مقالات وآراء

أم قرون والكنداكة: المرأة بين البادية والدولة

ثمة خطأ فادح يقع فيه بعض المثقفين، وتحديدًا أولئك الذين اعتادوا النظر إلى السودان من علٍ، من نافذة العقل النخبوي الذي لا يرى في الوطن إلا ما يمر عبر قنواته الخاصة، في التعليم والإعلام والثقافة والسياسة.
هذا العقل، الذي يفترض أنه الأكثر انفتاحًا، قد يتحول أحيانًا إلى أكثر العقول انغلاقًا عندما يتعلق الأمر بثقافة الآخر.
والآخر في السودان ليس بالضرورة أجنبيًا.
قد يكون الآخر هو ابن البادية.
وقد يكون الراعي.
وقد تكون المرأة التي لم تدخل الجامعة، لكنها تحفظ من الذاكرة الشعبية ما تعجز عنه مكتبات كاملة.
ومن هنا تأتي حكاية «أم قرون».
فالمشكلة ليست في المصطلح وحده، وإنما في الطريقة التي أُعيد بها إنتاج المصطلح في سياق الحرب، ثم جرى تحميله دلالات سياسية واجتماعية وقبلية لم تكن بالضرورة جزءًا من معناه الثقافي الأصلي.
فجأة أصبحت «أم قرون» في بعض الخطابات عنوانًا لجغرافيا، ثم عنوانًا لمجتمعات، ثم مادة للتنمر والسخرية والوصم.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
كيف يتحول رمز ثقافي إلى تهمة؟
ومن يملك سلطة تحويل الذاكرة إلى إدانة؟
ومن يملك الحق في أن يقول لنا إن هذا الرمز جميل، وإن ذاك الرمز متخلف؟
أم قرون التي لا يعرفها المركز
بعيدًا عن ضجيج الحرب، وبعيدًا عن اللغة التي صنعتها منصات التواصل الاجتماعي، فإن «أم قرون» تنتمي إلى عالم ثقافي أوسع من اللحظة السياسية الراهنة.
إنها صورة من صور المرأة في الذاكرة البدوية، وهي ذاكرة لا تبدأ عند حدود البطانة ولا تنتهي عند حدود إدارية مرسومة على خريطة.
إنها جزء من عالم اجتماعي واسع عرف المرأة باعتبارها حاضرة في صناعة الوجدان، وفي الحكاية، وفي الشعر، وفي الحماس، وفي حفظ السيرة والذاكرة.
فالمرأة في البادية لم تكن مجرد ظل للرجل.
كانت شريكة في صناعة المعنى.
وكان صوتها حاضرًا في الدوبيت، وفي الحكاية، وفي المدح والهجاء، وفي تشكيل صورة الفارس والقبيلة والمجتمع.
ولذلك فإن قراءة «أم قرون» من خلال الصورة التي أنتجتها الحرب فقط هي قراءة مبتورة.
إنها تشبه أن تأخذ صفحة واحدة من كتاب، ثم تدّعي أنك قرأت الكتاب كله.
لكن أين الكنداكة؟
هنا يأتي السؤال الذي قد يبدو للبعض استفزازيًا:
لماذا أصبحت «الكنداكة» رمزًا وطنيًا واسع الانتشار، بينما ظلت «أم قرون» في الوعي العام أقل حضورًا، بل تحولت في بعض الخطابات إلى مادة للتنمر؟
لا يتعلق الأمر بأن الكنداكة لا تستحق مكانتها الرمزية.
بل على العكس.
الكنداكة جزء أصيل من التاريخ السوداني، وقد اكتسبت في العقود الأخيرة حضورًا واسعًا في الخطاب الثقافي والسياسي، خصوصًا في سياق الثورات السودانية.
لكن القضية ليست في الكنداكة.
القضية في الطريق الذي تسلكه الرموز حتى تصبح رموزًا وطنية.
هناك رموز تجد طريقها إلى الكتب.
إلى الصحف.
إلى الجامعات.
إلى شاشات التلفزيون.
إلى منصات التواصل الاجتماعي.
ثم تتحول، بالتدريج، إلى جزء من الصورة التي يقدمها السودان عن نفسه.
