صيغة جديدة للدولة والعيش السلمي المشترك.. المستقبل لدولة اللا هوية.. (رؤية للنقاش الحر)

في الحرب الباردة تكمن أعظم أسرار التحولات السريعة المؤلمة الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا!.
السبب بسيط ولكن كثير من الناس قد لا يأبه به لاننا مغيبون في التفاصيل كما أن الناس في العادة تبحث أولاً عن الحلول العاجلة للأزمات في حل عن فهم الأسباب الجوهرية وهذا ربما خطأ!.

ازعم انه ان فهمنا خلفيات ومعطيات “الحرب الباردة” سنفهم الأزمة وعندها ربما تجلى أفق الحلول أكثر وضوحا!.

الحرب الباردة طبعا بين المعسكرين الشرقي والغربي التي إنتهت إجرائياً عام 1989 بإنهيار الإتحاد السوفيتي، وكان على أساسها يتقسم العالم في محورين متناحرين لمدة نصف قرن وأكثر: معسكر إشتراكي روسي وآخر رأسمالي أمريكي غربي.

وكذلك تقسم الأقليم الذي نعيش به أيضاً على ذلك الأساس ولو بدرجات مختلفة لكن الصبغة الأساسية لا بد أن تكون غالبة.

والحرب الباردة في الحقيقة لم تكن باردة إلا بين أطراف المنشأ (السوفيت وامريكا/الغرب) بل في الحقيقة كانت حرب مادية وفعلية ساخنة عمت معظم أركان الكرة الأرضية. و راح ضحيتها ملايين الناس في آسيا وأفريقيا ولاتن أمريكا: انقلابات عسكرية دموية وحروب أهلية وحروب بين دول الوكلاء: حرب أفغانستان اعظم مثال كما العراق وإيران والعراق والكويت والأحداث الدامية التي جللت وجه المشهد اللاتيني “هنا نذكر تشي جيفارا”. والآن هناك حرب في اليمن وحرب في سوريا وحرب في السودان وحرب في ليبيا وحرب في العراق وأزمة في لبنان وأزمة في فلسطين وحركة الإخوان المسلمين في مصر تخطط لذات السناريو القديم المتجدد!. كل ذلك يجيء على خلفية الحرب الباردة.. وروسيا الآن تدخل بجيشها سوريا وسبقتها أمريكا إلى العراق وأمريكا ذاتها تضرب سوريا بالصواريخ.. وبقية الأفق واضح للعيان!.

لننظر الان لوهلة في الأزمة الشاملة من الداخل ثم نقترح الحلول!.

أرى ان خطوط الصراع في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا اربعة.. وأهمها الخطان الأول والثاني (يأتي تفصيله ادناه) وهما الخطان المتضادان والمتصادمان بشدة ويمثلان حمى الحرب الباردة بجدارة. وما يزال الصراع بينهما جاريا!

الخط الأول العربي/السلفي: رأسمالي متحالف مع المعسكر الغربي الأمريكي (عنده العروبة عرق وليست أيدولوجيا، الآيدولوجية هي الدين الإسلامي بنسخته الوهابية ).

ويضم: دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية الوهابية مع الامارات/عمان/الكويت/البحرين/قطر مع إضافة المملكة الأردنية الهاشمية لتشابهها في النظام السياسي والاجتماعي والتاريخ كما اضافة إسرائيل، إسرائيل ايضا مشابهة لدول هذا الخط الاول (إسرائيلً سلفية يهودية كما رأسمالية/أمريكية). وهذا الخط يتميز الآن بالتماسك النسبي لأنه ما زال تحت الرعاية الأمريكية المباشرة مع تفاوت في درجة الاهمية بين اقطاره المختلفة ومع حساب المتغيرات الاقليمية والدولية.

عند هذه اللحظة اود ان اقول بملاحظة استباقية ثم نواصل قراءة الخطوط الاخرى:
هنا لا توجد أحكام قيمية أو تخيلية أو ادانات أيديولوجية مجانية لطرف من الأطراف دون الآخر وإنما محاولة موضوعية و محايدة لقراءة الواقع!. كل الأطراف كانت منحازة لأحد المعسكرين وما فيش حد أفضل من الاخر لمجرد جريرة الانحياز كون الاستقلالية شبه مستحيلة أيام الحرب الباردة، إذن انت بلا حماية وربما مهدد بالفناء. . المحاولة الوحيدة في البحث عن طريق ثالث كانت محاولة خجولة ومتواضعة تمثلت فيما سمي بدول عدم الانحياز.

