مقالات وآراء

صوت البادية

عبد الله عيسى كتر عابد
الرد على النقد الموجَّه إلى المدرسة البدوية الواقعية
الفكر السياسي لصوت البادية: من الهامش إلى شراكة الدولة
النقد ليس خصمًا للفكرة، بل هو أحد شروط بقائها ونضجها.
ونحن في «صوت البادية» لا ندّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا نزعم أن مشروعنا قد بلغ مرحلة الكمال. نحن أبناء تجربة بشرية قابلة للخطأ والصواب، ولذلك فإننا نرحب بالنقد الذي يستهدف تطوير الفكرة وتقويم مسارها، ونرفض في الوقت ذاته أن يتحول الاختلاف الفكري إلى تشويه أو تخوين أو اختزال للمشروع في صور نمطية لا تعبّر عن جوهره.
إن النقد والتقييم والتقويم بالنسبة لنا ليست أدوات دفاع، وإنما أدوات بناء. فالمشروعات الفكرية الحقيقية لا تخشى الأسئلة الصعبة، بل تنمو من خلالها.
ومن هذا المنطلق، نتناول أبرز الملاحظات التي وُجِّهت إلى «صوت البادية».
أولًا: هل «صوت البادية» يعمم موقفه من النخب؟
هذا من أهم الأسئلة التي يجب أن تكون الإجابة عليه واضحة.
عندما نتحدث عن النخبة المركزية، فإننا لا نقصد كل متعلم، ولا كل أكاديمي، ولا كل مهني، ولا كل شخص وصل إلى موقع قيادي.
نحن نتحدث عن بنية نخبوية مركزية استطاعت، عبر ظروف تاريخية وسياسية واقتصادية، أن تحتكر مساحة واسعة من صناعة القرار، وأن تجعل المركز هو المصدر الأساسي لتعريف الدولة وأولوياتها ومصالحها.
المشكلة، إذن، ليست في النخبة بوصفها مفهومًا، وإنما في احتكار النخبة المركزية للسلطة والثروة والمعرفة وصناعة القرار.
لقد أنتجت الدولة السودانية، عبر عقود طويلة، علاقة مختلة بين المركز والأطراف. فالريف والبادية كانا في كثير من الأحيان مصدرًا للإنسان والموارد والماشية والمحاصيل، ومسرحًا للتجنيد والحرب والصراع السياسي، لكنهما ظلا بعيدين عن دوائر القرار التي تحدد كيف تُدار الدولة وكيف توزع مواردها.
وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي:
لماذا ينتج الهامش الثروة والموارد، بينما يظل المركز صاحب القرار الأكبر في كيفية توزيعها واستثمارها؟
هذه هي القضية التي يطرحها «صوت البادية».
ثانيًا: البادية ليست مكانًا جغرافيًا، بل منظومة حياة وإنتاج
من الخطأ اختزال مفهوم البادية في صورة جغرافية أو اجتماعية ضيقة.
البادية في تصور «صوت البادية» هي نظام اقتصادي وثقافي واجتماعي وإنتاجي.
فالقطاع الرعوي ليس نشاطًا هامشيًا في السودان، بل يمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الوطني، في دولة يقوم اقتصادها بصورة رئيسية على الزراعة بشقيها الحيواني والنباتي.
ولهذا فإن الحديث عن البادية هو حديث عن قطاع اقتصادي واسع، وعن ملايين المواطنين، وعن منظومة إنتاج وثقافة وعلاقات اجتماعية تمتد من شرق السودان إلى غربه، ومن مناطق الرعي في دارفور وكردفان إلى بقية مناطق السودان.
إننا لا ندافع عن البادية باعتبارها «ماضيًا» ينبغي أن نحافظ عليه كما هو، وإنما ننظر إليها باعتبارها جزءًا من حاضر السودان ومستقبله الاقتصادي.
فالراعي ليس مجرد شخص يحمل عصاه ويتنقل خلف قطعانه.
إنه فاعل اقتصادي.
والمزارع ليس مجرد منتج لمحصول يخرج من أرضه.
إنه شريك في بناء الاقتصاد الوطني.
