مقالات وآراء

هل يُبعث مشروع “اتحاد الطلاب الموازي” في هيكل السودان التأسيسي؟

محمد صالح محمد

تُطلّ علينا الذاكرة السياسية أحياناً بظلال من الماضي لتفسر تعقيدات الحاضر. وفي منعطف تاريخي كالذي يعيشه السودان اليوم لا تبدو استعادة ذكريات ممرات جامعة الخرطوم في مطلع الألفينات مجرد “نوستالجيا” لعهد الصبا بل هي استدعاء لجذور صراع الهوية السياسية والهيكلية التي تمزق جسد الدولة السودانية الآن.
في بداية الألفينات شهدت الساحة الطلابية حراكاً مفصلياً قاده “تحالف القوى الوطنية الديمقراطية”. لم يكن فوز هذا التحالف في اتحادات جامعات مثل الخرطوم، والنيلين، وشندي ….. مجرد تبدل في الوجوه النقابية لقد كان إعلاناً عن سقوط “الشرعية المطلقة” التي حاول النظام البائد فرضها عبر أذرعه الطلابية.
حينها ولدت فكرة “الجسم النقابي الموازي” لـ (الاتحاد العام للطلاب السودانيين). كانت تلك القناعة نتاج إدراك مبكر بأن المؤسسات القائمة لم تعد تمثل مجموع التطلعات السودانية بل تحولت إلى “تروس” في آلة حزبية ضيقة. كان المشروع يهدف لخلق وعاء ديمقراطي بديل يعبر عن التعددية لكن لظروف موضوعية وذاتية ظل هذا الحلم “جنيناً” لم يكتمل نموه وبقي السودان رهيناً لمركزية نقابية وسياسية واحدة.
إسقاط الماضي على الحاضر: من “الاتحاد الموازي” إلى “الدولة الموازية” :
المفارقة المذهلة هي أن ما عجز جيل الطلاب في مطلع الألفينات عن تحقيقه داخل أسوار الجامعات يتجلى اليوم بملامح “جيو-سياسية” عنيفة في المشهد السوداني العام. السودان اليوم ينقسم فعلياً وإن لم يكن رسمياً بين تكتلين كبيرين هما تحالف السودان التأسيسي الذي يحاول صياغة عقد اجتماعي جديد، وتحالف بورتسودان الذي يمثل امتداداً لشرعية الدولة القديمة وتوازناتها.
إن فكرة “الجسم الموازي” التي نادينا بها قديماً كآلية للتحرر من هيمنة “الكيزان” على النقابة تطل برأسها الآن كحل بنيوي للدولة. لكن الفرق الجوهري هو أن المشروع الطلابي كان يسعى للوحدة عبر التعدد بينما الانقسام الحالي يهدد بالتشظي عبر الاقتتال.
من الذي يغذي “التيارات المتناحرة”؟
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه لماذا فشلنا في التوافق قديماً، ولماذا نتحول اليوم إلى “تيارات متناحرة” بدلاً من “كتل متنافسة”؟
التحليل من وجهة نظري المتواضعة تشير إلى عدة عوامل:
إرث الاستقطاب الحاد: الذي زرعته الأنظمة الشمولية حيث تصبح “المعارضة” مرادفاً “للعداء” و”الاختلاف” مبرراً “للإقصاء”.
غياب “المشروع الوطني الجامع”: فكل تحالف يرى في نفسه “المخلص الوحيد” ويرى في الآخر “تهديداً وجودياً”.
التدخلات الإقليمية والدولية: التي وجدت في هشاشة النسيج السياسي السوداني بيئة خصبة لتحويل الصراع الداخلي إلى “حرب بالوكالة”.
الاستنتاج: العودة إلى “روح التحالف”
إن “مشروعنا” الذي كنا ننادي به كطلاب والداعي لخلق بدائل ديمقراطية ومؤسسات موازية قوية يجد نفسه اليوم أمام اختبار تاريخي. هل نتحول إلى دولتين وشعبين تحت مسمى “تحالفات موازية”؟ أم نستلهم من تجربة “تحالف القوى الوطنية الديمقراطية” القدرة على إدارة التنوع تحت سقف واحد؟
