مقالات وآراء

أصنامنا تقتلنا: قراءة في فكر عبد الجليل الطاهر وواقع التعليم في السودان

مرتضى القسم عوض الكريم

يذهب الدكتور عبد الجليل الطاهر، الباحث العراقي الذي كرّس شطراً كبيراً من عمره لدراسة البنى الاجتماعية، إلى تشخيصٍ أخطر من “الجهل”.
يقول: إن الداء ليس في نقص المعلومات، وإنما في “الأصنام”.
والأصنام عنده ليست تماثيل من حجر، بل هي تصوراتٌ ومعتقداتٌ تصنعها الجماعة، ثم تحيطها بهالةٍ من القداسة. فلا تعود قابلة للنقاش ولا للمراجعة، ويغدو الاقتراب منها أو التشكيك فيها أشبه بالخروج على الملة.

ويصدق على ذلك قول المفكر علي شريعتي: *”كل مجتمع يصنع أصناماً، ثم يقدم لها القرابين من أبنائه”*.
ونحن قدمنا القرابين: أعمار أبنائنا، ومستقبلهم، وأحلامهم.

_وهنا تتطابق نظريته مع واقعنا في السودان تطابقاً مفزعاً._
لقد حفرنا لأنفسنا “شبر موية” ضيقاً، وأدخلنا فيه البلاد والعباد، فأقمنا فيه وأبَينا الخروج. لماذا؟
لأننا نحتنا أصناماً بأيدينا، ثم سجدنا لها.

_الصنم الأول: صنم التعليم المقدس_
نسمع من يردد بثقة أحمد رجب: *”التعليم بخير… والعيب في الطلبة”*
وهي العبارة التي تُكمم الأفواه وتُخرس الألسن.
حوّلنا الامتحان المصيري إلى صنمٍ يُعبد. 12 عاماً من العمر يحكمها 3 أيام من الورق. ومن تجرأ على نقده اتُهم بالخيانة والتآمر.
فكانت النتيجة: تعليمٌ عقيم لا يُنتج، لأنه قائمٌ على الحفظ والتقديس، لا على الفهم والإبداع والنقد.

_الصنم الثاني: صنم المسؤول الذي لا يُسأل_
يقول الطاهر إن الأصنام ما تلبث أن تتحول إلى أدوات هيمنة في يد النخب.
وعندنا استحال “المسؤول” صنماً. لا نستفهمه: لماذا لا بنية تحتية تليق بالإنسان؟
لماذا يفترس البحر المتوسط أبناءنا هرباً من جحيم الداخل؟
ولماذا نُكرم الغريب ونُهين القريب؟
والجواب معلب: “عيب” و “احتراماً للمقام” و “هذه الظروف”. فعبدنا المسؤول بدل أن نحاسبه، وقدسنا الكرسي بدل أن نخدم به.

_الصنم الثالث: صنم النفاق الاجتماعي_
وهنا يكمن الداء العضال: “النفاق الاجتماعي”.
وحتى نيلسون مانديلا لو زارنا لقال: *”التعليم هو أقوى سلاح لتغيير العالم”*… فرد عليه مسؤولنا: *”ونحن استخدمناه… لتغيير مكان الطالب من المدرسة إلى البحر”*.
حين تشتد قبضة الأصنام، يفصم الإنسان بين سريرته وعلانيته.
فتبرز “شخصية عامة” تصفق في المحافل، وتختبئ “شخصية خاصة” تلعن الفشل في المجالس.
وهذا الانفصام هو الذي أبقى أصنامنا قائمة. فلا أحد يجرؤ أن يجهر في النهار بما يهمس به في الليل.

_والنتيجة؟ ضياعٌ وتيهٌ وخراب_
حذّرت مؤسسات دولية ومحلية من ضياع جيلٍ بأكمله بسبب انهيار المنظومة التعليمية.
ووجّه مؤتمر “شركاء لأجل السودان” نداءً عاجلاً للعالم لإنقاذ التعليم في السودان، باعتباره مسؤولية إنسانية وأخلاقية، واسترداداً للأمل لملايين الأطفال الذين قذفت بهم الأزمات خارج أسوار المدرسة.
*فلا نهضة بلا مدارس، ولا مدارس بلا قرار، ولا قرار بلا تحطيم للأصنام.*

إن كسر الأصنام يبدأ بالتفكيك، والتفكيك يبدأ بالكلمة، والكلمة تبدأ بالشجاعة.
وتقول الحكمة الصينية: *”إذا أردت أن تهدم أمة، فهدم التعليم. وإذا أردت أن تبني أمة، فابنِ المعلم”*.
نريد تعليماً للبناء لا للحفظ، للإنتاج لا للتلقين. تعليماً يخرج مهندساً يعمر، وصانعاً يبدع، ومزارعاً يكتفي.
نريد مراجعة لنظام الاختبارات، وتقويماً مستمراً، ومعايير قبول تقوم على العدل لا على الحظ.
نريد أن نستبدل التقديس بالنقد، والخوف بالجرأة، والشعارات الجوفاء بالعمل والإنجاز.

_فإما أن نحطم “شبر الموية” الذي سجننا فيه، ونبني وطناً بسواعد أبنائه وعقولهم…_
_وإما أن نظل نذرف الدمع على وطنٍ هجره أبناؤه، وغرق فيه مستقبله.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..