والريف ليس منطقة انتظار للهجرة إلى المدينة.
بل يجب أن يكون قاعدة للإنتاج والتنمية والاستقرار.
ثالثًا: نحن لا نريد إسقاط المركز، بل إنهاء احتكار المركز
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط مشروع «صوت البادية».
نحن لا ندعو إلى صراع البادية مع المدينة، ولا إلى صراع الريف مع الحضر، ولا إلى استبدال مركزية بأخرى.
نحن ندعو إلى تفكيك المركزية نفسها.
السودان لا يحتاج إلى مركز جديد يحتكر القرار، وإنما يحتاج إلى دولة تتوزع فيها السلطة والثروة والفرص بصورة عادلة.
ولهذا نطرح النظام الفدرالي الحقيقي، وليس الفدرالية الشكلية التي تنتهي عند تقسيم الخريطة إلى أقاليم وولايات.
الفدرالية التي نعنيها هي:
فدرالية مالية + فدرالية إدارية + إدارة تشاركية + تنمية تبدأ من القاعدة.
فالقرار يجب ألا يُصنع بعيدًا عن المواطن الذي سيدفع ثمنه.
والتنمية يجب ألا تُفرض من أعلى إلى أسفل، وإنما تبدأ من احتياجات المجتمعات نفسها.
رابعًا: الدولة تبدأ من القاعدة لا من المركز
إن البناء الطبيعي للمجتمع والدولة يجب أن يتحرك من القاعدة إلى القمة:
البادية → الريف → شبه الحضر → الحضر → الإقليم → الدولة.
وهذا ليس مجرد ترتيب إداري، بل رؤية للتنمية المتوازنة.
فالقرية التي لا توجد فيها مدرسة ومستشفى ومياه وكهرباء وطريق وسوق وخدمات إنتاجية، ستظل تدفع أبناءها إلى المدينة.
والمدينة التي تستقبل أبناء الريف دون أن تمتلك اقتصادًا منتجًا، ستتضخم وتزداد أزماتها.
وهكذا تصبح الهجرة نتيجة طبيعية لاختلال التنمية.
لذلك فإن العدالة في الخدمات ليست منحة من المركز، وإنما حق من حقوق المواطن.
خامسًا: لا تنمية حقيقية دون إبقاء القيمة المضافة في مناطق الإنتاج
هذه النقطة تمثل محورًا أساسيًا في رؤيتنا الاقتصادية.
لا يمكن أن يستمر السودان في إنتاج المواد الخام ونقلها إلى المركز أو خارج البلاد، ثم شراء المنتج النهائي بأسعار أعلى.
إذا كانت المنطقة تنتج الماشية، فلماذا لا تكون فيها صناعة اللحوم؟
ولماذا لا توجد فيها المسالخ الحديثة؟
ولماذا لا توجد صناعات الجلود والألبان والأعلاف والخدمات البيطرية وسلاسل التبريد والنقل؟
وإذا كانت الأرض تنتج محصولًا زراعيًا، فلماذا يخرج خامًا بينما تتم عملية التصنيع والتحويل في أماكن أخرى؟
القيمة المضافة يجب أن تُبنى حيث يوجد الإنتاج.
هذه ليست قضية اقتصادية فقط، وإنما قضية سياسية واجتماعية أيضًا.
فإنشاء الصناعات التحويلية بالقرب من مناطق الإنتاج يعني:
خلق فرص العمل.
زيادة دخل المنتجين.
تقليل الهجرة.
تطوير المدن الريفية.
توسيع القاعدة الضريبية.
تنشيط الأسواق المحلية.
تحقيق استقرار اجتماعي أكبر.
وربط التنمية بالإنتاج بدلًا من ربطها بالمركز السياسي.
وهنا ننتقل من اقتصاد استهلاكي ريعي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على خلق القيمة.
سادسًا: «صوت البادية» ليس ضد المدينة
هذه نقطة نريد حسمها بوضوح.
نحن لسنا ضد المدينة، ولسنا ضد التعليم، ولسنا ضد النخب، ولسنا ضد الحداثة.
بل نريد مدينة قوية، ولكنها مرتبطة بريف منتج.
نريد جامعة قوية، ولكنها مرتبطة باحتياجات المجتمع.
نريد دولة حديثة، ولكنها لا تقوم على تهميش مواطنيها.
