محمد حسن التعايشي: بداية جيدة والاختبار في الإنجاز . قراءة في أداء رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة

يمكن، بعد الفترة الأولى من تولي محمد حسن عثمان التعايشي رئاسة الوزراء، أن نقول بوضوح ودون مبالغة: لقد بدأ بداية جيدة.
وهذا الحكم لا يقوم على الخطاب السياسي، ولا على الانتماء إلى تأسيس، ولا على ما نرجوه من الحكومة في المستقبل. إنما يقوم على عدد محدود، لكنه مهم، من الوقائع التي تسمح لنا بأن نبدأ قياس أداء رئيس الوزراء بمعيار بسيط: ماذا فعلت الحكومة فعلياً؟
والسؤال مهم لأن التعايشي لم يتسلم دولة مستقرة بمؤسسات مكتملة وموارد متاحة. لقد تولى المسؤولية في بلد تمزقه الحرب، وتشرد فيه الملايين، وتعرضت مؤسساته واقتصاده وخدماته الأساسية لدمار واسع.
لكن صعوبة الظروف لا ينبغي أن تصبح مبرراً دائماً لتعطيل الأداء. فالحكومة، في نهاية الأمر، لا تُقاس بحجم التحديات التي تصفها، وإنما بقدرتها على التعامل معها.
ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي النظر إلى تجربة التعايشي حتى الآن.
من التحالف السياسي إلى جهاز تنفيذي
كان الاختبار الأول تنظيمياً.
تحالف تأسيس جمع قوى سياسية ومدنية وعسكرية واجتماعية حول مشروع سياسي جديد. لكن الانتقال من التحالف إلى الحكومة ليس تغييراً في الاسم، بل انتقال من التوافق السياسي إلى المسؤولية التنفيذية.
وقد بدأ التعايشي هذه العملية.
جرى تنظيم عدد من الوزارات وتحديد مسؤولياتها، وتعيين قيادات تنفيذية وإدارية، وبدأت أجهزة تشمل العدل، والمالية والتخطيط الاقتصادي، والحكم اللامركزي، والثروة الحيوانية والسمكية، والنقل، والتنمية العمرانية، والتنمية الاجتماعية والإعلام وغيرها تأخذ شكلاً تنفيذياً أكثر وضوحاً.
ولا ينبغي أن نخلط بين التعيين والإنجاز. فوجود الوزير لا يعني بالضرورة وجود وزارة فاعلة.
لكن البداية الصحيحة هي أن تصبح المسؤولية محددة: من المسؤول؟ وعن ماذا؟ وماذا أنجز؟
وهنا يمكن تسجيل نقطة إيجابية لرئيس الوزراء: بدأت الحكومة تتحول من تكوين سياسي إلى جهاز تنفيذي يمكن مساءلته عن الأداء.
وهذا البناء لم يكتمل بعد. لكن الاتجاه واضح، والمطلوب الآن تسريعه وربط كل وزارة بنتائج يمكن قياسها.
الشهادة السودانية: عندما تصبح الحكومة شيئاً يلمسه المواطن
لعل تجربة امتحانات الشهادة السودانية من أوضح الاختبارات العملية حتى الآن.
الحرب لم تدمر المباني والاقتصاد وحدهما؛ لقد سرقت سنوات من أعمار الطلاب أيضاً. وكان الخطر أن يصبح جيل كامل ضحية للانتظار.
إقامة امتحانات في ظروف الحرب ليست قراراً إدارياً بسيطاً. فهي تحتاج إلى تسجيل الطلاب، وتجهيز المراكز، وإعداد أوراق الامتحان وتأمينها ونقلها، وتوفير المعلمين والمراقبين، ثم جمع الأوراق وتصحيحها وإعلان النتائج.
وقد جرت الامتحانات.
وهنا تتحول الحكومة من مفهوم سياسي إلى شيء يراه المواطن ويلمس أثره.