الخط الثاني: إشتراكي عروبي (العروبة لدى هذا الخط آيديولوجيا وليست بالضرورة عرق، آيدلوجيا ذات محتويات إشتراكية علمانية).

ويضم: العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والسودان وليبيا واليمن.

وهذا الخط يعاني الآن من التفكك بالرغم من تقدمه في مستوى كفاءة الإنسان “الفرد” في مجاله مبررا بانفتاحه الأسبق على الآخر وعبر الاستعمار ثم التداخلات الإقتصادية والثقافية مع اوروبا وما يتبع ذلك من مؤثرات الحداثة والتعليم الحديث والسوق العالمي والمجتمع المدني!. ولهذا ظل الخط الثاني هذا يبيع الكفاءات البشرية للخط الاول بالمال وبعضه يبيع أيضا الجنود المقاتلين.

ارجو هنا ان تتذكرو معي التفاصيل التالية (فيما يتعلق بالخط الإشتراكي العروبي):
العراق (البعث العربي الإشتراكي) وسوريا (البعث العربي الإشتراكي) ولبنان (علمانية/إشتراكية) وفلسطين (جذور منظمة فتح إشتراكية عروبية وابو الثورة الفلسطينية جورج حبش ماركسي لينيني) ومصر (ثورة 1952 عروبية إشتراكية إستمرت حتى 2011 وعادت من جديد في عهد السيسي في ظرف تاريخي جديد مختلف) ليبيا (الجماهيرية العربية الإشتراكية العظمى) والسودان (ذات نزعة إشتراكية عروبية وكان الحزب الحاكم في عهد نميري إسمه الإتحاد الإشتراكي) مع إضافة اليمن إلى هذا الخط فهي ذات نزعة إشتراكية عروبية معادية معظم الوقت للخط الاول الرأسمالي السلفي.

الخط الثالث: المغرب العربي “لبرالي في المجمل تحت الرعاية الفرنسية” مع تمايز ات مقدارية بين اقطاره.. يتميز الآن بالتماسك النسبي . ويتكون من تونس والجزائر والمغرب العربي وموريتانيا.

الخط الرابع: مجمل أفريقيا “تحرري/إشتراكي/بان أفركان متحالف مع الخط الثاني “العروبي الإشتراكي” انظر مبادئ الثورة المصرية والإجتماعات واللقاءات التي تمت بين قيادات البان أفركانزم وجمال عبد الناصر والسادات والنميري والقذافي مثلاً. وكان ذلك بدفع ايديولوجي إشتراكي ذاتي او/و تنسيق روسي مباشر.. ونجد في السودان حتى الآن معهد بإسم القائد الأفريقي الإشتراكي المعروف لوممبا يقف جنبا إلى جنب مع رموز عروبية/إشتراكية أخرى كما أن جميع أحزاب البعث العربية ممثلة في السودان بالإضافة إلى الحزب العربي الناصري ويقال أن أقوى أحزاب المنطقة الإشتراكية هو الحزب الشيوعي السوداني.

الخطان الأول والثاني كانا وما زالا في صدام وعداء مفرطين خفيين وعلنيين كل الوقت ضد بعضهما البعض وحتى بعد إنتهاء الحرب الباردة.

الآن بعد إنقضاء عقدين من الزمان ما زال أثر الحرب الباردة يفعل فعله لأن هناك خطة مسبقة بعيدة الأمد جارية التنفيذ. تلك الخطة عندها مبرراتها السياسية والأخلاقية وميزانيتها المرصودة سلفاً بغرض تحييد أو هزيمة الطرف الآخر.

هناك أدب كثيف يعبر عن العداء بين الطرفين واعمال استخباراتية وتجسسية ومؤامرات وحفر للآخر وهناك تغلغات لاجسام شرعية أو غير شرعية كالتيارات السلفية وحركة الإخوان المسلمين مدفوعة من الخط الأول تجاه الخط الثاني والعكس أجسام علمانية وحركات لبرالية واشتراكية جرت في الخفاء والعلن من الخط الثاني تجاه الأول. وهناك ربما اشياء افدح من الظاهر حدثت وتحدث بين الخطين المتصادمين حتى اليوم.. وهناك طبعا التداخلات الموجبة الحتمية بين الشعوب وفق أحكام الضرورة.

وإن أنتهت الحرب الباردة اجرائيا فالصراع على السيطرة في الأقليم الشرق أوسطي كما أفريقيا لم ينتهي وما زال قائماً لان هناك أهداف ودوافع مادية وموضوعية حتمية وما زال ذات الطرفان أمريكا وروسيا يحاولان بشتى السبل الممكنة إعادة تشكيل المنطقة بما يكسبهما أكبر قدر ممكن من المصالح الإقتصادية مع مرعاة أثر اللاعب الجديد القوي “الصين”.

