مقالات وآراء

سودانير: من ريادة الطيران الأفريقي إلى مقبرة الطائرات

ابو علي كجر ابوعلي

النشأة: حلم ما بعد الحرب العالمية الثانية
تأسست الخطوط الجوية السودانية “سودانير” عام 1946 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لتكون من أوائل شركات الطيران التي عرفتها القارة الأفريقية والمنطقة العربية. جاء تأسيسها ثمرة شراكة بين إدارة السكك الحديدية السودانية وشركة Airwork البريطانية، في زمن كان فيه السودان لا يزال تحت الحكم الثنائي البريطاني – المصري. بدأت الشركة عملياتها بأربع طائرات صغيرة من طراز “دي هافلاند دوف” لا تتسع كل منها لأكثر من ثمانية ركاب، ونقلت في عامها الأول نحو 736 راكبًا وأقل من 600 كيلوغرام من البضائع، وهي أرقام متواضعة تعكس حجم البداية الفعلي لا حجم الطموح.
لم يمض وقت طويل حتى بدأ الأسطول يتوسع: تسع طائرات من طراز دوغلاس DC-3 عام 1952، ثم طائرات فوكر 27 في مطلع الستينيات لخدمة الخطوط الداخلية المزدهرة آنذاك، وصولًا إلى دخول طائرة “دي هافلاند كوميت” النفاثة إلى الخدمة، لتكون أول طائرة نفاثة تخدم عملاء الشركة على خطوط دولية مثل لندن والقاهرة. اتسعت الشبكة تدريجيًا لتشمل الظهران والبحرين وجدة وعدن وأسمرة وأديس أبابا ونيروبي وعنتيبي وأنجمينا والقاهرة وبيروت وأبو ظبي والدوحة والرياض وكانو وفرانكفورت. وفي عام 1965 انضمت سودانير إلى اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا)، لتترسخ كناقل وطني معترف به دوليًا يحمل شعار النسر رمزًا للارتقاء.
عقود من التوسع ثم بداية التراجع
لعقود، شكّلت سودانير حلقة الوصل الجوية بين السودان والعالم، وكانت محطة عبور مهمة بين أوروبا وأفريقيا والخليج. غير أن هذا الإرث العريق، الذي تجاوز عمره السبعين عامًا، بدأ يتآكل تدريجيًا مع مطلع الألفية الجديدة. تعددت الشهادات حول أسباب هذا التراجع، لكن القاسم المشترك بينها يتمثل في ثلاثة عوامل متشابكة: غياب الدعم الحكومي الكافي رغم تحول ملكية الشركة بالكامل إلى الدولة عام 2012، وتهالك الأسطول نتيجة تقادم الطائرات وضعف برامج الصيانة والاستبدال، وتراكم أزمات إدارية ومالية أضعفت قدرة الشركة على المنافسة أمام ناقلات إقليمية وخاصة ناشئة مثل مصر للطيران والإمارات وشركات سودانية خاصة كبدر للطيران وتاركو. ونتيجة هذه العوامل مجتمعة، كانت الشركة، حتى قبل اندلاع الحرب، تشغّل طائرة واحدة فقط من طراز إيرباص A320.
الحرب: الضربة القاضية
في الخامس عشر من أبريل 2023، اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكان مطار الخرطوم الدولي من أولى بؤر الاشتباك في يومها الأول. توقفت الملاحة الجوية في المطار بالكامل، وأُغلق المجال الجوي أمام الرحلات التجارية باستثناء عمليات الإجلاء والطيران الإنساني.
ووثّقت صور الأقمار الاصطناعية، التي حللتها جهات تحقق إخبارية بالاستناد إلى لقطات ممتدة من فبراير 2023 حتى أبريل 2025، دمارًا واسعًا لحق بمدرج المطار ومنشآته اللوجستية، وحرق وتدمير عشرات الطائرات المدنية والعسكرية الرابضة على أرضه، من بينها طائرات ركاب تابعة لسودانير وشركات خاصة أخرى، إضافة إلى طائرات نقل عسكرية. وأفادت مصادر في قطاع الطيران المدني بأن نحو 28 طائرة دُمّرت في مطار الخرطوم خلال الحرب، في مشهد وصفته تقارير صحفية بأنه حوّل المطار إلى ما يشبه “مقبرة طائرات”. ولم يستعد الجيش السوداني السيطرة الكاملة على المطار إلا بعد أكثر من عامين من اندلاع القتال، دون أن يُعلن حتى الآن عن موعد رسمي لاستئناف الرحلات التجارية المنتظمة.