بالنسبة للطالب، الدولة ليست بياناً دستورياً. الدولة هي أن يجد مركز الامتحان مفتوحاً، وأن تصل إليه ورقة الامتحان، وأن يجد معلماً ومراقباً، وأن تظهر نتيجته، وأن يبقى أمامه طريق إلى الجامعة والعمل والمستقبل.
قد تبدو هذه أموراً عادية في دولة مستقرة. لكنها في السودان الذي مزقته الحرب إنجاز حقيقي، لأن إعادة الحياة العادية أصبحت في ذاتها عملاً استثنائياً.
ويبقى على الحكومة أن تكمل المهمة، بحيث لا تنتهي العملية بإعلان النتيجة، وإنما تمتد إلى الشهادة والقبول الجامعي واستمرار المسار التعليمي للطلاب.
لقاء نيالا وبرنامج الغذاء العالمي: الامتحان يبدأ بعد الاجتماع
المؤشر الثالث هو الانفتاح المباشر على العمل الإنساني، ومن ذلك اللقاء رفيع المستوى في نيالا مع قيادة برنامج الغذاء العالمي.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
الاجتماع في حد ذاته ليس الإنجاز. الإنجاز هو ما يأتي بعده.
السودان يعيش كارثة إنسانية، والملايين يحتاجون إلى الغذاء والدواء والمأوى والحماية. ولذلك فإن قدرة الحكومة على التعامل العملي مع المؤسسات الإنسانية الدولية جزء أساسي من مسؤوليتها.
والمعيار ليس عدد الاجتماعات ولا الصور ولا البيانات.
هل أصبحت حركة المساعدات أسهل؟ هل انخفضت العوائق الإدارية؟ هل أصبحت الطرق والممرات أكثر أمناً؟ هل يستطيع العاملون في المجال الإنساني الوصول إلى المحتاجين؟ هل يصل الغذاء إلى الجائع والدواء إلى المريض؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يطلب التعايشي نفسه أن نحاسبه عليها.
والمبدأ هنا لا يحتاج إلى تعقيد: المساعدات الإنسانية حق للمحتاجين، وليست أداة للمساومة السياسية.
إذا استطاع رئيس الوزراء تحويل الانفتاح الحالي إلى تعاون إنساني مستمر ونتائج ملموسة على الأرض، فسوف يصبح ذلك واحداً من أهم إنجازات حكومته.
ملامح طريقة في الحكم
عندما نجمع هذه الوقائع، تبدأ في الظهور ملامح أسلوب في إدارة الحكومة:
تنظيم الجهاز التنفيذي، تحديد المسؤوليات، إعادة تشغيل المؤسسات، التعامل مع الشركاء القادرين على المساعدة، ثم الانتقال إلى الإنجاز.
وهذا أهم، في تقديري، من كثرة الخطب.
فالسودان عانى طويلاً من دولة امتلكت سلطة سياسية كبيرة ومؤسسات ضعيفة. ولا معنى للسودان الجديد إذا أعدنا إنتاج المعادلة نفسها بأسماء جديدة.
ومن هنا تقع على التعايشي مسؤولية أكبر: أن يجعل منصب رئيس الوزراء مركزاً لتنسيق الأداء ومتابعة التنفيذ، لا مجرد أعلى منصب في الجهاز التنفيذي.
والبدايات تشير إلى أنه يتحرك في هذا الاتجاه.
المرحلة القادمة أصعب
البداية الجيدة ترفع سقف التوقعات.
والمرحلة القادمة يجب أن تنتقل من تكوين الحكومة إلى أداء الحكومة.
الزراعة والثروة الحيوانية ستكونان اختباراً مهماً. هل يحصل المزارع على التقاوي والمدخلات؟ هل تعود الأسواق؟ هل يحصل الرعاة على المياه والخدمات البيطرية؟ هل تُفتح مسارات الحركة والتجارة؟ وهل يعود الإنتاج ليسهم في تقليل الجوع وإعادة بناء الاقتصاد؟
الصحة والتعليم يجب أن ينتقلا تدريجياً من إدارة الطوارئ إلى بناء أنظمة تعمل بصورة منتظمة.
