
المواطنة السودانية… الأساس المفقود في بناء الدولة
ظل الفكر السياسي السوداني منذ الاستقلال منشغلاً بإدارة السلطة أكثر من انشغاله بتأسيس العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين المواطن والدولة. ولهذا بقي مفهوم المواطنة حاضراً في النصوص، لكنه لم يتحول بالقدر الكافي إلى قاعدة حاكمة للممارسة السياسية وبناء مؤسسات الدولة.
المواطنة ليست مجرد صفة قانونية، وإنما هي الأساس الذي تتحدد عليه علاقة الفرد بالدولة. وعندما تصبح حقوق المواطن مرتبطة بانتمائه السياسي أو الاجتماعي أو الجغرافي، تفقد المواطنة معناها، وتتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى مجال تتنافس داخله الانتماءات المختلفة على النفوذ.
السودان بطبيعته مجتمع متعدد، ولا يمكن بناء دولته بإلغاء هذا التعدد أو التعامل معه باعتباره عائقاً أمام الوحدة. المطلوب هو وضع هذا التنوع داخل إطار وطني واحد، تكون فيه المواطنة هي القاعدة التي تساوي بين الجميع، بينما تبقى الانتماءات الأخرى دوائر طبيعية في حياة المجتمع.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة. فالمواطن لا يستطيع أن يمنح الدولة ثقته الكاملة إذا لم يجد أمامه مؤسسات عادلة، وقانوناً يسري على الجميع، وخدمات وحقوقاً لا تتحدد بالولاء أو القرب من مراكز النفوذ. وكلما قويت مؤسسات الدولة، تراجعت الحاجة إلى البحث عن الحماية أو القوة خارجها.
ولهذا فإن إعادة بناء المواطنة ليست مهمة قانونية فقط، وإنما جزء من إعادة بناء الدولة نفسها. دولة المواطنة هي التي تجعل الفرد مرتبطاً بها مباشرة، لا عبر جماعته أو قبيلته أو حزبه أو منطقته.
ومن هنا يرتبط مفهوم المواطنة بالعقد الوطني. فالسودان يحتاج إلى عقد يتجاوز الاتفاقات السياسية المؤقتة إلى صياغة قواعد مستقرة للعلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحريات والمسؤوليات. عقد لا يقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تنظيمه داخل دولة واحدة.
وهذه واحدة من القضايا التي ينبغي أن تكون في قلب الحوار السوداني السوداني. فالحوار الذي يقتصر على ترتيبات السلطة بعد الحرب قد ينتج تسوية سياسية، لكنه لن يعالج أزمة الدولة. أما الحوار الذي يتجه إلى مراجعة أسس الدولة وقواعد المواطنة وشكل الحكم والعلاقة بين مؤسساتها ومواطنيها، فإنه يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة التأسيس.
إن مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني لا يبحث عن نموذج سياسي يفرضه طرف على بقية الأطراف، وإنما يسعى إلى بناء أرضية فكرية جديدة تجعل الدولة أوسع من الصراع السياسي، والمواطنة أقوى من الولاءات، والمؤسسات أقوى من الأشخاص.
لقد كشفت الحرب عمق الحاجة إلى هذه المراجعة، لكنها لم تصنعها. فالأزمة كانت قائمة قبل الحرب، والحرب جعلت نتائجها أكثر وضوحاً. ولذلك فإن السلام المستدام يحتاج إلى أكثر من إيقاف القتال؛ يحتاج إلى دولة تعيد بناء الثقة بينها وبين مواطنيها على أساس واضح من المواطنة.
وهنا تبدأ إعادة التأسيس من نقطة بسيطة لكنها جوهرية: أن يكون المواطن سودانياً في حقوقه وواجباته قبل أن يكون عضواً في أي دائرة أخرى، وأن تكون الدولة دولته قبل أن تكون ساحة للصراع بين الجماعات.
فإذا نجح الحوار السوداني السوداني في الوصول إلى هذه القاعدة، فإنه لن يكون مجرد حوار لإنهاء الحرب، وإنما يمكن أن يصبح بداية حقيقية لبناء الدولة السودانية على أساس جديد.