والنتيجة أن العروبية الإشتراكية التي كانت تعمل على الوحدة عبر العنف في البلد الواحد والوحدة عبر التفاوض مع الدول الأخرى تراجعت قوتها وفاعليتها امام ضربات المعسكر الغربي ووكلاءه في المنطقة. و تجلت انجع وسائل المعسكر الغربي في تفتيت حزام الإشتراكية في تصحية النزعات التفصيلية “الدينية والطائفية والعرقية والتاريخية لشعوب المنطقة” بهدف تفكيك الدول والأنظمة. وعندك الطوائف الشيعية/السنية في العراق وتصعيد النزعات العرقية والقبلية في السودان وليبيا واليمن اضافة الى تغلغل الحركة السلفية المعادية للقيم الاشتراكية في كل الخطوط الممكنة وحتى الخط الافريقي المجمل عاني من ذات الشيء وهو ما يفسر الحروب الاهلية في افريقيا وتمدد السلفية التي نجد احدى تجلياتها الان في جماعة بوكوحرام.

ويبدو ان الخطة الأمريكية قد حققت غايتها على الوجه الأكمل عبر وكلائها في الخط الأول السلفي الرأسمالي وهم (الخليج/الأردن/إسرائيل) بينما أضطر الإتحاد السوفيتي الجديد بقيادة بوتين في حلمه إلى إستعادة أمجاد الحرب الباردة للمجيء بجيشه للمنطقة لحماية إحدى أهم حلفاء حزام الإشتراكية “سوريا”. ومصر ليست بعيدة عن العين كونها في إنسجام تاريخي مع الحليف الروسي ولا بد أن نذكر هنا السد العالي وعدد من المشروعات الإقتصادية الحيوية في مصر تمت بتعاون روسي وأن الجيش المصري حتى الآن وبعد أكثر من ثلاثين عاما من إتفاقية كامب ديفد ما زال تسليحه في الاساس روسيا.

الرأسمالية الغربية نجحت في تصحية النزعات التفصيلية في الكتلة الواحدة “الدولة” مما قاد إلى سؤال الهوية “من أنا، من نحن، من أنتم من هم” في الخط الثاني “العروبي/الإشتراكي”.

في الماضي كانت الإشتراكية والعروبة هي الآيدولوجيا المعبرة عن أحلام وأشواق وآمال غالبية الناس في التحرر والإستقرار والوحدة والرفاهية “انظر الشعوب الواقعة تحت الخط الثاني”. وقلنا ان العروبة هنا آيديولوجيا وليست بالضرورة عرق وقد ضمت تحت لوائها بمحتوياتها الإشتراكية: العرب والعجم والكرد والنوبة والسنة والشيعة والمسلم والمسيحي والملحد.

تراجع الإشتراكية والخطوط الفاعلة التي تمثلها هو السبب الجوهري في تفكك معظم دول الخط الثاني والخطة عمرها هو عمر الحرب الباردة!.

إعادة تشكيل المنطقة من جديد أمر حتمي ولا بد أن يحدث نسبة لإنتهاء الحرب الباردة وتراجع الوعي العروبي الإشتراكي. كون الناس ربما شعروا في الحقيقة أو الوهم أن مصالحهم الذاتية تتحقق بشكل أفضل “من وجهة نظرهم” عبر الإندغام مع هوياتهم الخاصة في حل عن أي آيدولوجيا كلية أو دولة يرونها تضطهد حقوقهم المادية والمعنوية.. لقد هزمت أو تلاشت الدعوات الكلية الجامعة المتكأة على الإشتراكية/العروبية وأصبح فراغ الهوية الكلية سيد الأفق!.

وأرى أنه كي نستطيع الخروج من المأزق التاريخي لا بد من البحث عن صيغة جديدة للدولة لا تتكئ على هوية كلية مثل العروبة أو الإسلام ولا هوية جزئية كالقبيلة أو الطائفة.. دولة الهوية فشلت أمام اعيننا!.

لا بد أن نفكر في طريقة جديدة للدولة.. دولة بلا هوية كلية ولا جزئية (بلا هوية مطلقا) وإنما فقط عقد إجتماعي يقوم على رعاية المصلحة المادية والمعنوية للناس وفيما بينهم والكل يملك هويته الخاصة كما يشاء في حيزه الجغرافي “الدولة”، وكحق أصيل مثله والطعام لكن لا أكثر من ذلك، أي لا قداسة للهوية.!.

