الطبيبة السعودية بكت حالنا

تأمُلات
كمال الهِدَي
لفت نظري الفيديو الذي اغرورقت فيه عينا الاختصاصية السعودية دينا الحديدي بالدموع، بعد زيارتها بورتسودان ضمن فريق إغاثة سعودي، وإجرائها عدداً من العمليات الجراحية لسودانيين، من بينهم سيدة ظلت تعاني من تورم الغدة الدرقية لأربعين عاماً.
تداول كثيرون الفيديو باعتباره لحظة فرح لطبيبة إنسانة، أسعدها أنها استطاعت تخفيف آلام بعض المرضى السودانيين المعوزين. وهذا تفسير مفهوم، لكنه، في رأيي، ليس كل الحكاية.
فدينا قالت، وعيناها تملؤهما الدموع: “يفرحون بأقل شيء تقدمه لهم من نظافة وتعقيم…”
هذه الجملة وحدها كافية لأن تجعلنا، كسودانيين، نبكي حالنا، وأن نحول مساحة هذا الوطن الكبير إلى صيوان عزاء.
فالطبيب قد يبكي فرحاً بإنقاذ حياة أو بإجراء عملية ناجحة، لكن أن تبكي طبيبة لأنها رأت مرضى يفرحون بأبسط مقومات الرعاية الصحية، فهنا تصبح المسألة أكبر من عملية جراحية وأبعد من لحظة إنسانية عابرة.
كيف وصل بنا الحال إلى أن يفرح المريض السوداني لمجرد أن يجد مستشفى نظيفاً وغرفة عمليات معقمة؟
أي بلد هذا الذي تصبح فيه النظافة والتعقيم ــ وهما من أبسط شروط العمل الطبي ــ إنجازاً يستحق أن تبكي من أجله طبيبة جاءت من خارجه؟
إنها ليست لحظة تستحق أن نشكر فيها الآخرين فقط، رغم أن الشكر واجب ومستحق. إنها لحظة تستحق أن نسأل فيها أنفسنا: ماذا فعلنا بوطننا؟
عندما تبكي طبيبة سعودية خيرة أمام ما رأته في مستشفيات السودان، ليس فقط لأنها أنجزت عملاً إنسانياً، بل لأنها فوجئت بمستوى من التدهور لم تتوقع أن تراه في هذا العصر، فالأجدر بنا ألا نكتفي بمشاهدة الفيديو والتعليق عليه بعبارات الامتنان والإشادة.
الأجدر بنا في مثل هذا المقام أن نبكي نحن أيضاً.
ليس على ما قدمته الطبيبة، وإنما على ما عجزنا نحن عن تقديمه لوطننا.
نعلم جميعاً أن تجهيز المستشفيات وتوفير الخدمات الصحية مسؤولية الدولة. ونعلم أيضاً أن الدولة السودانية رفعت يدها عن كثير من مسؤولياتها الأساسية منذ عقود، وتركت المواطنين يعتمدون على أنفسهم وعلى الخيرين وأهالي المناطق لسد الفراغ.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الدولة.
فنحن أيضاً نشارك، بدرجات مختلفة، في تكريس هذا الواقع.
كيف؟ حين يتحول الإعلام إلى منصة للتطبيل وتجميل القبح ونفخ من لا يستحقون. وحين يتحمس بعض الأثرياء للإنفاق الباذخ على المطربين ولاعبي الكرة والاحتفاليات، بينما لا يجد مريض فقير من يدفع عنه تكلفة العلاج، ولا تجد مؤسسة صحية في منطقة ما من يمد لها يد العون.