نريد اقتصادًا متطورًا، ولكن لا يكون المنتج فيه هو الحلقة الأضعف.
نريد حداثة لا تعني القطيعة مع المجتمع، وتنمية لا تعني استنزاف الأطراف لصالح المركز.
إن المعادلة التي نطرحها ليست:
البادية ضد المدينة.
بل:
البادية والريف والمدينة في دولة واحدة، على أساس الشراكة والعدالة وتكامل الأدوار.
سابعًا: من «الهامش» إلى «الشريك»
لقد آن الأوان لكي يتغير السؤال.
بدلًا من أن نسأل:
كيف ندمج البادية في الدولة؟
يجب أن نسأل:
كيف نبني الدولة بحيث تكون البادية جزءًا أصيلًا من عملية صناعة القرار؟
وبدلًا من أن ننظر إلى الرعاة والمزارعين بوصفهم قطاعات تحتاج إلى الرعاية، يجب أن ننظر إليهم بوصفهم منتجين وشركاء وأصحاب مصلحة في الدولة.
وبدلًا من استدعاء الريف والبادية في مواسم الانتخابات والحروب، يجب أن يكون لهما حضور دائم في المؤسسات التي تصنع القرار الاقتصادي والسياسي.
وأخيرًا: ماذا يريد «صوت البادية»؟
«صوت البادية» لا يريد امتيازًا للبادية على حساب غيرها.
ولا يريد إقصاء المركز.
ولا يريد استبدال نخبة بنخبة.
ولا يريد نقل الظلم من جهة إلى جهة.
إنما يريد إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة والعدالة والإنتاج والشراكة.
نريد دولة لا يكون فيها موقع الميلاد محددًا لفرص الإنسان.
دولة لا يكون فيها المركز قدرًا جغرافيًا لا يمكن تجاوزه.
دولة لا تُقاس فيها قيمة المواطن بقدر قربه من السلطة.
دولة تكون فيها مناطق الإنتاج شريكة في صناعة الثروة، وفي تحديد كيفية استثمارها.
ودولة تتحول فيها البادية والريف من ساحات للتهميش والاستغلال السياسي إلى مراكز للإنتاج والتنمية والاستقرار وصناعة المستقبل.
نحن نعلم أن الطريق طويل.
ونعلم أن المشروع قابل للنقد والمراجعة والتطوير.
لكننا نؤمن بأن الصمت أمام اختلالات الدولة ليس حيادًا، وأن طرح الأسئلة الصعبة ليس فتنة، وأن الدفاع عن حق المجتمعات المهمشة في أن تكون شريكة في صناعة مستقبلها ليس صراعًا ضد أحد.
إن «صوت البادية» ليس صوتًا ضد المركز؛ إنه صوت من أجل دولة لا مركز فيها يحتكر الدولة.
وليس صوتًا ضد المدينة؛ بل صوت من أجل مدينة لا تقوم على إفراغ الريف من موارده وبشره.
وليس صوتًا ضد النخبة؛ بل صوت من أجل نخبة وطنية تتسع للجميع ولا تحتكر تعريف الوطن.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست بين البادية والمدينة، ولا بين الهامش والمركز.
المعركة هي بين دولة الاختلال ودولة العدالة.
ونحن نختار بوضوح:
دولة الإنتاج بدل دولة الاستهلاك.
دولة الشراكة بدل دولة الاحتكار.
دولة الأقاليم المتكاملة بدل دولة المركز الواحد.
دولة المواطن بدل دولة النخبة.
ودولة العدالة بدل دولة الامتيازات.
ذلك هو «صوت البادية».

‫3 تعليقات

  1. (ندمج الدولة في البادية، الهامش والشريك)!!..
    سئمنا هذا الخطاب، فهو خطاب مكرر،ممجوج، وسيظل حالنا كما هو ،إذا لم نفترق بسلام وبدون اراقة دماء.

    1. علاقة الدولة مع المواطن خدمات ونحن نطالب بنظام فدرالي ذو مالية فدرالية وادارة تشاركية تبدء من ااقاعدة الى القمة اي من البادية ثم ريف ثم شبة حضر ثم خضر واقتصاد انتاجي بالقيمة المضافة وبعطي مناطق الانتاج الاولوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..