أرجو هنا أن ألفت الإنتباه من جديد إلى رأيي الخاص الذي طال ما كررته لمن يقرأني من الناس أن (فصل الدين عن الدولة) يظل مفهوماً قاصرأً والأصح عندي فصل الدولة عن الهوية.

إذ أن الفهم العلماني السائد عن “فصل الدين عن الدولة أو السياسة أو كليهما” مضلل في السياق التاريخي لمجتمعاتنا الشرقية والصحيح فصل الدولة عن الهويات كلها لا الدين وحده. فصل الدولة عن الدين والعرق والتاريخ.

مفهوم فصل الدين عن الدولة صحيح في مرحلة التطور الغربية فقط بحيث ان دولة المواطنة في الغرب متحققة بالفعل في عين الوجود على أسس محسومة تجاه العرق والتاريخ حينما صعد سؤال الدين. إذ كانت دولة لا عرقية ولا تاريخية دولة عقد اجتماعي: دولة المواطنة في حيزها الجغرافي والإداري ولو قامت في البدء على عرق واحد، لا يهم!.

اما نحن في الشرق فما نزال نعيش عهد الدولة التاريخية ذات الدين الواحد والعرق الواحد والتاريخ الواحد بل الأسرة الواحدة المالكة/الحاكمة فقط بدرجات مختلفة بين دولة وأخرى لكن الامر واحد. تلك كانت على الدوام الصيغة الوحيدة لدولة التاريخ القديم في كل أنحاء العالم وبلا استثناء.. مثل هذه الدولة لم يعد يسعها أفق الإنسانية في عصرنا الراهن ولا تستطيع النهوض بمجتمعاتها التي أصبحت أكثر تعقيدا من ماضيها ! .

الآن نرى باعيننا مثلا في سوريا ومصر والإمارات والمغرب أن الدين مفصول عن الدولة إلى حدود معقولة لكن العلة قائمة!.
كون الدولة في كل من الحالات المذكورة غير مفصولة عن العرق (سوريا العربية، جمهورية مصر العربية والامارات العربية المتحدة والمغرب العربي على سبيل المثال). السؤال ما الحاجة الان لتعريف الدولة باسم عرقها الحقيقي أو المتصور؟. في الماضي كان الهدف الوحدة في أمة واحدة ذات دين واحد وعرق واحد غالب.. هذه الدعوة تلاشت عمليا.. وحلت محلها الآن هويات تفصيلية.. سيكون من الخطأ الجسيم غض الطرف عنها كون ذلك سيقود حتما إلى مزيد من التفتت والاضعاف السياسي والاقتصادي للدولة الواحدة في ذاتها والمجتمع الواحد في ذاته والاقليم في كليته.. الواقع الآن يحدثنا بذلك!.

أعني ان اي دعوة بإرجاع الدولة الي عرق أو جهة محددة “العربية او الأفريقانية او النوبية/الفرعونية مثلا” كله وجب أن يكون مرفوضاً مثله والمرجعية الدينية. الدولة وجب أن تكون مفصولة عن العرق والا فإن النتيجة ذاتها تكون مثلها و الدولة الدينية منحازة إلى نخبة العرق المحدد فعليا ورمزيا او كما يحدث الآن في ارض الواقع بوعي منا أو لا وعي.

كما وجب أيضا فصل الدولة عن التاريخ (مافيش مفترض حاجة اسمها مصر فرعونية أو قبطية او السودان كوشي/نوبي أو العراق اشوري مثلا، كله خطأ). بناء هوية للدولة على اساس من انجازات التاريخ (الحضارات السابقة) أيضا قد يتضمر الإقصاء لجماعات قد لا تشملها الحضارة التاريخية أو هي لا تشعر بذلك.

كما أن الفخر بالحضارات السابقة يعتمل تمييز مسبق ضد البشر الآخرين!. الحضارات السابقة كلها ومهما كانت وجب ان ينظر لها كإرث إنساني مطلق لا شي غير ذلك من حيث الرمز ويستفاد منها في الاقتصاد والسياحة والتاريخ والعلم. والإنسان هو الانسان بحضارة سابقة أو راهنة أو بلا حضارة في الحقيقة أو الوهم.. الانسان انسان وجب أن يكون مساو في الحقوق والواجبات.. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول بذلك وهو من أخص مبادىء الإنسانية كما المواطنة السوية!.

