حين يتحول المرتب إلى أداة ابتزاز: معضلة أخلاقية وقانونية في إدارة شؤون المعلمين

ليست المشكلة في تأخر المرتبات وحده، فذلك صار ـ للأسف ـ جزءًا من الواقع السوداني المنهك، وإنما الكارثة الحقيقية حين تتحول المرتبات نفسها إلى أداة ضغط وابتزاز إداري، تُمارَس بلا سند قانوني، وبلا أدنى اعتبار للأخلاق أو للظروف القاهرة التي يعيشها المعلمون.
في محلية كرري، تفاجأ عدد من المعلمين بأن كشوفات المرتبات (الشيت) تحمل عبارة صادمة: «يوقف مرتبه»، رغم أن المرتب قد وصل بالفعل إلى المدرسة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم إخطار بعض الزملاء بضرورة الحضور شخصيًا لاستلام مرتباتهم، وإلا فسيتم تسليمها إلى مدير شؤون المعلمين بالمحلية.
وهنا تبرز المعضلة الأخلاقية والقانونية والإدارية في أوضح صورها: كيف يتم التعامل مع معلمين خارج السودان، اضطروا للخروج قسرًا بفعل الحرب، لا اختيارًا ولا ترفًا؟
وهل يجوز ـ قانونًا أو أخلاقيًا ـ تعليق حقوقهم المالية أو مصادرتها بحجة الغياب القسري؟
أولًا: البعد القانوني
المرتب حق مكتسب، وليس منحة ولا صدقة. وأي إجراء بوقف المرتب أو حجزه يحتاج إلى قرار مكتوب، مسبب، ومُخطر به صاحبه رسميًا، مع منحه حق التظلم والطعن.
أما اتخاذ قرار شفهي، أو إدراجه فجأة في كشف المرتبات، دون إخطار مسبق أو مسوغ قانوني واضح، فهو تعسف إداري صريح يخالف أبسط قواعد الخدمة المدنية.
ثم إن الخروج من البلاد بسبب الحرب يدخل ضمن مفهوم الظروف القاهرة، وهي ظروف تُسقط أي مساءلة إدارية قائمة على الحضور الفعلي، ولا تُسقط الحقوق المالية، بل توجب المعالجة الاستثنائية لا العقوبة.
ثانيًا: البعد الأخلاقي
أي ضمير إداري يقبل أن يُطالب معلم خرج هربًا من القصف والجوع وانعدام الأمن بالحضور الشخصي لاستلام مرتبه؟
وأي أخلاق تقبل أن يُلوَّح له بسحب مرتبه وتسليمه لمسؤول آخر، وكأن الأمر غنيمة أو وديعة سائبة؟
المعلم هنا ليس غائبًا بإرادته، ولا متقاعسًا عن أداء واجبه، بل ضحية حرب وانهيار دولة.
ومع ذلك يُعامل وكأنه متهم يحتاج لإثبات براءته ليحصل على قوت أطفاله.
ثالثًا: البعد الإداري
إداريًا، هذا السلوك يكشف عن غياب السياسات الواضحة، وارتباك في اتخاذ القرار، واعتماد منطق «التصرف الفردي» بدل اللوائح.
فلو كانت هناك نية صحيحة، لتم:
إصدار توجيه رسمي مؤقت يضمن صرف مستحقاتهم بآلية بديلة (تحويل، توكيل قانوني، أو صرف عبر المدرسة).
وتعليق أي إجراءات عقابية إلى حين استقرار الأوضاع وعودة الدولة لوضعها الطبيعي.
أما أن يُترك الأمر لاجتهادات محلية، فذلك يفتح الباب واسعًا للفساد، وسوء الاستخدام، وانتهاك الحقوق.
الخلاصة
ما يحدث في محلية كرري ليس مجرد خطأ إداري، بل انزلاق خطير نحو شرعنة الظلم تحت غطاء الإجراءات.
المرتب ليس أداة للضغط، ولا وسيلة لإجبار المعلمين على ما لا يملكون عليه قدرة، ولا ورقة تفاوض في زمن الحرب.
إن احترام المعلم يبدأ من احترام حقه في أجره، خاصة حين يكون هذا المعلم خارج الوطن مكرهًا، لا هاربًا من واجبه.
وأي سلطة إدارية لا تفهم ذلك، ولا تراعيه، فهي سلطة تحتاج أولًا إلى مراجعة أخلاقها، قبل مراجعة كشوفاتها.



كاد المعلم ان يكون رسولا