حين يتجسّد الإنسان في الفكرة: رحلة محمود ميسرة السرّاج من الصمت إلى الضوء

م/ معاوية ماجد
سيرة الضوء من بيت الأب إلى خشبة الحلم
منذ أن كان المسرح في السودان نافذةً على الحلم، كان هناك رجل اسمه ميسرة السرّاج — رائد المسرح السوداني، ومؤسس أول فرقة تمثيلية في البلاد عام 1946، وهو من أدخل المرأة السودانية إلى عالم التمثيل، كاشفًا أن الفن ليس حكرًا على أحد، بل فضاء إنساني مشترك.
في بيتٍ كهذا وُلد محمود ميسرة السرّاج، فكان ميلاده امتدادًا لفكرةٍ بدأت مع الأب: أن الفن ليس مهنة فحسب، بل رسالة تُورَّث كالنور لا كالدم.
في طفولته، كانت الخشبة سجادته الأولى، والموسيقى لغته السرّية.
تعلّم أن الفن طريق إلى الحقيقة، وأن الجمال شكل من أشكال المقاومة.
ومن هناك، من ضفة النيل الأولى، بدأ يسير نحو ضفة أخرى — ضفة الحلم، حيث يمتزج الوطن بالموهبة، والوجع بالمعنى.
ذلك هو محمود ميسرة السرّاج، ابن جامعة الخرطوم وخريج كلية الصيدلة، الذي اختار أن يصف الدواء من جهة، ويصنع موسيقى الشفاء من جهة أخرى. رجلٌ جمع بين العلم والفن، وبين المعادلة الصارمة واللحن الحرّ، فصار علامةً فارقة في الوعي الفني السوداني المعاصر.
بين المعمل والمسرح: كيمياء الروح
من قوارير الصيدلة إلى أروقة المسرح، نسج السرّاج معادلاته الخاصة — معادلات من نغمٍ وإحساسٍ ومعنى.
لم يأتِ إلى الفن عابرًا، بل جاء مؤسّسًا ومدركًا لمسؤوليته تجاه الوجدان الجمعي، فدرس التأليف الموسيقي بمعهد الموسيقى والمسرح، وتعمّق في علوم المقامات العربية وموسيقى الجاز في السودان ومصر وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية.
هكذا صاغ لنفسه هويةً فنيةً لا تنتمي إلا إلى السودان، لكنها تتنفس بروح العالم.
المسرح: جمر الفكرة
في مسرحية «الرقص على الجمر»، التي حاز بها على جائزة أفضل ممثل بمهرجان البقعة الدولي، كان السرّاج يحترق على الخشبة ليضيء وعي الجمهور.
لم يكن الأداء عنده تمثيلًا، بل طقسًا من الانعتاق والصدق الوجودي.
كلّ حركةٍ فيه تقول شيئًا عن الوطن، عن الإنسان، عن الجرح المفتوح الذي لا يُراد له أن يندمل إلا بالفن.
من السودان إلى مصر: عبور الفن والهوية
حين انتقل محمود ميسرة السرّاج إلى مصر، لم يكن ذلك مجرد انتقال جغرافي، بل هجرة إبداعية نحو فضاء أوسع للفن.
في القاهرة، حمل معه صوته السوداني وإيقاعه الإنساني، فصار جزءًا من المشهد الدرامي العربي بروح جديدة تشبه النيل حين يعبر الحدود دون أن يفقد طميه الأول.
هناك، أثبت السرّاج أن الموهبة الصادقة لا تعترف بالحدود، وأن الفن يمكن أن يكون وطنًا بديلًا حين تضيق الأوطان.
ومن خشبات المسرح إلى شاشات الدراما، قدّم أدوارًا تنبض بصدق الإنسان، حتى غدا اسمه جسرًا بين مدرستين: السودانية بجذورها، والمصرية بعمقها الدرامي.
في حضرة الصورة والنغم
حين شارك في فيلم «ستموت في العشرين»، لم يكن يؤدي دورًا فحسب؛ كان يُعيد طرح سؤال الوجود في وجه الموت.
ملامحه الهادئة كانت تنبض بقلقٍ فلسفي عميق، وصوته الداخلي كان حوارًا بين الحياة والقدر.