الدولة وجب أن تكون محايدة تماماً تجاه الدين والعرق والتاريخ وتلك هي العناصر الأولية للهوية المطلقة. أي شكل من أشكال الهوية يتم تبنيه بواسطة الدولة يتضمر بالضرورة قدرا صغيرا أو كبيرا من الإقصاء للآخر من المواطنين مما يجعلنا نعيش دائرة شريرة غير منتهية من نزاع الذات.

الدولة العصرية التي تستطيع أن تسعنا جميعا في سلام بكل تنوعنا المحتمل في المقدار والنوع وجب أن تكون “دولة اللا هوية”. دولة محايدة عن الهويات المجتمعية دولة المواطنة دولة العقد الاجتماعي دولة العيش السلمي المشترك فحسب. تلك هي الصيغة الجديدة التي أتمنى أن نفكر فيها بجدية!.

والناس تمارس هوياتها الذاتية في الفضاء الاجتماعي كما تشاء وفي حرية تامة.

ربما كان ذلك خياراً غير مفكر به من الأغلبية وصعباً عند البعض وربما يبدو معقداً حين النظر إليه أول وهلة لكنه عندي هو حتمية الواقع المشبع بالألم والدم كون الناس في زمن اللا عدالة تستخدم هوياتها الخاصة في حربها مع هوية الدولة المنحازة بالضرورة مهما ادعت الحياد!.

أرى أنه كي ينحل ويتحلل التناقض الفظ القائم في ارض الواقع لا بد أن تقوم الدولة على مبدأ “اللا هوية” وبصورة أكثر الحاحا في الخط الثاني “الخط الإشتراكي تاريخياً”.

كون الخط الأول ما يزال على المستوى السياسي والآيديولوجي متماسك إلى حد معقول ولو موقت على أسس الدولة التاريخية ذات الهوية الواحدة وتحت الحراسة الامريكية المكلفة. وهي بعد دولة لا مستقبل لها، وأتوقع أن دول الخليج ستقتفي كقسرية تاريخية أثر الملكيات الأوروبية الغربية أي انها ستتحول عاجلاً أم آجلاً إلى ملكيات دستورية إن نفدت من الموت الذي قد تحتمه لحظة التشكل الجديدة !.

هنا دعوة للنقاش الحر حول استحداث صيغة جديدة للدولة العصرية في عالمنا المعاصر.. دولة اللاهوية: كيف نأسس لها ثقافتها واطرها القانوية ونجعلها واقعا معاشا!.. وذلك على أمل أن نحقق القدر المطلوب من أجواء العيش السلمي المشترك لنا ولأجيالنا المقبلة ولمصلحة الجميع.

الأجيال الجديدة (في زمان العولمة هذا) منوعة الحاجيات والخيال بدرجة لا مثيل لها في التاريخ.. يمكن أن تلمس ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي.. هذا التنوع الكثيف يتطلب صيغة دولة جديدة محايدة تجاه أذواق وهويات الناس الذاتية والجماعية.. إنها دعوة مني للنقاش الحر!.

محمد جمال الدين .. لاهاي/هولندا

[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. اتابع هذة الانواع من الافكر بقدر الامكان. واشارك بى الاتى

    نخبة السودان تراكم الفشل و صناعة الاوهام
    “عبد،فلاتى،ودعرب،ودبلد”

