حين يتحول الجنيه السوداني إلى رماد، وطريق النجاة الوحيد يمر عبر بوابة “لا للحرب.. نعم للسلام”

محمد صالح محمد
في مشهد اقتصادي وإنساني قاصٍ لم يشهده السودان من قبل، يواصل الجنيه السوداني سقوطه المروع في قاع السحيق، مسجلاً مستويات غير مسبوقة من التدهور أمام العملات الأجنبية.
هذا الانهيار المالي ليس مجرد أرقام صماء تتداولها شاشات البنوك والسوق الموازية، بل هو زلزال يومي مدمر يهز أركان “اقتصاد المواطن”، ليقذف بملايين الأسر السودانية تحت خط الفقر المدقع.
وبينما تلتهم نيران الصراع المسلح ما تبقى من البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، يبرز جلياً أن الأزمة الاقتصادية والسياسية هما وجهان لعملة واحدة، وأن مفتاح الحل الأوحد يكمن في الشعار الوطني الجامع: “لا للحرب.. نعم للسلام”.
شلالات الانهيار: استنزاف العملة وغياب الملاذات الآمنة
لم يعد انهيار الجنيه السوداني مجرد تضخم تقليدي، بل هو تآكل كامل للقوة الشرائية جعل العملة الوطنية تفقد قيمتها كمستودع للقيمة أو وسيط مقبول للتبادل.
تلاشي الاحتياطي النقدي: أدى توقف الصادرات الرئيسية (كالذهب والسمسم والأعلاف) بالطريق الرسمية إلى جانب شلل القطاع المصرفي، إلى تجفيف منابع النقد الأجنبي بالكامل.
هيمنة السوق الموازية: غياب السياسات النقدية الفاعلة ترك الحبل على الغارب للمضاربات العشوائية، مما جعل سعر الصرف حلزونياً يفوق قدرة أي تدخل إسعافي تقليدي.
شلل الجهاز الإنتاجي: تحولت الأراضي الزراعية والمناطق الصناعية في الخرطوم وولايات النزاع إلى ساحات حرب، فارتفعت تكلفة الإنتاج إلى مستويات مستحيلة.
اقتصاد المواطن: سحق الطبقة الوسطى وانعدام الأمن الغذائي
إن الضحية الحقيقية لهذه الحرب العبثية هي المواطن السوداني البسيط الذي بات يواجه معركة ضارية من أجل البقاء اليومي.
تضخم الغذاء والدواء: قفزت أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية المنقذة للحياة بنصائب فلكية تفوق قدرة الدخول المنهكة، إن وجدت.
انهيار الخدمات الأساسية: أدى شح السيولة وانقطاع الإيرادات العامة إلى عجز الدولة عن الرواتب، مما أدخل ملايين الموظفين والمتقاعدين في دائرة العوز المطلق.
شبح المجاعة: تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من تفشي المجاعة وسوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء تعكس أبعاد الكارثة الإنسانية لاقتصاد بلا دولة.
الجدوى السياسية للحل: لا للحرب.. نعم للسلام كطوق نجاة وطني
يؤكد العقل السياسي والاقتصادي أن أي محاولات لإصلاح الاقتصاد السوداني بمعزل عن وقف الحرب هي “حرث في البحر”.
إن استمرار الاقتتال يعني مزيداً من تدمير رأس المال البشري والمادي.
إيقاف النزيف المالي: توقف المعارك سيتيح فوراً إعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج بدلاً من التسليح والدمار.
عودة الإنتاج والنازحين: إحلال السلام يفتح الباب لعودة المزارعين إلى حقولهم والعمال إلى مصانعهم، مما يحيي شرايين الاقتصاد الحقيقي.
استعادة الدعم الدولي: السلام هو البوابة الملكية لفك العزلة الاقتصادية وعودة تدفقات المساعدات الدولية والاستثمارات الأجنبية المعطلة.
إن استمرار العناد السياسي واستمرار لغة السلاح يعنيان حتمياً شطب السودان من خريطة الاقتصاد العالمي وتحويل مواطنيه إلى لاجئين ونازحين في وطن غني بموارده.
إن طريق الإنقاذ واضح ولا يحتمل المراوغة؛ فالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لن يعود إلا حين ترتفع راية “لا للحرب.. نعم للسلام” فوق كل صوت، معلنةً بداية عهد جديد يضع كرامة المواطن السوداني وسلامة ترابه الوطني فوق كل اعتبار.



