الإبادة الثقافية والاستلاب الهوياتي في السودان: شعب الزغاوة نموذجاً

عمار تودي
لم تكن أزمة السودان عبر العقود الماضية مجرد أزمة سلطة أو صراع على الموارد، بل كانت في جوهرها أزمة هوية وهيمنة ثقافية سعت من خلالها النخب الحاكمة إلى إعادة تشكيل السودان وفق تصور أحادي لا يعكس حقيقة التنوع التاريخي والحضاري الذي قامت عليه البلاد.
وقد أدى ذلك إلى ما يمكن وصفه بعملية استلاب هوياتي وإبادة ثقافية ممنهجة استهدفت الشعوب السودانية الأصيلة، وفي مقدمتها شعب الزغاوة.
لقد قامت الدولة السودانية الحديثة على مشروع سياسي وثقافي ارتبط بفرض هوية رسمية محددة بوصفها الهوية الوطنية الوحيدة، بينما جرى التعامل مع بقية الثقافات واللغات والهويات باعتبارها ظواهر محلية أو هامشية لا تستحق الاعتراف المؤسسي.
ونتيجة لذلك، تعرضت عشرات اللغات والثقافات السودانية للتهميش والإقصاء، في محاولة لإعادة إنتاج مجتمع متجانس يخضع لرؤية المركز ومصالحه السياسية.
وفي هذا السياق، كان شعب الزغاوة أحد أبرز ضحايا هذه السياسات.
فالشعب الذي يمتلك تاريخاً ضارباً في القدم، ولغة مستقلة، وإرثاً حضارياً وثقافياً عريقاً، وجد نفسه خارج السردية الرسمية للدولة.
لم تُدرّس لغته في المدارس، ولم يُعترف بإرثه الثقافي على النحو الذي يليق بمكانته التاريخية، كما غابت مساهماته السياسية والحضارية عن المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية الرسمية.
إن أخطر أدوات الإقصاء الثقافي كانت المدرسة نفسها.
فقد تحولت المؤسسة التعليمية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الرسمية للدولة، بينما حُرم ملايين الأطفال من حق التعلم بلغاتهم الأم أو التعرف على تاريخ شعوبهم وثقافاتهم.
وفي كثير من مناطق السودان، نشأت أجيال كاملة وهي تتعلم أن تاريخها يبدأ من المركز، وأن لغاتها المحلية لا مكان لها في فضاء المعرفة والسلطة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الانتماء الثقافي وتآكل الذاكرة الجماعية للشعوب المهمشة.
ولم يقتصر الأمر على تغييب اللغة، بل امتد إلى تغييب التاريخ نفسه.
فقد جرى إهمال تاريخ دارفور ووادي هور وشعوبهما في المناهج الوطنية، رغم أن هذه المناطق كانت جزءاً أساسياً من حركة التجارة والثقافة والسياسة في إفريقيا والسودان عبر قرون طويلة.
وبدلاً من تقديم تاريخ السودان بوصفه نتاجاً لمساهمة جميع شعوبه، تم اختزاله في رواية أحادية تعكس رؤية النخب المهيمنة وتخدم مشروعها السياسي والثقافي.
إن ما حدث لم يكن مجرد تهميش عابر، بل كان جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة الوعي الوطني، بحيث تصبح ثقافة المركز معياراً للمواطنة الكاملة، بينما تُدفع الثقافات الأخرى إلى الهامش.
وهذا ما يصفه كثير من المفكرين والناشطين بمفهوم “الاستعمار الثقافي الداخلي”، حيث تمارس الدولة وأجهزتها نوعاً من الهيمنة على الشعوب الواقعة خارج دائرة النفوذ التقليدية، ليس عبر الاحتلال العسكري فقط، بل عبر السيطرة على اللغة والتعليم والإعلام والرموز الوطنية.
إن النضال من أجل حقوق شعب الزغاوة لا يقتصر على المطالبة بالتنمية أو المشاركة السياسية، بل يشمل أيضاً الدفاع عن الحق في الوجود الثقافي واللغوي والتاريخي.
فالشعوب لا تُقاس فقط بعدد سكانها أو حجم نفوذها السياسي، وإنما بقدرتها على الحفاظ على ذاكرتها الجماعية وتراثها ولغتها وهويتها الخاصة.
إن بناء سودان عادل ومستقر يتطلب الاعتراف الصريح بالمظالم التاريخية التي تعرضت لها الشعوب السودانية الأصيلة، وإعادة الاعتبار للغات والثقافات التي جرى تهميشها، وإدماج تاريخ هذه الشعوب في المناهج والمؤسسات الوطنية، وضمان حقها في التعبير عن هويتها دون خوف أو وصاية أو إقصاء.
فالسودان لن يكون وطناً لجميع أبنائه ما لم يتحرر من إرث الهيمنة الثقافية ودولة الامتيازات، وما لم يعترف بأن شعوب دارفور ووادي هور والزغاوة وغيرها ليست مجرد هوامش تابعة للمركز، بل هي مكونات أصيلة وشريكة في صناعة التاريخ وبناء المستقبل.
إن العدالة الثقافية ليست مطلباً رمزياً، بل شرط أساسي لتحقيق السلام والكرامة والمواطنة المتساوية في السودان.



بناءً على هذا الكلام على الدولة ان تقوم بتدريس اكثر من ثلاثين لهجة محلية وتخصص لها المناهج والمعلمين وذلك إرضاءً لهذه القبائل حيث يكون منهج للغة الزغاوة الفور المساليت المحس الحلفاويين الدناقلة الهدندوة وووووووالخ يبدو أن كان كاتب المقال مازال يغط في حلمٍ عميق