وفي فيلم «الرضي»، الذي نال البرونزية في أيام قرطاج السينمائية، أكّد السرّاج أن الفن السوداني قادرٌ على المنافسة عالميًا حين يُقدَّم بصدقٍ ورؤيةٍ ناضجة.
ولم تكن الموسيقى بعيدة عن هذا النبض، فقد نال جائزة أفضل موسيقي في مهرجان السودان الوطني عام 2018م، وهو اعترافٌ بموسيقى تشبه نبض الأرض وذاكرة النيل.
الدراما بوصفها مرآة الإنسان
في أعماله الأخيرة، بدا واضحًا أن السرّاج لم يعد يمثّل فحسب، بل يفكّر من خلال الشخصية.
صار يكتب بالفعل ما يعجز النص أحيانًا عن قوله.
في مسلسل النص (2025)، جسّد دور سالم حسين المعجون بالصمت والأسئلة.
وفي أهل الخطايا (2025)، حمل شخصية ضرغام، كأنها مرآة لتمزّق الإنسان بين الذنب والخلاص.
أما في سيد الناس (2025)، فقدّم برهام، الوجه الشعبي الذي يختزن حكمة الأرض، بينما ترك في مملكة الحرير (2025) بصمته الخاصة في دور سيد دكاكين التوت، العابر بين الحلم والواقعية.
وفي السينما، أطلّ في فيلم درويش (2025) بدور عثمان، ملامسًا تخوم الفلسفة والوجدان، قبل أن ينتقل إلى فيلم أسد (2026) المنتظر، الذي يُتوقّع أن يشكّل نقلة نوعية في مسيرته الفنية.
كما شارك في المسلسل المصري أشغال شقة جدًا (2025)، في دور شيخ أيوب (الحلقة 7)، ضمن أداءٍ يمزج الحسّ الشعبي بروح الحكمة.
“يا زياد”: رسالة وفاء إلى المعلم
ولأن الفنان الحقيقي لا ينسى جذوره الفكرية، قدّم السرّاج في عمله الأخير يا زياد تحيةً إلى عالم زياد الرحباني.
جاء العمل كرسالة وفاء إلى المعلم، واحتفاء بالموسيقى التي علّمته أن الفن فكر يُغنّى، وأن الإنسان لا يُرى إلا عبر صوته الداخلي.
الفن كصمتٍ يتكلّم
في تجربة السرّاج، يبدو أن الصمت نفسه يتحوّل إلى أداء.
فهو ممثل لا يكتفي بقول النص، بل يُعيد خلق العالم على طريقته الخاصة.
يمارس التمثيل كما يمارس الشاعر القصيدة — بوعيٍ يتجاوز الحرفة إلى الفلسفة، وبحسٍّ إنساني يجعل من كلّ مشهد اعترافًا بالعذوبة والوجع معًا.
رجل الفكرة والذائقة
السرّاج ليس فقط ممثلًا ومؤلفًا موسيقيًا، بل مثقفٌ عضويّ يؤمن أن الفن موقف من الحياة.
اختياره لعضوية لجنة مهرجان السودان للسينما المستقلة ليس تكريمًا لشخصه بقدر ما هو إقرارٌ بدوره كحارسٍ للجمال، وكسفيرٍ للفكر الحرّ في زمنٍ يختنق بالسطحية والضجيج.
هو يؤمن بأن الفن لا يُروّض، وأن المبدع الحقيقي هو من يعيد تعريف الوطن بالصوت والصورة والحلم.
من ضوء الأب إلى ضوء الروح
من بيت الأب، حيث بدأ المسرح رسالة، إلى خشبة القاهرة، حيث صار الحلم وطنًا آخر، يمضي محمود ميسرة السرّاج كمن يحوّل الذاكرة إلى فنّ، والحنين إلى جمال متجدد.
هو ابن الضوء الذي لم ينطفئ، وصوت لا يتقن الصمت إلا ليجعلنا نسمع المعنى في الصمت نفسه.
إنه الإنسان حين يتجسّد في الفكرة، والفكرة حين تُضيء وجه الإنسان.
م. معاوية ماجد
[email protected]
الرجاء شاكرا اعتماد هذا النص للنشر بدلا عن السابق