والحكم اللامركزي يجب ألا يبقى نصاً دستورياً أو شعاراً سياسياً. ينبغي أن يشعر المواطن في الولاية والمحلية بأن القرار والخدمة والموارد أصبحت أقرب إليه.
أما الوزراء، فيجب أن ينتقل تقييمهم من السؤال: من عُيّن؟ إلى السؤال الأهم: ماذا أنجز؟
وهنا سيكون دور رئيس الوزراء حاسماً.
الإنجاز لا يلغي المحاسبة
الإقرار بأن التعايشي بدأ بداية جيدة لا يعني إعفاء حكومته من النقد.
بل العكس.
كلما ارتفعت الثقة، ارتفع معها معيار المحاسبة.
يجب توثيق النجاح، والاعتراف بالفشل، وتصحيح الخطأ. ومن ينجح من المسؤولين ينبغي دعمه، ومن يعجز بصورة متكررة عن أداء مسؤوليته ينبغي مساءلته.
فالسودان الجديد لا يمكن أن يختلف عن القديم في الشعارات فقط.
يجب أن يختلف في طريقة ممارسة السلطة.
بداية جيدة… والآن إلى المزيد
الأدلة المتاحة حتى الآن تسمح بحكم واضح:
محمد حسن التعايشي بدأ بداية جيدة في رئاسة الوزراء.
بدأ في تنظيم الجهاز التنفيذي.
وقدمت تجربة الشهادة السودانية دليلاً عملياً على قدرة الحكومة على إنجاز مهمة عامة معقدة في ظروف الحرب.
وبدأ انفتاحاً مهماً على المؤسسات الإنسانية، وسيكون الحكم عليه في هذا المجال بما ينتج عن ذلك من وصول فعلي للمساعدات إلى المواطنين.
هذه ليست نهاية التقييم. إنها بدايته.
لكن لا ينبغي أيضاً التقليل من قيمة ما تحقق لمجرد أن الطريق لا يزال طويلاً.
المطلوب الآن ليس إثبات أن الحكومة تستطيع أن تبدأ. لقد بدأت.
المطلوب هو أن تتسع دائرة الإنجاز، وأن تصبح أسرع وأكثر انتظاماً: مؤسسات أكثر فاعلية، تعليم أفضل، وصول إنساني أوسع، إنتاج زراعي وحيواني أكبر، خدمات صحية ومحلية أفضل، وحكومة أكثر قدرة على محاسبة نفسها.
الثقة في الحكومة لا تُبنى بالوعود وحدها. إنها تتراكم عندما يرى المواطن أن شيئاً تغير في حياته.
لقد بدأ التعايشي بداية جيدة، وهذا يجب أن يقال بوضوح. والتحدي الآن أن يحول هذه البداية إلى ثقافة حكم تقوم على الكفاءة والمسؤولية والإنجاز.
وعندما تصبح هذه الثقافة ممارسة يومية، لن نحتاج إلى كثير من الحديث عن نجاح الحكومة.
سيكون الإنجاز نفسه هو الذي يتحدث.
د. أحمد التجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)
روما — سبتمبر 2026
تأسيس — سبتمبر 2026




هههههههههههههههههههه
يادكتور هل تعلم ان وزير التعليم فى حكومة تأسيس ارسل ابنته الى الدامر احدى عواصم دولة 56 لتجلس لامتحان الشهادة السودانية.
ضحكت لان شر البلية مايضحك. والبلية ان هنالك دكتور يعتقد ان تاسيس حكومة حقيقية.
وانت الا تعلم ايها الكوز الرطل ان هناك عشرات الالاف من عوائل و ابناء وبنات كيزان 56 موجودين في مناطق تأسيس وان هناك المئات منهم ممن جلسوا لإمتحانات تأسيس وهناك المئات ممن يدرسون في مدارسها؟