مقالات وآراء

الاورغواي تفضح لصوص جسر الحلفاية 

بقلم : حافظ حمودة
وسط الدخان وأنقاض المؤسسات المحترقة ، تنشط فئة منتفعة من الكيزان ، إذ جعلوا من الحرب موسم ذهبي للربح السريع والنهب المنظم . هؤلاء هم  أثرياء الحرب ، تلك الفئة حولت رمال الخراب إلى ذهبٍ مصفى تحت وطأة الفساد والصمت المؤسسي وانهيار الرقابة .
يُشير مفهوم ( أثرياء الحرب ) إلى تلك الشبكات من رجال الأعمال والسياسيين والمقاولين الذين يستغلون الفراغ المؤسسي لتحويل عقود الإغاثة وإعادة الإعمار إلى مغانم شخصية . هؤلاء يبنون إمبراطورياتهم المالية على أنقاض الدولة المنهارة . والأخطر من الثراء الحرام ذاته هو ما يخلفه من أثر أخلاقي عميق على المواطن الذي أدرك أن استعادة حياته تبدأ بسرقة ، فتتهاوى معه الثقة بكامل المنظومة التي تحكم .
 في الدول المستقرة ، تخضع كل مشروع لعين الفحص للمنافسات المفتوحة والمساءلة والإعلام المستقل ، لكن هذه الحرب التي أشعلها الكيزان تركزت حول نهب المال العام حيث أصبحت أجهزة الرقابة الموالية لهم مشلولة تماما ، فتجاوزوا كل إجراء قانوني فكانت النتيجة تضخيم تكاليف المشاريع إلى أضعاف قيمتها الحقيقية ، وتحويل عقود الصيانة إلى صفقات استثمارية مربحة لأطراف بعينها .
لنتأمل في هذه المقارنة الصارخة التي تكشف حجم الكارثة . في الأوروغواي ، أنفقت الحكومة ما بين عشرة ملايين إلي أحد عشر مليون دولار لبناء جسر  ( لا غوا غارزون ) الحديث ، وهو الجسر الدائري الوحيد في أمريكا الجنوبية . هذا المبلغ أنتج بنية هندسية متطورة بتصميم فريد ، واستخدام كميات محددة من الفولاذ والخرسانة والكابلات المخصصة ، وعوائد تنموية وسياحية واضحة للمجتمع المحلي . والأهم من ذلك كله التمويل كان واضحا ، والحسابات منشورة ، والرقابة فعّالة . في المقابل ، نجد أن صيانة جسر ( الحلفاية ) بلغت فاتورة الصيانة المقدمة ( أحد عشر مليون دولار ) ، هذا المبلغ الذي يُفترض أنه لترميم جسر قائم ، يضاهي تكلفة بناء جسر حديث بالكامل . هذه الفجو تفسَّر أن المنظومة الكيزانية برمتها فاسدة تستغل الفوضى التي صنعوها بحرب الإذلال . مما يزيد من ضرر اقتصاد الحرب فوق الخسارة المالية الفورية ، ليمتد إلي جوهر بناء الدولة .
 الكفاءات فرت هرباً من الجوع والعنف والتصنيف العنصري والجهوي ، وأصبح القطاع الخاص مرتبطا بعقود المحسوبية بعيدا عن المنافسة النزيهة ، وحين يستسلم المواطن للفساد كحتمية وجودية ، تتآكل الطبقة التي يقوم عليها أي مشروع وطني . وتصبح إعادة الإعمار في ظل هذه المنظومة هي إعادة تدوير للحرامية الذين لفظهم الشعب بثورته العظيمة  .
أخطر ما ينتجه اقتصاد الحرب بجانب الخسارة المالية هو تقويض فكرة الدولة ذاتها ، حيث صار المال العام خزينة مفتوحةً أمام شبكات النفعية ، وغياب المساءلة حيث تتشكل في أذهان الناس معادلة خطيرةً مفادها أن الدولة مصدر للسلب والنهب . وهذا الانهيار القيمي هو ما يجعل الخروج من دوامة الحرب أصعب من الدخول فيها . إن مواجهة الكيزان هي معركة وجودية لاستعادة فكرة العدالة والمساءلة ، ولإثبات أن الإنسان يستحق دولةً تحميه وتحرس مقدراته .
حافظ يوسف حمودة
10 فبراير 2026

‫4 تعليقات

  1. الشيء المحير حتى الآن لم يصدر بيان رسمي ليوضح حقيقة الأمور – على افتراض أن المشروع تم إرسائه وفقا للقانون – وأن المشروع تم ارسائه بعد طرح مناقصة علنية قابلت كل الشروط واللوائح القانونية والتنظيمية المنظمة لمثل هذه المشاريع. ولكن – وهذه لكن كبيرة على قول استاذنا الراحل د الكرسني – هل صيانة هذا الجسر أولوية في ظل هذه الظروف الحالية؟ وما الضمانات والحرب لم تنتهي بعد من أن تصيبه طائرة مسيرة سواء بطريقة مقصودة أو غير مقصودة؟ وهل صيانة الجسر أولوية في ظل امتلاء البيوت بالجثث المدفونة والألغام المدفونة في الشوارع وضعف النظام الصحي وعدم اكتمال شبكات الكهرباء والمياه؟

  2. عندك كبري الدباسين الذي اخذ سنوات تكفي لوصول الطفل الرضيع الى الجامعة
    الفساد دا من زمان يا زول ما في الحرب دي بس و قد نشر في الراكوبة ايام البشير مقالات عن الفساد في استيراد القمح و حصره احتكاريا على أسامة داود و تماساحان آخران مع ان هناك دولة مجاورة تحصر استيراد القمح في الحكومة فقط و بمناقصات عالمية للحصول على افضل جودة بأقل سعر , بينما ناسنا في السودان او الكيزان يفتحون الابواب للفساد و ضياع اموال الشعب المنكوب

  3. كان كده الرماد كال حماد ، وكأنك يا أب زيد ما غزيت ، يبخروا فيها وهي تفسي ، الناس في شنو والحسانية في شنو .. والفلاتية سلمى عبدالجبار صمتت دهراً ونطقت كفراً .. الشكوى لله بس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..