مصر تترقب تصاعد الصراع غربي السودان وتداعياته على أمنها القومي

قالت مصادر مطلعة على السياسة المصرية إن انخراط القاهرة في الملف السوداني ينم عن حسابات استراتيجية عميقة، وليس مجرد قلق عابر من التطورات الميدانية. فالتصعيد في دارفور وسيطرة “الدعم السريع” على مناطق حيوية يمثلان تحدياً مباشراً لرهان مصر طويل الأمد على المؤسسة العسكرية السودانية كضامن وحيد للاستقرار على حدودها الجنوبية. إن رفض القاهرة القاطع لتشكيل “الدعم السريع” حكومة موازية في نيالا لا ينبع فقط من حرصها على وحدة السودان، بل من رفضها المطلق لصعود قوة شبه عسكرية على أنقاض جيش وطني، وهو السيناريو الذي عملت السياسة المصرية على تجنبه لعقود، حتى لو أدى ذلك إلى دعم أنظمة استبدادية وتقويض التحولات الديمقراطية.
وتحولت مدينة الفاشر، شمال دارفور، إلى بؤرة مأساة إنسانية بعد أكثر من 500 يوم من الحصار، حيث قُطع الطريق أمام وصول المساعدات، وسط اتهامات للأطراف المتصارعة باستخدام التجويع سلاح حرب. وحذرت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة من أن أكثر من ربع مليون مدني محاصرون داخل المدينة، بينهم آلاف الأطفال المهددين بالمجاعة والأوبئة.
وفي موازاة الحرب، ضرب انهيار أرضي قرى في جبال مرة (ولاية وسط دارفور) أواخر أغسطس/آب الماضي، وأدى إلى مقتل المئات وتشريد الآلاف، ما كشف هشاشة الأوضاع الإنسانية وغياب أي قدرة محلية على التعامل مع الكوارث الطبيعية في مناطق النزاع.
إن إعلان قوات الدعم السريع تشكيل إدارة سياسية من نيالا هو نتيجة مباشرة للفراغ السياسي الذي ساهمت سياسات القاهرة في خلقه، عبر دعمها لانقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالشراكة المدنية العسكرية. وبينما تؤكد مصر رفضها “أي ترتيبات موازية خارج إطار الدولة السودانية”، فإن تعريفها لـ”الدولة” ظل منحصراً في المؤسسة العسكرية. لذا، لا تواجه القاهرة “معادلة صعبة”، بل تواجه عواقب خيارها الاستراتيجي الواضح بمساواة “وحدة السودان” ببقاء حليفها العسكري في السلطة، مما يجعل مواجهة تمدد “الدعم السريع” هي الوسيلة لتحقيق هذه الرؤية.
وجاء أخطر التطورات على الأمن القومي المصري مع إعلان “الدعم السريع” السيطرة على المثلث الحدودي الذي يربط السودان بمصر وليبيا. هذه المنطقة الوعرة تعد شرياناً قديماً لطرق التهريب وتجارة السلاح والذهب والبشر، وتحوّلها إلى ساحة نفوذ لفصيل مسلح يجسد المخاوف التي أدت سياسات القاهرة المناهضة للديمقراطية إلى تفاقمها. فمن خلال المساهمة في إجهاض الانتقال المدني، ساعدت مصر في تهيئة الظروف التي سمحت لميليشيا بالتحول إلى قوة تهدد الأمن الإقليمي بشكل مباشر.
وفي الجانب الإنساني، وبينما تستضيف مصر بالفعل أكبر عدد من اللاجئين السودانيين، فإن هذا الدور الإنساني تشوبه تحديات متزايدة، حيث يواجه اللاجئون قيوداً مشددة على الإقامة والعمل، ومخاطر الترحيل القسري، مما يعكس الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها القاهرة.
