مقالات وآراء

استكمالاً لا مصادمة.. من الوثيقة إلى الفعل: رد على الأستاذ علاء خيراوي

د. على عبدالله الخليفة طه

استكمالاً لا مصادمة
من الوثيقة إلى الفعل: رد على الأستاذ علاء خيراوي
أشكر الأستاذ علاء خيراوي على قراءة نادرة في سياقنا الفكري؛ قراءة لا تكتفي بالانحياز أو الرفض، بل تدخل إلى داخل ميثاق النجاة وبناء الدولة لتضغط على مفاصله، وتسأل الأسئلة التي يفترض أن يُسأل بها أي مشروع يزعم أنه أكبر من مجرد وثيقة. وحين يكتب كاتب ) الأوغاد لا يهدأون ( أن مقالي جعل سؤاله أكثر إلحاحاً لا أقل، فذلك بالضبط ما تسعى إليه سلسلة “استكمالاً لا مصادمة”: أن يتحول الاختلاف إلى إضافة، لا إلى اصطفاف.
سأتناول نقاطه الخمس بالترتيب الذي طرحها فيه، لأن كل واحدة منها تكشف عن مستوى مختلف من العمارة المؤسسية للميثاق: من هندسة السلطة، إلى الشرعية، إلى الاقتصاد، إلى التفاوض، إلى الزمن.
من “فصل السلطتين” إلى “منع احتكارهما”
يعيد الأستاذ خيراوي صياغة سؤال الجدار المؤسسي بدقة تستحق التوقف: ليس ) كيف نفصل السياسي عن التنفيذي؟ ( بل ) كيف نبني مؤسسة تمنع احتكار الاثنين معاً؟ ( وهو محق في أن الفصل وحده، كخط هندسي، لا يحمي من شيء إن لم تُبنَ خلفه ضمانات تمنع أن يعيد أي طرف تجميع السلطتين في يده من الباب الخلفي.
هنا بالتحديد تتموضع وظيفة الركيزة الرابعة في بنية الميثاق: تمثيل الأقاليم والنساء والشباب والنقابات والمهجر ليس بنداً تجميلياً في وثيقة تأسيسية، بل هو الآلية التي تمنع الجدار من أن يتحول إلى حاجز بين طبقة قيادية ضيقة وبقية الجسم السياسي. فالجدار المؤسسي لا يفصل بين “سياسي” و”تنفيذي” فحسب، بل يوزّع كل طرف من الطرفين على قاعدة تمثيلية واسعة بما يكفي لأن يصعب اختطافها. وتداول القيادة وشفافية التمويل والمحاسبة، التي يطالب بها الأستاذ خيراوي بحق، ليست تفصيلاً إجرائياً يُضاف لاحقاً، بل هي الاختبار الذي يحدد ما إذا كانت الركيزة الرابعة حقيقية أم شكلية. وأتفق معه في أن هذا الجانب يستحق تفصيلاً أوسع مما أتيح له في الطرح الأول، وهو ما ستتناوله الملاحق التالية من بروتوكول التفعيل.
الشرعية الوظيفية الصاعدة في زمن تعدد سلطات الأمر الواقع
هذا، في تقديري، أصعب أسئلة المقال وأكثرها صدقاً. أن تُبنى الشرعية من قدرة المؤسسة المحلية على الخدمة والحماية والعدالة فكرة جميلة في السلم؛ لكن في وطن تتعدد فيه سلطات الأمر الواقع، من يختار الوحدة المحلية، ومن يحميها، ومن يمولها، وكيف تُمنع القوة المسيطرة على المنطقة من ابتلاعها؟
الإجابة التي يقترحها إطار الافتقار ، بوصفه اعتماداً متبادلاً بنيوياً لا شعاراً أخلاقياً ، هي أن الشرعية الصاعدة لا تُبنى بمعزل عن موازين القوى المحلية، بل عبر ربط الخدمة بشبكة تمويل وحماية متعددة المصادر لا مصدر واحد: تمويل مهجري وأممي وأقاليمي موازٍ، لا يمر عبر يد طرف مسلح واحد؛ وحماية تُبنى على تحالف محلي (لجان مقاومة، نقابات، إدارات أهلية) لا على جهة مسلحة بعينها؛ ومحاسبة أفقية بين الوحدات المحلية نفسها تكشف أي محاولة ابتلاء قبل أن تكتمل. هذا لا يلغي الخطر الذي يشير إليه الأستاذ خيراوي، لكنه يحوّله من عيب قاتل في الفكرة إلى معيار تصميم: أي وحدة شرعية صاعدة لا تحقق تعدد مصادر التمويل والحماية ليست جاهزة للتفعيل، مهما بدت ناجحة في تقديم الخدمة.
اقتصاد البوابات: صراع على السلطة قبل أن يكون قراراً مالياً
