
النقابات العمالية
أحاول أن أساهم معكم باعتباري نقابيًا وحرفيًا ينظر إلى تحليل الوضع الداخلي لمستقبل النقابات العمالية وأن أتلمس بعض الخُطى في ورقة العمل التي أعدها (جيل فيسار) من مكتب الأنشطة العمالية، فكلنا يعلم أن النقابات العمالية قامت من خلال التفاوض بشأن الأجور، وساعات العمل، والأمن الوظيفي، والمزايا الإضافية، بالإضافة إلى التأثير على الإنتاجية ومشاركة العمال (بتغيير تقريبًا كل جانب قابل للقياس من جوانب أماكن العمل والمؤسسات)، وتمثلت القوة المطلقة لهذه النقابات في التهديد بالإضراب أو الالتزام بساعات العمل فقط. فهل يمكن للنقابات أن يكون لها نفس التأثير عندما لا يصبح العمل منظمًا في شركات وأماكن عمل الكيانات القانونية والاجتماعية والمادية حيث يتفاعل العمال ويتبادلون التجارب المشتركة ويطالبون بالحقوق والعمل معًا؟
ويمثل ذلك مسألة جديدة على النقابات العمالية في ظل الاقتصادات الصناعية المتقدمة. وهذه مسألة قديمة بالنسبة لبلد مثل السودان، خصوصًا أن العمل غالبًا يكون في القطاع غير المنظم، وحتى القطاع المنظم غير ملتزم بمعايير التوظيف السليم ويكون فيه التوظيف بالاتفاق الشفاهي.
وهناك قضايا وجودية تواجه النقابات العمالية، وأيضًا هناك خطر يتعلق بالسوق العالمية حيث تقوم الشبكات الإلكترونية (الرسامون في السودان يعانون من شبكات بيع اللوحات في السوق الإلكتروني) بالمزايدة على قوانين العمل وقوانين الضمان الاجتماعي القائمة وإضافة بعد جديد إلى المناقصات التنازلية المتأصلة في سلاسل التوريد العالمية. إن الادعاء بأن وجود النقابات في خطر بعد قصة نجاح النقابات العمالية على مدى قرن كامل والتوسع في قوانين العمل يمكن أن يبدو أمرًا دراميًا بلا داعٍ. ولا زالت النقابات العمالية من أكبر المنظمات الطوعية في العالم. وقد تناول (جيل فيسار) الإحصاءات الواردة في هذه الورقة البحثية التي تغطي 150 دولة بحوالي 519 مليون عضوٍ عاملٍ في النقابات العمالية، أو 214 مليونًا إذ إنه استبعد الصين وعدداً قليلاً من الدول التي يوجد شك بشأن حرية العمال في الانضمام بمحض إرادتهم إلى النقابات العمالية. ويزعم الاتحاد الدولي لنقابات العمال (ITUC) أن هناك 207.5 مليون عضوٍ في 331 من الاتحادات الرئيسية الفرعية في 163 دولة وإقليم. وهي حركة لا يمكن اعتبارها حركة صغيرة أو أنها مشرفة على الانتهاء. لكن تتجه كافة التوجهات تقريبًا في النقابات لبعض الوقت إلى وجهة خاطئة «ولا يوجد دليل على ما إذا كان سيحدث تعافٍ من أزمة العمل النقابي أو سيتم الحفاظ على الوضع الراهن».
هناك أربعة سيناريوهات مستقبلية محتملة:
التهميش التدريجي للنقابات العمالية من خلال الاستمرار في التوجهات الحالية مع انخفاض معدلات إنشاء النقابات والانضمام لها فتصبح النقابات العمالية أقل أهمية وقوة في تشكيل أسواق العمل الناشئة الجديدة. ويمكن ترجمة ذلك على أنه نتيجة لعملية حثيثة لتحرير سوق العمل وتحرير رؤوس الأموال من اعتمادها على العمالة والدول الوطنية والالتزامات الدولية.
ازدواجية التمثيل والسياسات الخاصة بالنقابات. عوضًا عن حدوث تدهور تدريجي، ستقوم النقابات بالدفاع عن مركزها وتقاوم من منطلق قوتها الحالية (الشركات الكبيرة، والعمال المهرة والحرفيون في مجال الصناعة والترتيبات اللوجستية، والمتخصصون في القطاع العام والخدمات الاجتماعية). وفي ظل ظروف زيادة عدم الاستقرار في العمل، فإن هذا ينطوي على تمييز حاد بين الشركات النقابية وغير النقابية مع الحصول على حصة أقل للشركات النقابية.
الإحلال. تترك النقابات بصورة تدريجية المجال لأشكال أخرى من العمل والتمثيل الاجتماعي بناءً على التشريعات (ضمانات بحد أدنى للأجور وأجور المعيشة؛ ولجان للأجور، ومجالس العمل، ومجالس الإنتاجية، وهيئات تحكيم ومراجعة)، ومبادرات أصحاب العمل (مشاركة الموظفين والمدونات الأخلاقية والمشاركة ونماذج المشاركة)، ونماذج الأعمال (شركات قانونية ووكالات العمل الوسيطة واستشاريون) وأشكال عفوية وغير متصلة من العمل الاجتماعي والمجتمعي.
إحياء دور النقابات. ستتوصل النقابات إلى طريقة لتعزيز الممارسات الحالية لتجديد النقابات العمالية، وتغيير الاتجاه الحالي، وتنشيط النقابات، والتوسع للوصول إلى ما يتجاوز قاعدة العضوية الحالية، والنجاح في تنظيم أجزاء من «القوى العاملة الجديدة غير المستقرة» في الاقتصاد الرقمي.
هنالك أيضاً مشكلة الديون السيادية وأثرها على التكوينات النقابية سنتحدث عنها.
يتبع