إن ما يحدث في السودان الآن هو “تطبيق مشوه” لفكرة التعددية التي حلمنا بها؛ حيث تحولت الرغبة في “البديل” إلى “انقسام”، والبحث عن “العدالة” إلى “صراع خنادق”. إن الحاجة ملحة للاتفاق على “الحد الأدنى الوطني” لضمان أن تظل التحالفات (سواء في بورتسودان أو غيرها) أدوات لبناء الدولة لا معاول لهدمها.
لقد أثبتت الأيام أن الهروب من التوافق لا يؤدي إلا إلى مواجهات مؤجلة وأن “الجسم الموازي” الذي لم يكتمل في الجامعات لن يكتمل في الدولة إلا بسلام وطني شامل ينهي عصر “التمترس” ويبدأ عصر “التأسيس”.
“العقل السياسي” السوداني.. من الموازاة إلى التشظي
إنّ استعادة تجربة “الجسم الموازي” من أروقة الجامعات إلى ساحة الدولة السودانية المنهكة اليوم تضعنا أمام حقيقة تشريحية صادمة: السودان لم يعانِ يوماً من نقص في المشاريع، بل من “انفصام” في آليات تنفيذها. فالفكرة التي ولدت في مطلع الألفينات كفعل “تحرري” لكسر احتكار السلطة النقابية تتجسد الآن كفعل “انتحاري” يهدد وحدة التراب الوطني.
أين تكمن المعضلة؟
تكمن في أن “التحالفات الموازية” الحالية (تحالف السودان التأسيسي مقابل تحالف بورتسودان) ليست مجرد تيارات سياسية متنافسة بل هي “دولتان داخل دولة” لكل منهما سرديتها الخاصة وجيشها، وحلفاؤها الإقليميون، وتصورها المنفرد لـ “الشرعية”. إننا نشهد الآن مرحلة “الارتطام الكبير” بين مشروعين: أحدهما يسعى لقطيعة جذرية مع الماضي دون امتلاك أدوات السيطرة، والآخر يتمسك بآليات الدولة القديمة دون امتلاك قبول شعبي شامل.
لماذا لا نتفق؟
التشريح السياسي للواقع يؤكد أننا ضحية لـ “متلازمة الإقصاء المتبادل”. فمن يعمل فينا ليحولنا إلى تيارات متناحرة ليس بالضرورة “يداً خارجية” فحسب بل هو “العقل الرعوي” الذي لا يزال يحكم النخب السياسية؛ عقل يرى في “التفاوض” ضعفاً وفي “التنازل” خيانة. هذا الانقسام يخدم قوى “الشد العكسي” التي تخشى من سودان ديمقراطي موحد فتستثمر في تحويل “المشروع الموازي” إلى “خندق بديل”.
المآل الأخير:
إن مشروعنا الذي حلمنا به طلاباً لم يكن يهدف لاستبدال “إقصاء بإقصاء” بل كان يطمح لـ “موازاة ديمقراطية” ترفع سقف الحريات. وما نراه اليوم من انقسام بين “التأسيس” و”المركز” هو التجسيد المأساوي لعدم اكتمال ذلك المشروع في وقته.
إن السودان اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحول هذه “الأجسام الموازية” إلى ركائز لـ “عقد اجتماعي جديد” يعترف بالآخر ويمنحه حق الوجود السياسي أو أن يستمر هذا النزيف لتصبح “الموازاة” هي المسمار الأخير في نعش الدولة السودانية الموحدة. لقد حان الوقت لندرك أن الوطن لا يُبنى “بأجسام موازية” تتصارع، بل بـ “عقول متقاطعة” تتفق على بقاء الأرض قبل الصراع على من يحكمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..