى الشعب في مكوناته الاجتماعية في المزارع والمتاجر في المساجد والكنائس في قاعات الجامعات والأندية وسوح الفكر ودور الأحزاب والمراكز الثقافية والمجتمعية واسألوا المواطن البسيط أتريد الانفصال عن الوطن الأم
ستكون الإجابة نريد حياة كريمة وأن نعيش بسلام كما كنا لا نسأل أحداً عن قبيلته أو وجهته كلنا إخوان وأحباب وجيران وفروا لنا الأمن والخبز وصونوا حقوقنا في العيش الكريم والمشاركة في الإدارة والحكم على أساس المواطنة بلا تمييز

رابعاً درس الجنوب ألا يكفي
لم يأت انفصال الجنوب عن الوطن الأم بخير لأحد لم يحقق السلام للجنوبيين ولا الاستقرار للشماليين وما زلنا نتوق إلى الوحدة ونتحسر على الانفصال
فقد أثبتت التجربة أن الانفصال لا يحل الأزمة بل يصدرها فلماذا نكرر الخطأ ونسمح بإعادة السيناريو في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط الخ

خامساً الحل في الوحدة لا في التشظي
إن مشكلة السودان ليست في تعدده بل في فشل الإدارة والحكم وفي منظومة استبداد سيطرت على الدولة فغابت فيها الحرية والعدالة والسلام وحضر فيها قهر الآخر والاستعلاء عليه وكل هذه الجراح تصغر أمام جرح الانفصال

لذا فإن استعادة التوازن الوطني تسبق التوازن الجهوي والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي القائم على حوكمة الدولة السودانية مدنياً وعسكرياً وفق أهداف ومبادئ ثورة ديسمبر المجيدة حرية سلام عدالة مدنية خيار الشعب

وتتمثل وصفة العلاج في الآتي

1/ فيدرالية عادلة
تؤسس لحكم راشد في كل الأقاليم وتحترم خصوصياتها وتربطها بالوطن الكبير اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً عبر منهج تعليمي موحد وجيش وطني مهني وسلك دبلوماسي موحد وتمثيل عادل في المركز بالثقل السكاني والامتداد الجغرافي

2/ مواطنة متساوية
القضاء على جدلية المركز والهامش بمعالجة جذور الأزمة السودانية وإيراد حلول ناجعة مرضية لكل السودانيين ومستجيبة لتطلعاتهم و ملبية لاشواقهم في حكم مدني ديمقراطي فدرالي ودولة حقوق ومواطنة

3/ حوار سوداني سوداني
إجراء حوار شامل بين كل المكونات الاجتماعية والسياسية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني لطي صفحة الحرب وإنهائها بإرادة سودانية خالصة والتوافق على إنجاز المشروع الوطني النهضوي الذي يحافظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها ويبسط يده للجوار العربي والأفريقي بالخير والعرفان

ختاما إلى دعاة الانفصال إنكم تحفرون قبوركم السياسية بأيديكم لا تاريخ سيرحمكم ولا جغرافيا ستقبلكم
أما السودان فباقٍ بعظمة شعبه وعزيمة أبنائه الأبرار
باقٍ بنيله ونخيله بغاباته وصحاريه بإنسانه ونباته بثرواته وموارده بعظمة تاريخه التليد وبقوة شعبه وثوراته المجيدة
السودان وطن متعدد الثقافات والأعراق والأديان ولكنه متوحد الوجدان
ومن أراد له غير الوحدة فليبحث له عن وطن آخر في أوهامه وخيالاته المريضة ومخططات الأعداء البغيضة
أما في واقعنا فسيظل السودان بلاد الحضارة والتاريخ موحداً أرضاً وشعباً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..