الترابي , أسمح لهم بالتحديق

× منذ أحرازه المركز الأول علي الشهادة السودانية , تأكد الذكاء الشديد ومرت الأيام حتي قرابة الثمانين عاما , جاء بإنقلاب أو ساهم في نهاية محمود محمد طه أو جلب لنا أسامة أو عاند كل شي ليصيغ السودانيين من وحي تبديات إسلامية , قل عنه أيضا أنه أعلن الجهاد وتكوين المؤتمر الوطني وقدم لنا رجال من أبناء السودان , قدمهم في قالب جديد , شباب بعزائم جبارة وخطط طموحة وأفكار وثابة لبناء دولة الرشاد والمثال النقي علي هدئ دولة المدينة المنورة
× جاء رجال في دفة السياسة علي عثمان والجاز ونافع والكاروري والسنوسي والصافي جعفر وأمين والأفندي ولبابة الفضل وأبو كشوة وبدرية وحاج ماجد والحاج أدم , وعطل أخرين في الضفة , حكمونا بالتمكين (الخطأ) وصاروا أسماء في حياتنا وخيل إلينا أن الأخبار ناقصة إذا غابوا , وأصبح من الصعب التخلص من صورة الموتمر الوطني بدون نافع والقصر بدون علي عثمان والنفط بدون الجاز والمعادن بدون كمال والتلفزيون بدون حاتم
× ربع قرن أشعلنا كل شبر بتجربة ومثال وحصدنا مراجعات كبيرة , قصمنا ظهر المهرة قبل أن نري الوليد , أفتينا ومالك بالمدينة , مزقنا فواتير القمح , وتحدينا أمريكا وروسيا وقد دنا عذابهما , وأقترحنا أمة الأمجاد بالدفاع الشعبي وترعتي كنانة والرهد , فصلنا ذوي القربي وفتحنا المعتقلات , والجامعات وشرب فلزات أكبادنا من لبن السحيحيرة وقدمنا لهم بدل الندوات والمكتبة المتحركة والمسرح , قدمنا لهم السيخ وحماس الشمولية وفكرة الخلاص بمحتويات سياسية والي هذا الحد أبحرنا بعيدا وطال ليلنا بسؤال أخر (أطويلا ليلنا)
× ومع الأيام , ضاعت أشياؤنا الثمينة ملامح الطبقة الوسطي والمعلم الرسالي والمدرسة التي تشبه البيوت وفاقة السودانيين في القري والحضر , روقة الثالثة ظهرا والمساء المؤزر بفراج الطيب ومسلسل النسيم وحديث القرون وليلي المغربي وصالحين وزيدان وهاشم صديق وأبوعركي وجلسات الإسلاميين الإيمانية في الحي
× ومع الأيام , ضاعت كورتنا , وحتي يوم أمس , نحن جماهير الشعب السوداني بدون مسلسل سوداني عميق ومحترم وحقيقي وبدون فيلم سينمائي واحد وتسهر الخرطوم العاصمة المظفرة بدون مسرحيات ولدينا خشبة مسرح ونقابة قديمة وكلية دراما ودكاترة متخصصين في الدراما والميزيغا
× ومع الأيام ضاعت , الصورة المثالية للعائلة , وفرض علينا إيقاع الحياة هلاويس التقانة , صار الزمن ممحوق والعلاقات الإنسانية كلها في مهب الريح , في كل بيت فتاة عانس مع خلق رفيع وجمال معقول وكفاح مستمر لعدل الحال مع بقية أفراد الأسرة , موظفة وعاملة ومربية لرتق إقتصاد البيت
× وفي كل بيت مبادئ وأعراض نفسية علي الخريج العاطل ومن جنبه مريض السكري أو الكلي أو السرطان كلهم يحملون أكفانهم مع طلة الصباح في إنتظار المساء , الأب ينسي نهرته القوية والأم تتخلي عن الوصايا العشر والولد الجدع يغض النظر عن تلك المشاوير لنون النسوة بعد العاشرة مساءا
× وفي كل بيت مطلقة , وأرملة ومهجورة , أخوات وأمهات وزوجات كريمات واجهن المصير , من عذاب نسائي لا مثيل إذا غاب الرجل أو هرب أو رحل أو كره الحياة لمجرد أن عمامته الطويلة ما عادت تشكل جزء من حضوره الجسور مع نفسه والناس من حوله