وهناك رموز أخرى تبقى محاصرة داخل بيئتها المحلية، لا لأنها أقل قيمة، وإنما لأنها لم تجد من يوثقها ويشرحها ويقدمها إلى المجال الوطني الأوسع.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
هل المشكلة في الرمز أم فيمن يملك أدوات إنتاج المعرفة؟
احتكار المعرفة أخطر من احتكار السلطة
لقد اعتدنا في السودان أن نتحدث عن احتكار السلطة، وعن المركز والهامش، وعن توزيع الثروة.
لكن هناك احتكارًا آخر لا يحظى بالقدر نفسه من النقاش:
احتكار إنتاج المعرفة.
فمن يملك المدرسة يملك جزءًا من تشكيل الوعي.
ومن يملك الإعلام يملك جزءًا من صناعة الصورة.
ومن يكتب التاريخ يملك قدرة كبيرة على تحديد من يظهر في الذاكرة ومن يغيب عنها.
وحين تكون أدوات التعليم والإعلام والتوثيق متركزة في بيئات اجتماعية محددة، يصبح من الطبيعي أن تعكس الذاكرة الوطنية بعض تجارب تلك البيئات بصورة أكبر من غيرها.
وهنا لا نتحدث عن مؤامرة.
ولا نحتاج إلى عقلية المؤامرة.
نتحدث عن بنية اجتماعية وثقافية أنتجت اختلالًا في الحضور.
فالذي لا يملك المنبر لا يعني أنه لا يملك الثقافة.
والذي لا يظهر في الإعلام لا يعني أنه بلا تاريخ.
والذي لم يدخل الجامعة لا يعني أنه بلا معرفة.
هناك معرفة تنتجها الكتب، وهناك معرفة تنتجها الحياة.
والبادية واحدة من أكبر خزائن المعرفة الحية في السودان.
أم قرون ليست نقيضًا للكنداكة
لهذا فإن وضع «أم قرون» في مواجهة «الكنداكة» خطأ آخر.
نحن لا نحتاج إلى معركة رموز.
ولا نحتاج إلى استبدال رمز برمز.
ولا نحتاج إلى أن نقول إن هذه المرأة أفضل من تلك.
السودان ليس في حاجة إلى تاج جديد.
السودان في حاجة إلى ذاكرة أوسع.
الكنداكة تمثل جزءًا من هذه الذاكرة.
وأم قرون تمثل جزءًا آخر.
وبينهما مساحات واسعة من الرموز النسائية التي صنعتها البيئات السودانية المختلفة.
إن المرأة السودانية ليست شخصية واحدة.
إنها نساء كثيرات، تشكلت صورهن بحسب البيئة والتاريخ ونمط الحياة.
امرأة المدينة ليست هي امرأة القرية.
وامرأة المزارع ليست هي امرأة الراعي.
وامرأة البادية ليست هي امرأة العاصمة.
لكن كل هؤلاء نساء سودانيات.
وهنا تكمن قيمة التنوع.
البادية لا تحتاج إلى شهادة من المركز
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن النظر إلى البادية باعتبارها مجتمعًا ينتظر من المركز أن يمنحه شهادة الاعتراف.
البادية لا تحتاج إلى أن يقول لها أحد إنها سودانية.
هي كانت موجودة قبل كثير من الخطابات التي حاولت تعريف السودان.
كانت تحمل اقتصادًا.
وثقافة.
وشعرًا.
وذاكرة.
ونظامًا اجتماعيًا.
ومعرفة بالبيئة والماء والمطر والمسارات.
وكانت المرأة فيها جزءًا من هذه المنظومة.
لكن المشكلة أن الدولة الحديثة لم تنجح دائمًا في تحويل هذه المعرفة المحلية إلى معرفة وطنية معترف بها.
ولهذا ظلت البادية، في كثير من الأحيان، حاضرة في الاقتصاد وغائبة في صناعة الصورة.
حاضرة في الجغرافيا وغائبة في المناهج.
حاضرة في التاريخ الشفهي وغائبة عن كتب التاريخ.
حاضرة في السودان الحقيقي، وغائبة عن بعض الصور التي يقدمها السودان عن نفسه.
وهذا هو التناقض الذي ينبغي أن نتوقف أمامه.