    مرمى هذه السطور هى محاولة لرصد بعض الاوهام التى زرعتها الصفوة السودانية من فترة التحضير للاستقلال ( فترة ما قبل وبعد تكوين مؤتمر الخريجين) مرورا بفترة استلام السلطة وادارة الدولة الموروثة من الحكم الثنائى الى يومنا هذا. يتعامل الناس مع هذه الاوهام والشعارات حتى الان وكانها ثوابت يقينية مقدسة يجب فقط الايمان بها دون تفكير وتفاكر والا تكون قد كفرت.
    هدف هذة السطور فى اى حال من الاحوال هو ليس ايجاد مذنبين لفشل السودان او الدعوة للسب والتجريح لتلك او هذة النخبة والاستكانة من بعد ذلك. بل هى دعوة الى عدم تغييب العقل والمنطق والابتعاد عن الثوابت اليقينية العاطفية وعن قداسة الافراد, الطوائف والايدولجيات عند محاولة فهم اسباب دوامة فشل النخبة السودانية لبناء دولة على اساس الوطن والمواطنة حتى هذة اللحظة.
    اهم ما نصبو له بهذة المشاركة هو البدء لتكوين عقل جمعى لا يتقبل المعلومات (قديمة كانت او جديدة) على ظاهر باطن دون تمحيص وتشخيص والابتعاد عن ترديد شعارات و مفاهيم لا ينطبق عليها المنطق.
    وهم كفاح النخبة المتغردنة (خريجى كلية غردون) وقادةالطوائف لنيل الاستقلال
    معظم الدول التى نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن ذلك فى المقام الاول نتيجة لنضال تلك الشعوب او نخبتها ضد المستعمر. مقاومة الاستعمار ومناهضتة برغم انها كانت فى بعض الدول عنيفة وذو طابع شرس ومفعمة بالتضحيات مع كل هذا لم يكن ذلك دائمأ السبب الرئيسى اوالوحيد الذى اجبر مثلأ بريطانيا وفرنسا للتخلى عن الحكم المباشر لمستعمراتها.
    الاتفاق او التفاهم الذى حدث عام 1941 بين رئس وزراء بريطانيا شيرشل و رئس الولايات المتحدة الامريكية روزفلت هو السبب الاساسى والرئسى الذى ادى الى نيل معظم الدول استقلالها. اهم اهداف تلك الوثيقة (وثيقة التحالف الاطلسى) كان هو بناء نظام عالمى جديد يراعى مصالح القوة العظمة الصاعدة حينذاك (الولايات المتحدة و روسيا). اهم بنود تلك الوثيقة: نبذ التوسع الإقليمي، المساواة في فرص التجارة العالمية و الحصول على المواد الخام، ونبذ استخدام القوة، وتقرير المصير للشعوب. بعد فوز القوى العظمى الجديدة على المانيا فى “الحرب العالمية الثانية” ما كان بمقدور بريطانيا و فرنسا الا الرضوخ لمطلبات العصر الجديد ولأسيما ان فرنسا كانت بالفعل قد سقطت في يد المانيا وبريطانيا كادت ان تسقط. هذة الحقيقة التاريخية دون الخوض فى تفاصيلها، تعنى بكل بساطة ظهور قوة عالمية عظمة جديدة تريد ان تضمن حقها من “الكعكة” وان الاستعمار لم ينتهى بل سوف يلبس ثوبا جديدا، مواكب للتطورات العالمية ولن تكون هناك حوجة للاستعمار المباشر لضمان تدفق الموارد من المستعمرات. فبدات بعد ذلك حقبة عرفت بالاستعمار الجديد .(New Colonialism)من يعتقد استبدال الحكام الانجليز، الفرنسيين او غيرهم بابناء المنطقة، النهاية المطلقة لحقبة الاستعمار فاما هو ضحية للعاطفة الوطنية الغير واعية لما يجري حولها اوجزء من المنظومة الحاكمة التى لايهمها شئ غير مصالحها الشخصية الضيقة جدا.
    نعيش الان فى عهد العولمة إستعمارا جديدا ملائما “للجيوسياسية” الحالية واسمية “إستعمار ما بعد الحداثة” (Postmodern Colonialism).
    استقلال السودان لأيخرج عن سياق تبعيات النظام العالمى الجديد وتحقيق لى اهداف وثيقة عام 1941 ولم يكن على كل حال بفضل نخبة قادة كفاح وطنى مسلح كما حصل إبان الثورة المهدية.
    هناك اتفاق جمعى تلقائى غير مكتوب بين معظم نخبة السودان للمبالغة فى تعظيم دور قادة استلام السلطة من الحكم الثنائى، مما خلق قداسة وهمية حولهم. تداعيات هذا الوهم جعلت الاجيال المتتالية عاجزة عن كشف الاخطاء الجزرية التى وقعت فيها تلك النخبة. فبدلا من كشف هذة الاخطاء تعمقت وتفننت فيها كل النخب اللاحقة, حاكمة كانت او معارضة وزادو الطين بله. وبهذا وضعوا طريقا لايؤدى مهما طال الزمن وزاد الالم إلا للفشل.
    اكبر خطاء قاتل ومعشعش قى اعماق نخب السابق والحاضر, هو وهم استلامهم وطن (حَدَادِى مَدَادِي) وامة سودانية جاهزه من الانجليز وما عليهم إلا استلام السلطة والتناقس فى الحكم والثروة. الاوطان والامم لا تورث من مستعمرين بل على النخب المعنية بنايتها . الابداع فى صناعة الشعارات العاطفية وخداع قادة اهل الجنوب وتخديرهم بوعود كاذبة فى سياستهم المفعمة بمنطق ( رزق اليوم باليوم) حفظت لهم السلطة الى يومنا هذا ولاكن ادت الى ضياع الجنوب والى وضع هش قابل للانفجار الكامل فى اى لحظة.

