مقالات وآراء

هل يستفيد الانسان من اكتشاف غريب في الخفافيش؟.. سر طول العمر

د. عوض النقر بابكر محمد

تعيش بعض الخفافيش سنوات طويلة على نحو يثير دهشة العلماء، رغم صغر حجمها وارتفاع معدلات الأيض لديها أثناء الطيران. والآن تكشف دراسة جينية جديدة عن صلة بين طول عمرها وقدرتها على مقاومة السرطان والفيروسات، في اكتشاف قد يمنح الباحثين خيوطًا جديدة لفهم الشيخوخة لدى الإنسان.

لطالما بدت الخفافيش استثناءً غريبًا في عالم الثدييات.

فهي صغيرة الحجم، تطير لمسافات طويلة، وتستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، ومع ذلك تستطيع بعض أنواعها العيش لعقود، بينما تعيش ثدييات أخرى من الحجم نفسه سنوات قليلة فقط.

والأكثر إثارة أن الخفافيش طويلة العمر لا يبدو أنها تدفع ثمن هذه الحياة الطويلة بزيادة واضحة في الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتقدم في السن.

وهذه المفارقة دفعت فريقًا من الباحثين إلى البحث في جينومات أنواع مختلفة من الخفافيش، لمعرفة ما إذا كانت هناك تغييرات جينية ساعدتها عبر ملايين السنين على الجمع بين طول العمر ومقاومة الأمراض.

جينات تتعلق بالعمر والسرطان والمناعة

في الدراسة المنشورة في مجلة نيتشر، قارن الباحثون الخصائص الجينية لعدد من أنواع الخفافيش، مع التركيز على الأنواع التي تتمتع بعمر طويل بشكل استثنائي.

ووجدوا أن التطور المتكرر لطول العمر لدى الخفافيش ارتبط بانتقاء إيجابي في مسارات جينية مرتبطة بالسرطان، إلى جانب تغيرات مرتبطة بالمناعة والاستجابة للفيروسات. (

وتشير النتائج إلى أن قدرة الخفافيش على العيش طويلًا قد لا تكون مرتبطة بعامل واحد، وإنما بمجموعة من التكيفات التي تعمل معًا داخل الجسم.

وهذا مهم لأن تلف الخلايا وتراكم الطفرات وضعف جهاز المناعة كلها عمليات ترتبط بالشيخوخة لدى الثدييات.

كيف تفلت الخفافيش من السرطان؟

يُعد السرطان أحد أكبر الألغاز المرتبطة بطول العمر.

فمن المفترض، بصورة مبسطة، أن زيادة عمر الكائن الحي تمنحه وقتًا أطول لتراكم الأضرار والطفرات في خلاياه، وهو ما قد يزيد خطر الإصابة بالأورام.

لكن الخفافيش تقدم مفارقة لافتة: بعض أنواعها طويلة العمر بصورة استثنائية مقارنة بحجم أجسامها، ومع ذلك يبدو أنها طورت آليات تساعدها على مقاومة الأمراض المرتبطة بالعمر.

وتشير الدراسة الجديدة إلى أن مسارات مرتبطة بمقاومة السرطان تعرضت لضغوط تطورية لدى الخفافيش طويلة العمر، وهو ما قد يساعد في تفسير قدرتها على الحفاظ على سلامة الخلايا لفترات طويلة.

ولا يعني ذلك أن الخفافيش «محصنة» ضد السرطان، وإنما أن تاريخها التطوري قد يحتوي على حلول بيولوجية تستحق الدراسة.

المناعة.. السلاح ذو الحدين

 

المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا صلة بين الجينات المرتبطة بطول العمر والجينات المشاركة في الاستجابة للفيروسات.

فالخفافيش معروفة بقدرتها غير المعتادة على التعامل مع عدد من الفيروسات دون أن تظهر عليها بالضرورة التأثيرات المرضية نفسها التي يمكن أن تظهر لدى حيوانات أخرى.

ويرى الباحثون فى جامعة ولاية بنسلفانيا أن هذه القدرة ربما ساهمت في تشكيل جهاز مناعي مختلف، يسمح بالاستجابة للعدوى مع الحد من بعض الأضرار التي يمكن أن يسببها الالتهاب المستمر.