أين تقف سودانير اليوم؟
خرجت سودانير من الحرب وهي تحمل إرث سبعة عقود من الخدمة، لكنها تواجه اليوم تحديًا وجوديًا يتجاوز مجرد إعادة تأهيل مطار أو تعويض طائرة. فإعادة بناء الناقل الوطني تستلزم، بحسب مختصين في القطاع، فصل الوظيفة التنظيمية عن التشغيلية داخل الشركة، وإعادة بناء الأسطول وفق برامج تمويل دولية، وإعادة تأهيل الهناقر والورش داخل مطار الخرطوم بمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، إلى جانب برنامج وطني شامل للسلامة الجوية بالتنسيق مع الهيئات الإقليمية والدولية.
يبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار وأهل الاختصاص في القطاع: هل تُدار عملية إعادة الإحياء هذه بوصفها مجرد ترميم لما تبقى من أسطول متهالك، أم بوصفها فرصة لإعادة تأسيس الناقل الوطني على أسس تنظيمية ومالية وفنية جديدة تليق بإرثه؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت سودانير ستعود يومًا لتحلّق من جديد، أم ستبقى اسمًا يُستحضر بالحنين إلى “أيام العز” التي ولّت.
رؤية شخصية: بعين مهندس عمل في القطاع
(الفقرة التالية تعبّر عن رأي شخصي لكاتب المقال، وليست جزءًا من السرد التاريخي أو الإخباري أعلاه)
بعد أكثر من ثلاثين عامًا قضيتها في هندسة صيانة الطائرات وإدارة الجودة داخل قطاع الطيران المدني السوداني، من عدة شركات إلى سودانير نفسها، أستطيع القول إن ما وصلت إليه الشركة لم يكن نتيجة الحرب وحدها، وإن كانت الحرب قد وضعت الخاتمة المأساوية للمشهد. تدهور سودانير بدأ من الداخل، من تراكم قرارات تشغيلية وإدارية لم تُبنَ على أساس هندسي وصيانة سليمة، ومن غياب استمرارية في برامج الصيانة الوقائية والاستثمار في قطع الغيار والتأهيل الفني، وهي أمور تُقاس بمعايير واضحة لا تحتمل الاجتهاد. طائرة واحدة تشغيلية من أسطول كان يضم عشرات الطائرات ليست مجرد رقم، بل مؤشر على انهيار تدريجي في منظومة الجدارة المستمرة للطيران (Continuing Airworthiness) امتد لسنوات قبل أبريل 2023.
أرى أن أي مسار لإعادة إحياء الناقل الوطني يجب أن يبدأ من إعادة بناء منظومة الصيانة والجودة والتدريب الفني قبل التفكير في شراء طائرات جديدة، لأن أسطولًا حديثًا بلا نظام صيانة وتوثيق سليم سيؤول إلى المصير نفسه خلال سنوات قليلة. كما أرى ضرورة الفصل الفعلي بين الهيئة العامة للطيران المدني كجهة تنظيمية رقابية وبين الشركة كجهة تشغيلية، لأن الخلط بين الدورين كان من أسباب ضعف الرقابة الفنية على مدى سنوات. هذه قناعة شخصية مبنية على تجربة ميدانية طويلة داخل الشركة، لا على دراسة رسمية منشورة، وأطرحها هنا كوجهة نظر مهني قضى عمره في هذا القطاع، لا كحقيقة موثقة.

ملاحظة للنشر: الأرقام والوقائع الواردة في هذا المقال مستقاة من مصادر مفتوحة (ويكيبيديا العربية، الجزيرة نت، سودان تربيون، سودافاكس، نبض الوطن) وتم التحقق منها عبر بحث مباشر بتاريخ 11 أغسطس 2026. يُنصح بمراجعة أي أرقام حساسة (كعدد الطائرات المدمرة، أو تواريخ محددة) مع مصدر رسمي من الهيئة السودانية للطيران المدني أو إدارة سودانير قبل النشر النهائي، نظرًا لتضارب بعض التفاصيل بين المصادر المتاحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..