    الوطن والمواطنة ضحية لوهم الهوية العربية والمصالح الشخصية
    لجات بريطانيا الى استراتيجية شراء ذمم شيوخ القبائل وقادة الطوائف لكى تكون يدهم الخفية فى اشباع مصالحهم الخاصة وللهيمنة الامنية والسيطرة الاقتصاية والسياسية. هذة الاسترتيجية طورها البارون البريطانى فريدريك لوقارد وطبقتها بريطانيا لاول مرة قى نيجريا واتت اكلها وبداء تطبيقها كل ما امكن فى معظم المستعمرات البريطانية. سميت هذة الاستراتيجية باسترتيجية الادارات الاهلية.
    السيد عبدالرحمن المهدى الذى كان يعيش مع اسرته حياة بسيطة ومتواضعة بحى العباسية فى امدرمان, كان من اكبر المستفيدين من استراتيجية الادارات الاهلية. اذ سمح له الانجليز بزراعة القطن فى اراضى شاسعة من مشروع الجزيرة مما مكنهه من جمع ثروات طائلة على حساب اتباعة فى الجزيرة، اللذين كانوا يعيشون ويعملون فى تلك المزارع فى حالة اشبة بالعبودية اوالاقطاعية الحادة. وبالضرورة كان الانجليز هم المستثمرين والمشترين لهذا القطن الذى كان يصدر معظمة الى بريطانيا. سياسة فيد واستفيد هذة، جعلت عبدالرحمن المهدى رجل بريطانيا الاول فى السودان.
    والد على الميرغنى زعيم الطائفة الختمية كان قد هرب الى مصر بعد هزيمته على يد المهدية فلحق على الميرغنى بأبيه فى مصر. عاد على الميرغنى الى السودان مساعدا للغزاة الانجليز فى القضاء على دولة المهدية وفى السيطرة على السكان المحليين. كرد للجميل هذا منحهه الانجليز كثيرمن الالقاب والاوسمة واصبح بذلك اقوى قادة الادارات الاهلية واشهر زعيم طائفى لتلك الحقبة. عندما حان اوان خروج الانجليز، تقربوا الى عبدالرحمن المهدى اكثر من على الميرغنى لانهم يعلمون علاقة الاخير بمصر امتن من الاول وهم لايريدون ان يتبع السودان مصر بعد خروجهم. كرد فعل لهذة العلاقة الجديدة بين ال المهدى والانجليز توجه على الميرغنى بكل ثقله نحو مصر وصار اكبر دعاة الوحدة مع مصر وحامى حماة المصالح المصرية فى السودان. بالمقابل وجد زعيم الختمية دعم مصرى فى كل المحافل واهديا قصرا فخما بالاسكندرية، حسب علمى هذا القصرمازال موجودا حتى اليوم. ذلك الدعم المصرى وبالذات المادى لم يقتصر فقط على ال الميرغنى بل شمل ايضا تلك النخبة الت كانت على صلة بمصر ومشبعة حتى النخاع بهاجس العروبة (اسماعيل الازهرى ورفاقة). ونتيجة لهذا الدعم المصرى تكونت كل الاحزاب والحركات السياسية التي تدعو إلى الوحدة بين مصر والسودان. هذة الأحزاب مازالت تحافظ فى أسمائها على كلمة “الاتحادى” حتى يومنا هذا .!!! هل مازالوا يؤمنون بان يتبع السودان يوما ما مصر ام فقط يريدو ان يقولو مهما طال الزمن “العين لا تعلو على الحاجب”؟!!!
    الدعم الذى توفر لهاتين الطائفتين من القوة الاستعمارية مكنها او ساعدها من حشد وتاسيس قواعد شعبية قائمة على الولاء الديني والتبعية العمياء. هذه القواعد يتم استغلالها دوما فى المناورات السياسية ليكونوا على راس السلطة او على الاقل لضمان المال والجاه لاغير.
    اذا تمعنت بعيدا عن الولاء الاعماء وتحررت من العاطفة والشعارات الخادعة وتسالت عن الكيفية التى تم بها تأسيس هاتين الطائفتين وكيفية تعامل وخنوع قادتها للقوة المستعمرة، لادركت انهم كانو بعيدا جدا، عن تاسيس وطن او تحرير شعب او جلب العيش الكريم على الاقل لمن يتبعهم حتى الموت.