يصيب الأستاذ خيراوي حين يقول إن من يسيطر على مورد يمول به بندقيته لن يسلّمه طواعية لأنه اقتنع بجودة الوثيقة. وهذا بالضبط سبب تصنيف اقتصاد البوابات كالفجوة السادسة في بروتوكول التفعيل، لا كملحق اقتصادي منفصل: فالميثاق لا يعالجه بمنطق الإصلاح المالي، بل بمنطق إعادة هندسة السلطة والأمن والحدود معاً. تجفيف اقتصاد الحرب في هذا الإطار مشروط بثلاثة مسارات متزامنة لا متعاقبة: بديل اقتصادي فعلي لمن يعتاش من الجباية والتهريب لا مجرد تجريم لفعلهم؛ ورقابة إقليمية ودولية على نقاط العبور والحدود مسنودة بعقوبات محددة على شبكات التمويل بأسمائها لا بصفتها العامة؛ وهيكلة أمنية جديدة تُدمج فيها القوى المسلحة القائمة ضمن جيش وطني واحد بحوافز مهنية ومالية حقيقية، لا بأمر يفترض أن البندقية ستُسلَّم طوعاً. بعبارة أخرى: نتفق تماماً على أن المطالبة وحدها لا تكفي؛ والميثاق لا يطالب البندقية، بل يعيد ترتيب من يملك ماذا قبل أن يُطلب من أحد أن يتخلى عن شيء.
مبادرة الجسر الانتقالي: من وثيقة فردية إلى ملكية جماعية
الشرط الذي يضعه الأستاذ خيراوي ، ألا تصبح الوثيقة ملكاً لمن كتبها، وألا تتحول إلى مشروع يُطلب من السودانيين الانضمام إليه ، هو نفسه الشرط الذي صيغت مبادرة الجسر الانتقالي لتلبيته لا لتتجاوزه. فالمبادرة، كما صُممت، ليست نصاً مغلقاً يُطلب التوقيع عليه، بل إطار تفاوضي مفتوح البنية: تحدد الأسئلة التي سيطرحها العالم ، من؟ وكيف؟ وبأي جدول زمني؟ وماذا عن الجيش والدعم السريع؟ ، وتترك الإجابات التفصيلية لعملية تشاركية تُبنى مع من ينضم إليها، لا فوقهم. وأتفق مع الأستاذ خيراوي في أن هذا القصد وحده لا يكفي ضماناً؛ فالمطلوب آلية حوكمة صريحة تمنع أي جهة، بما فيها من صاغ المسودة الأولى، من احتكار تعديلها أو تمثيلها أمام العالم. هذا بالضبط ما تطرحه دعوته إلى ) ملكية سودانية مشتركة( تأخذ من كل ميثاق هندسته، ومن كل تجربة خبرتها ، وهي دعوة لا تتعارض مع الميثاق بل تحدد الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ينجح بها أي إطار تفاوضي في هذه اللحظة.
سؤال الزمن: من يبدأ؟ ومتى؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُقال إن المقال كله كُتب من أجله. والإجابة الصادقة هي أن أي إطار نظري، مهما بلغ اكتماله، يبقى عاجزاً أمام هذا السؤال ما لم يُترجم فوراً إلى تقسيم عمل فعلي لا إلى مرحلة لاحقة. النفير الوطني الكبير، في تصميمه، ليس فعالية تُعلن بعد اكتمال البناء المؤسسي، بل هو الأداة التي تبدأ التنظيم الآن، بالتوازي مع بناء المؤسسات لا بعده: من ينظم الداخل، ومن يعيد بناء النقابات، ومن يخاطب أفريقيا، ومن يحمل الملف إلى واشنطن والرباعية، ومن يُعِدّ ملف الاقتصاد، ومن يضع تصور العدالة، ومن يبني برنامج اليوم التالي — هذه ليست أسئلة تُطرح بعد أن يكتمل الميثاق، بل هي بالضبط ما يفترض أن يوزَّع عليه العمل من اللحظة الأولى، حتى لو ظلت الوثيقة نفسها قيد الصياغة. والبرهان وحلفاؤه، كما يذكّرنا الأستاذ خيراوي بحق، لا ينتظرون؛ وهذا يعني أن معيار نجاح أي مشروع مدني لم يعد اكتمال نظريته عن الدولة، بل سرعته في توزيع الأدوار وبدء الفعل الجماعي وهو لا يزال ناقصاً.
خاتمة
أشكر الأستاذ علاء خيراوي مرة أخرى، لا لأنه وافق، بل لأنه دفع الأسئلة إلى حيث يجب أن تُدفع: من التنظير إلى التصميم، ومن التصميم إلى التوقيت. والأوغاد لا يهدأون فعلاً؛ فربما كانت الإجابة الأجدى عليهم، كما يقترح، ألا يكتب أصحاب المشروع الواحد مشاريعهم كلٌّ في غرفته، بل يبدأوا، من الآن، في تقسيم العمل معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..