من يملك حق تعريف المرأة السودانية؟
حين نرفع «الكنداكة» إلى مقام الرمز الوطني، فإننا لا نرتكب خطأ.
لكننا نرتكب الخطأ عندما نعتقد أن الرمز الواحد يستطيع أن يختصر كل النساء.
وحين نستدعي «أم قرون»، فإننا لا نحاول منافسة الكنداكة.
نحن نحاول فقط أن نقول:
هناك سودان آخر يجب أن يظهر.
سودان البادية.
سودان المرأة التي لم تُكتب قصتها بما يكفي.
سودان الشعر الذي انتقل من فم إلى فم قبل أن يصل إلى الورق.
سودان الذاكرة التي لم تجد مؤسسة تحفظها.
وسودان الثقافات التي ظلت تُمارس أكثر مما تُدرس.
الحرب لا ينبغي أن تسرق منا ذاكرتنا
ربما تكون أخطر نتائج الحرب أنها لا تقتل الإنسان وحده.
إنها تشوه المعاني أيضًا.
وقد تجعل الرمز الثقافي سلاحًا.
وتجعل الزي تهمة.
واللهجة تهمة.
والجغرافيا تهمة.
والقبيلة تهمة.
والتراث نفسه تهمة.
وهنا تقع مسؤولية المثقف.
فوظيفة المثقف ليست أن يكرر خطاب الحرب، وإنما أن يفكك خطاب الحرب.
ليس أن يسخر من رمز لأن خصومه السياسيين يستخدمونه.
وليس أن يرفع رمزًا آخر ليحاكم به مجتمعًا كاملًا.
بل أن يسأل:
كيف وصلنا إلى هنا؟
وكيف أصبح ما كان جزءًا من التنوع الثقافي مادة للاتهام؟
السودان ليس نسخة من المركز
السودان أكبر من الخرطوم.
وأكبر من النخب.
وأكبر من وسائل الإعلام.
وأكبر من الرموز التي نجحت في الوصول إلى المنصات.
السودان بلد متعدد البيئات والثقافات وطرائق العيش.
وفيه من التاريخ ما لم يُكتب.
ومن الشعر ما لم يُجمع.
ومن النساء ما لم تُروَ قصصهن.
ومن الرموز ما لم يجد طريقه إلى الوعي الوطني.
ولهذا فإن الاعتراف بـ«أم قرون» لا يعني الانتقاص من «الكنداكة».
والاحتفاء بالكنداكة لا ينبغي أن يعني إقصاء «أم قرون».
بل إن الجمع بينهما يفتح أمامنا سؤالًا أكبر:
هل نستطيع أن نبني وطنًا تتسع ذاكرته لكل أبنائه؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
فالوطن الذي لا يعترف إلا بالرموز التي تنتجها نخبه، سيظل وطنًا ناقص الذاكرة.
أما الوطن الذي يرى نفسه في تعدده، في البادية والمدينة، في المركز والهامش، في المرأة التي تحمل إرث الكنداكة والمرأة التي تحمل ذاكرة أم قرون، فهو وطن بدأ يتصالح مع نفسه.
أم قرون ليست ضد الكنداكة.
والبادية ليست ضد الدولة.
والثقافة الشعبية ليست ضد الثقافة الحديثة.
والريف ليس ضد المدينة.
كل هذه الثنائيات ليست إلا صناعة عقل يريد أن يقسم السودان إلى معسكرات.
أما السودان الحقيقي، فهو أكثر تعقيدًا وأجمل من ذلك.
إنه وطن تتجاور فيه الرموز، وتتعدد فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الذاكرات.
ولذلك فإن معركتنا اليوم ليست مع «أم قرون»، ولا مع «الكنداكة».
معركتنا الحقيقية مع اختزال السودان.
ومع كل محاولة لجعل ثقافة واحدة معيارًا للسودانية.
فالسودان لا يحتاج إلى رمز واحد.
السودان يحتاج إلى أن يرى كل رموزه.
وعندما يرى البادية نفسها في مرآة الوطن، وترى المدينة نفسها في مرآة البادية، ربما نكون قد بدأنا أخيرًا في بناء السودان الذي لم تستطع الحرب أن تهدم فكرته.
فالوطن لا يصبح واحدًا حين تتشابه رموزه، وإنما حين يعترف بتعددها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..