وهنا تظهر واحدة من أكثر الأفكار إثارة في الدراسة: قد تكون آليات مقاومة العدوى ومقاومة الشيخوخة مرتبطة ببعضها أكثر مما كان يُعتقد.

لماذا يهم هذا الإنسان؟

لا يعني اكتشاف هذه الآليات أن الإنسان سيتمكن قريبًا من العيش لعقود إضافية، لكن فهم الطريقة التي تتعامل بها الخفافيش مع تلف الخلايا والالتهابات والفيروسات قد يساعد العلماء على تحديد مسارات بيولوجية جديدة تستحق البحث.

ويأمل الباحثون أن تساهم هذه المعرفة مستقبلًا في فهم أفضل للأمراض المرتبطة بالشيخوخة، وربما تطوير استراتيجيات تساعد على الحفاظ على صحة الإنسان لفترة أطول.

لكن الطريق بين اكتشاف جين أو مسار بيولوجي لدى حيوان وبين استخدامه في علاج البشر طويل جدًا، ما لم يتدخل الذكاء الاصطناعى الذى يختصر المسافات ويقرب البعيد!!!

الجينات التي تمنح الخفافيش مزايا معينة تطورت ضمن منظومة بيولوجية كاملة، وليس من السهل نقل هذه الخصائص إلى الإنسان بمجرد تعديل جين واحد.

الخفافيش كـ”مختبر طبيعي”

ما يجعل الخفافيش مثيرة للعلماء ليس مجرد قدرتها على الطيران.

فهي تقدم نموذجًا طبيعيًا نادرًا لدراسة سؤال طالما شغل علماء الأحياء: كيف يمكن لحيوان صغير أن يعيش طويلًا ويحافظ على صحته في الوقت نفسه؟

ويقول باحثون إن الخفافيش طورت خلال تاريخها التطوري وسائل تمكنها من العيش طويلًا دون الإصابة بالعديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن، وهو ما يجعلها نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين المناعة والشيخوخة.

وبدلًا من دراسة المرض والشيخوخة كل منهما بمعزل عن الآخر، قد تساعد الخفافيش العلماء على فهم كيفية ارتباط العمليتين داخل الجسم.

هل اقتربنا من إطالة عمر الإنسان؟

ربما تكون هذه هي أكثر الأسئلة إثارة بعد الإعلان عن النتائج، لكن الإجابة العلمية حتى الآن هي: ليس بعد.

الدراسة لا تقدم دواءً جديدًا، ولا تثبت إمكانية نقل جينات الخفافيش إلى البشر لإطالة العمر.

ما تقدمه هو شيء أكثر تواضعًا، لكنه مهم: دليل جديد على أن التطور الطبيعي وجد لدى بعض الخفافيش طرقًا للجمع بين مقاومة الأمراض وطول العمر، وأن هذه الطرق يمكن دراستها على المستوى الجيني.

وقد تكشف الدراسات المستقبلية كيف تعمل هذه الآليات داخل الخلايا، وما إذا كان بعضها يمكن أن يقود إلى أهداف علاجية جديدة.

من الكهوف إلى المختبرات

 

قد تبدو الخفافيش للوهلة الأولى بعيدة تمامًا عن مشكلات الإنسان اليومية.

لكن حيوانًا صغيرًا يختبئ في الكهوف ويطير ليلًا قد يحمل إجابات عن بعض الأسئلة الأكثر تعقيدًا في الطب الحديث: لماذا تشيخ الخلايا؟ لماذا يصاب الإنسان بالسرطان؟ ولماذا تضعف المناعة مع تقدم العمر؟

ولهذا ينظر العلماء إلى جينومات الخفافيش باعتبارها نافذة على حلول طورتها الطبيعة بنفسها خلال ملايين السنين.

وربما لا يكون السر في أن الخفافيش تعيش طويلًا فحسب، بل في أنها تعلمت كيف تعيش طويلًا دون أن تدفع الثمن الصحي نفسه الذي تدفعه معظم الثدييات.

وهذا بالضبط ما يجعل هذا الحيوان الغريب واحدًا من أكثر النماذج إثارة للاهتمام في أبحاث الشيخوخة والسرطان والمناعة(مجلة نيتشر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..