× ومع الأيام ضاعت السكة حديد , قبل تأليف قصة ورواية وحكاية , فرح المحطات والمسافرين والعفش , من حلفا تحيا بابنوسة ومن نيالا تصل كريمة وطن واسع لكنه من الياسمين , إذا لم ينتهي مشروع الجزيرة ولم يسجن مزارع القضارف بالإعسار وإذا لم يغنئ النائ أبدا , أغنية حصاد الذرة بأشواق سياسية
× ومع الأيام أهتزت عروش تجارية فاضلة السيرة والمسيرة الهلالي وعبد المنعم وأبوضريرة بالمناقل , ومثلهم ذات اللوعة والعيار والدراما من الدمازين ومدني والباوقة والفاشر ودنقلا وبورتسودان وكسلا وأبوقوتة وفداسي وأبوجبيهة بسبب السياسات الإقتصادية التي لم تقرأ شيئا يدعمها من الأدب والثقافة والفنون وظنت أن الأرقام وحدها تقف شاهد علي القوة بدون حس الناس في الحياة اليومية
× جاءت الحركة الإسلامية بشعارات حضارية قوية وحالمة وصار بريق التسعينات ينهب من أرض الأحلام فراسخ وكان الترابي هو الشمس التي يصعب التحديق فيها ومن حوله نجوم ساطعة تصلي الفجر حاضرا وتحضر للوزارة بالمراسيم المعروفة وبين فرقات الصلاة أدي أبليس دوره الطليعي وحدثت مفاصلة رمضان الرهيبة , أنقلبت الأوضاع وأستأنف قطار الإنقاذ مسيره بدون الترابي
× أنشغلنا بالصراع ونسينا ترعتي كنانة والرهد وفواتير القمح والسكة حديد ومع الأيام صار دكتور نافع بشيب ينظر لأحفاده وكذا الأمر علي عثمان من المحامي الشاطر الي الأب الذي داهمته الأيام دون أن يتطلع في أحفاده كما تطلب العائلة من عميدها بعد نيف الستين عاما , جيل الحكام الجدد أمامهم سؤال الطيب صالح من جمر متوقد (من هؤلاء ومن أين أتوا وماذا يريدون)
× و السؤال ظالم إذا لم يكن قائله أديب في قامة الطيب صالح
× وداهمتنا الأمراض الصعبة والكساح وسوء التركيز وأعطتنا الأيام الجديدة أولاد السستم وجيل الحوت وقاتل أمه والمخدرات في المدارس , وكهلت أجيال إكتوبر وصار أبوعركي و ود اللمين في عمر الشيوخ ومات مرة واحدة وردي والطيب صالح وحميد وسيد حاج وعبدالجبار المبارك وسامي عز الدين وعثمان حسين وأخرين لا ندري متي يموتون ولكننا نعلم أنهم يحتضرون
× لو لم يكن الترابي بكل تلك العبقرية وسمح لهم بالتحديق
× فهل هي أيام الرجاء (أسمح لهم بالتحديق)
× أعطيني منديلا ليوم الغد للمستقبل الأتي
[email][email protected][/email]




أدب المأساة السودانية فى نمو مطرد .. هذا أدب صادق أما أدب حسين خوجلى ترى كذبه فى ورمه وفى أصبعه قبل لسانه ليوهمنا أن قلبه على البلد بعد أن أناخت بعائرهم بأحمالها على الخزينة الصحراء
فقفذ من قفذ ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ..منهم القافذ الصامت ومنهم القافذ المجوعر .. ولكنهم كلهم يتسمون بقوة العين لا بحمرتها .
شكرا صديق مقالك جميل .
مقال قمه في الروعه …وشامل يغطياحداث 24في ونسه هادئه…… شكرا جزيلا…
بحثت عن ايقونة لايك لاضغط عليها اعجابا بهذه المقالة ولما لم اجدها كتبت الاعجاب خطا وياليت الاخرين يقصلون ماجمله هذا الكاتب فيما صار بنا ولنا وعنا وكيف ولماذا من ترابي و غيره ولتكن تحليلات موضوعية من غير ضغائن وانما للخروج بما يصلح الحال فالسودانيين بخير ما تركوا الضغائن وتفرغوا للتصحيح والبناء وسيصلوا لما بيغون باذن الله فهم يستحقون افضل مما كان وبالامكان.