وهنا لا بد أن نسأل بعض أثريائنا، بلا مواربة:
كيف تستطيعون إلقاء ملايين الجنيهات على رؤوس الفنانات في الحفلات، ولا تستطيعون تخصيص جزء من هذا المال لمستشفى في منطقتكم؟
كيف تقبلون أن تحدثنا طبيبة سعودية عن سيدة سودانية عانت أربعين عاماً من مرضها دون أن تجد من يعينها، بينما تُصرف الأموال بسخاء على أمور تنتهي بانتهاء الحفل؟
لو غنت إيمان الشريف أو فهيمة أو حتى ندى القلعة، رأينا بعض الأثرياء يتسابقون في الإنفاق والبذخ وإلقاء ملايين الجنيهات على رؤوسهن دون خجل. فلماذا لا نرى الحماس نفسه حين يتعلق الأمر ببناء مستشفى، أو تجهيز غرفة عمليات، أو شراء جهاز طبي، أو علاج مريض لا يملك ثمن علاجه؟
ألم يكن ذلك أشرف وأبقى؟
لا أقول إن على الأثرياء أن يتحملوا مسؤولية الدولة، ولا أن يحلوا محلها. الدولة مطالبة بأن تقوم بواجباتها، ولا يجوز تحويل العمل الخيري إلى بديل دائم عن مؤسسات الدولة.
لكن حين تنسحب الدولة من مسؤولياتها، يصبح السؤال الأخلاقي موجهاً أيضاً إلى المجتمع: ماذا فعل القادرون؟
وليس صحيحاً أن السودانيين جميعاً لم يفعلوا شيئاً.
أهلي في قرية الجوير، غرب شندي، مثال على ذلك. فقد تولى بعض ميسوريها وأهلها مسؤولية كثير من المرافق والخدمات منذ عقود وليس الآن فقط، ولذلك استطاعت القرية أن تصبح ملاذاً للكثيرين ممن أجبرتهم هذه الحرب اللعينة على النزوح من مناطقهم.
وهناك نماذج أخرى كثيرة في السودان لأهالٍ وخيرين حملوا مسؤوليات كان يفترض أن تقوم بها الدولة، وقدموا ما استطاعوا تقديمه.
لكن هذه النماذج المضيئة لا ينبغي أن تجعلنا نتوقف عن رؤية الصورة الأكبر.
فليس طبيعياً أن يصبح اعتماد الناس على المبادرات الأهلية والخيرية هو القاعدة، وأن تصبح الدولة الاستثناء.
وليس طبيعياً أيضاً أن يتسابق بعض الأثرياء في الإنفاق على الترفيه، بينما تموت مؤسسات صحية بسبب نقص أبسط الاحتياجات.
وليس طبيعياً أن تكون النظافة والتعقيم خبراً مفرحاً لمريض سوداني.
لذلك، ربما لم تكن دموع الطبيبة دينا الحديدي دموع فرح فقط.
ربما كانت دموع إنسانة رأت شيئاً لم تكن تتوقع أن تراه، ثم أدركت أن ما تعتبره هي أمراً بديهياً يمكن أن يكون بالنسبة لمريض سوداني حلماً.
هذه هي النقطة التي يجب أن تؤلمنا.
أن يأتي الآخرون ليقدموا لنا أبسط الأشياء، فنشكرهم ونصفق لهم، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث.
في كل مرة تصلنا فيها الإغاثات، نشكر من أرسلها. وفي كل مرة يأتي فريق طبي، نشكر أفراده. وهذا واجب وخلق كريم.
لكن متى سنسأل أنفسنا السؤال الأصعب؟
لماذا نحتاج دائماً إلى الآخرين كي نحصل على أبسط حقوقنا؟
ومتى سنتوقف عن الاكتفاء بالشكر، ونبدأ في محاسبة أنفسنا: مسؤولين وسياسيين ومفكرين وإعلاميين ومواطنين ورجال أعمال ومجتمعاً؟
فدموع الطبيبة السعودية لا ينبغي أن تكون مجرد فيديو آخر نتداوله ثم ننساه.
ينبغي أن تكون مرآة.
ومؤلمة جداً، تلك المرآة التي تجعل الآخرين يبكون حالنا، بينما نحن نتفرج، بل ونستهلك الكثير من المال والوقت والطاقة في أمورٍ تافهة.