مصر مع وحدة السودان
على الصعيد السياسي، يتناقض الادعاء المصري بالتمسك بدور “الوسيط الداعم لوحدة السودان” مع انحيازها السياسي والعسكري الموثق للقوات المسلحة السودانية. هذا الموقف أفرغ أي مبادرة وساطة من مصداقيتها لدى القوى المدنية السودانية وأحد طرفي النزاع، وحول القاهرة من وسيط محتمل إلى طرف في الصراع. فبينما تُتهم أطراف إقليمية بتسليح “الدعم السريع”، تشير تقارير متعددة إلى أن مصر قدمت دعماً لوجستياً وعسكرياً للجيش، مما يعمق المخاوف من تحول الصراع إلى حرب وكالة طويلة الأمد.
وأكد السفير حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري ومدير إدارة السودان وجنوب السودان السابق، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، أن إعلان ما يسمى بـ”الحكومة الموازية” في دارفور “لن يؤثر على الموقف المصري على الإطلاق”، موضحاً أن القاهرة رفضت هذه الخطوة بشكل قاطع، وأنها تعتبرها “غير شرعية”. وأضاف عيسى أن “هناك حكومة شرعية واحدة فقط هي حكومة الدكتور كامل إدريس، ورئيس مجلس السيادة الشرعي هو الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وهو الجهة الوحيدة التي تتعامل معها مصر”. وأوضح أن “الأوراق المصرية واضحة، فالقاهرة تقدّم الدعم الكامل للحكومة الشرعية، سواء سياسياً أو تنموياً أو عبر التنسيق المباشر”، لافتاً إلى أن مصر على وشك الانتهاء من إعادة بناء اثنين من الكباري (الجسور) الحيوية التي دُمّرت خلال الحرب، هما كوبري شنباط وكوبري حلفاية، إلى جانب مشاريع أخرى يجرى استئنافها حالياً في مجالات النقل والزراعة والصناعة.
وحول فرص الوساطة، اعتبر عيسى أن “التوقيت الحالي غير مناسب على الإطلاق للحديث عن أي دور وساطة في ظلّ التصعيد المستمر من جانب قوات الدعم السريع وخطواتها الأخيرة التي تسعى لتقسيم السودان والاحتفاظ بالسلطة”. وأشار إلى أن جميع جهود الوساطة توقفت منذ مؤتمر جنيف في أغسطس 2024 الذي شاركت فيه القوى الدولية المؤثرة ولم يحقق أي استجابة. كما أن “الاجتماعات الرباعية التي كان من المقرر عقدها في واشنطن لم تنعقد، ما يعكس أن الظروف غير مؤاتية حالياً لأي تحرك وسطي”، وفق رأيه.
في المقابل، قالت الدكتورة نجلاء مرعي الخبيرة في الشؤون الأفريقية، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن خطوة محمد حمدان دقلو (حميدتي – قائد الدعم السريع) بإعلان حكومة موازية في دارفور وأداء أعضاء مجلسها اليمين الدستورية قوبلت برفض واسع من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومصر، مؤكدة أنه “لا توجد أي دولة حتى الآن اعترفت بهذه الإدارة”. وأضافت أن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي وصف الخطوة بأنها محاولة لتقسيم السودان، ودعا المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بالحكومة الموازية، بينما لم يصدر أي موقف داعم لها حتى من الولايات المتحدة، التي كانت قد أجّلت اجتماعاً رباعياً مع وسطاء إقليميين ودوليين، وهو ما استغله حميدتي لتثبيت سلطته على الأرض. واعتبرت مرعي أن هذه الخطوة تمثل “ضربة لمفاصل الدولة السودانية”، وتكشف أن حميدتي “لا يريد التوصل إلى حلّ للأزمة”، خصوصاً في ظلّ ما وصفته بـ”الدعم الذي يتلقاه من بعض الدول”، بينما فشلت واشنطن في فرض عقوبات فعّالة عليه. وأشارت إلى أن الخرطوم بادرت أخيراً إلى قطع بعض العلاقات، ومنها مع الإمارات، في محاولة لعزل الدعم السريع.



