لماذا نحن هكذا؟

أحمد عباس حلمي
المفارقة التي تبكي:
في عام (1898)، عند دخول كتشنر السودان، كان عامل اللحام في ورش السكة حديد المتنقلة عبر الخط يشرب لبناً مبستراً معقماً في زجاجة، فيما بعد وبعد أن تأسست مدينة عطبرة كان يوزع له قبل الفجر في صندوق من خشب الزان مثبت على باب بيته. وبحلول عام (1910) بعد أن تأسست مدينة عطبرة بالكامل كان يوزع اللبن مجاناً على طلاب داخليات المدارس والمدارس الصناعية بعطبرة. واليوم في (2026)، نستجلب خبيراً خليجياً من السعودية والإمارات ليدربنا كيف نصنع لبناً مبستراً. نحن لم نتقدم، نحن عدنا (127) سنة للوراء.
ماذا كان معمل ألبان عطبرة؟
لم يكن مصنعاً، كان بنكاً وراثياً. أبقاره فريزيان هولندية دخلت مع كتشنر، لكن سلالتها محفوظة في بريطانيا منذ قبل (1860). في عام (1990) حينما عرضت الأبقار للبيع، قدر عمر السلالة بـ (130) عاما. كل بقرة معها جواز سفر: اسم أمها وجدتها وكمية لبنها. والبيطري السوداني يناديها باسمها السوداني: “تعالي يا حليمة” فتأتي حليمة وضرعها يتهدل، “تعالي يا سلمى” فتأتي سلمى. بقر يعرف اسمه ويعرف صاحبه.
كيف دمرناه؟
أحرقنا الورق أولاً: سجل النسب (Herd Book) الذي كتب بخط اليد لـ 80 سنة رمي في المخزن عمداً حتى أكلته الفئران. بدون الورق، البقرة التي تساوي (5000) دولار تصبح لحمة بـ (200) جنيه. بعناها للجزار واجهة: تم بيع القطيع كله لجزارين في سوق عطبرة بحجة أن علفه غال. الجزار لا يملك ثمن بقرة واحدة، كان مجرد كوبري على الورق. جاءت الشركة الهولندية وأخذت الذهب: في نفس الأسبوع، شركة هولندية اشترت القطيع كله من الجزارين بأضعاف سعره ونقلته حياً بالطائرات، وأخذت معها كافة السجلات الأصلية. هم يعرفون قيمة السلالة التي أخذها كتشنر منهم، وجاءوا ليستردوها بثمن اللحم. اشتروا الذهب بسعر الحطب. بعنا المكن خردة: بعد ذبح البنك الوراثي، أصبح المعمل بلا لبن، فبعنا ماكينات البسترة الألمانية وثلاجات الأمونيا كخردة بالكيلو. وكانت هذه الماكينات اليوم يمكن أن تكون متحفا يزار، وكنا سنصدر المعرفة لدول الجوار والدول العربية، هذا ما خطط له الإنجليز، لكن للأسف صدرنا تجارب الفشل لمن حولنا من الدول…
الفرصة التي قتلناها بأيدينا:
معمل ألبان عطبرة كان يمكن أن يكون اليوم المراعي والصافي السودانية. تخيل لو ربطناه بمشروع زادنا الزراعي الضخم: زادنا تزرع ألف فدان برسيم وذرة علفية، ومعمل عطبرة يربي 10 آلاف بقرة من نسل حليمة وسلمى المتأقلمة مع حر عطبرة، وينتج لبنا مبستراً يغذي كل الشمالية ونهر النيل والخرطوم. كنا اليوم نصدر جبنة وزبادي وحليب مجفف، ونبيع مني سلالة (Atbara Friesian) لكل أفريقيا بملايين الدولارات، مثلما تبيع هولندا. هذا المشروع كان يمكن أن يكون نواة لمشروع ألبان عالمي ينافس السكة حديد، فمزارع المراعي بالمملكة في قلب الصحراء تعتبر اليوم أكبر مزرعة متكاملة في العالم وتحتوي على (750,000) بقرة، وبدأت بعدنا بمائة عام. بدلاً من ذلك، بعنا الأصل، ودمرنا الفرع، وأصبحنا نستورد لبن بدرة وطويل الأجل من السعودية، ونستجلب خبيراً سعودياً ليعلمنا ما كنا نعلمه قبل 127 سنة.
الخلاصة:
معمل ألبان عطبرة لم يفلس، بل تم ذبحه. ذبحنا حليمة وسلمى، وبعنا شهادة ميلادهما لهولندا، وكسرنا صندوق الزان على باب الشارع. تلاشت خبراتنا وثرواتنا وتبعثرت، ليس لفقر في الأرض، بل لفقر في الإدارة. لو كان الإنجليز يريدون تدميرنا، لما فعلوا أكثر مما فعلنا بأنفسنا.
سؤال
هل السودانيون لا يعرفون قيمة الأشياء…؟؟ هل هو تبلد أم عمالة أم خيانة أم دروشة…؟؟؟
أحمد عباس حلمي
من أبناء عطبرة