    خنوع وولاء قادة طائفتى الانصار والختمية للمستعمر تظهر بوضوح وبدون رتوش خلال زيارتهم لقصر المستعمر عام 1919 فى لندن. خطاب زعيم طائفة الختمية اظهر خنوعه مستخدما العبارات الاتية فى نهاية خطابه الموجة للملك جورج الخامس: (واخيرا نقدم وبكل تواضع لعرش جلالَتِكم كامل ولائنا وخضوعنا). اما خطاب زعيم الانصار كان اوضح فى منافسته لخضوع السيد على الميرغنى حيث جاء فى خطابه الذى تم نشرهه من قبل احد الناشطين:
    (يا جلالةَ المَلِك، أنتهِزُ هذه السانِحة الكريمة لأضع فى يَدىِّ جلالتِكُم هذا السَيْف التاريخي، “سيفُ النصر”، الذى كانَ عِندَ وآلدِى، كعربونٍ حقيقى للوَلاءِ والخُضُوع لمَقامِ عرشِكُم السَامِى. وأعدّ نقل هذا السيف لجلالتِكُم دليلاً قاطِعاً ومُطلقَا لرَغْبتِى فى أنْ تعتبِرُونِى أنا وأتباعِى فى السودان خدَّامَاً مُطِيِعين لكم. لقد أظهَرْتُ، ولسنواتٍ بعد إعادة إحتلالِ السودان، لرِجالِكم العاملين فى السودان وبطُرِقٍ مُختلفة خدماتى وكامِل وَلَائِى. وهنالك الكثير من أفرادِ شعبى الذين ينتظِرُونَ عودَتِى عقبَ مُقابلتِى لجَلالَتِكُم ظافِراً بكريمِ عَطْفِكم، ويتمّنُونَ أنْ يكونُوا من ضمنِ رَعايَاكُم المُخْلِصِين. وأنا الآنَ أعرِضُ على جلالَتِكم خدَمَاتِى المُخلِصَةُ والمُتواضِعَة).
    لو حللنا موقف هولاء الزعماء وعلاقتهم بالمستعمر فى الماضى وممارسة وارثيهم الحالية داخل طوائفهم او احزابهم لادركنا جليا بعدهم عن مفهوم الوطن والمواطنة وحقوق الانسان والفرد. هم مازال يعولون على الولاء الاعمى والمصالح الذاتية لبعض قادتها ويستغلون العامة من مريديهم، بل يتركونهم حتى يومنا هذا بتقبيل ايديهم او حتى رجولهم.
    اما معظم بقية النخبة المتغردنه او الاكاديمية لم تكن اوفرا حظا من قادة الطوائف فى ما يتعلق بمفوهم الوطن والمواطنة، التى تكفل للجميع الحرية والحقوق الأساسية، لذا تخلى معظمهم من احزابهم ومجموعاتهم الذى كان قد اسسوها وانضمو للطائفتين بحثا عن الجاه والسلطة. وبهذا اكتملت الدائرة ومن حينها الى يومنا هذا تتنازع النخبة السودانية على السلطة والثروة واشباع طموحاتها الشخصية ويرافق ذلك انتاج شعارات خادعة ومخدرة بعيدة عن جزور الازمة وهموم العامة.
    اذا تمعنا ممارسات اهم شخصيات حزب الاشقاء (اسماعيل الازهرى، خضر حمد، على عبدالرحمن الامين) ومحمد احمد المحجوب (حزب الامة) بعيدا عن ما يردودوه من شعارات لوجدنا ان اولياتهم تكمن فى كيفية الوصول الى السلطة والحكم وبالتالى لصنع القرار وتقرير المصير لبقية سكان السودان دون ان تكون لهم رؤيه واضحة عن ماذا ورثوا من الحكم الثنائي غير السلطة. لم يسالو انفسهم حتى من هم سكان تلك المساحة الشاسعة التى سوف يرثوها؟ هل هم شعب واحد ام امة واحدة؟ ام ماذا؟. عدم وجود او التركيز على مثل هذا النوع من الاسئلة ادى الى غياب الرؤية الاستراتيجية السليمة لبناء السودان الوطن.
    سال ديقول اسماعيل الازهرى عندما قابله فى مصر عام 1944، هل السودان امة واحدة؟ فرد الازهرى قائلا نعم “السودان امة واحدة”!!! مثل هذا النوع من الرد يكفى فقط كشعار لى استلام السلطة ولاكن يحتاج لى كثير من العمل الجاد لبناء هذة الامة التى فى حقيقة الامر غير موجودة. الاستعمار لا يبنى امم.
    مفهوم الامة السودانية الواحدة عند الازهري، سرعان ما يبهت فى خضم مناوراته السياسية، بالذات عندما قال خلال مؤتمر المائدة المستديرة حول مشكلة الجنوب: (اشعر فى هذة المرحلة الحاسمة بانه يجب على ان اعلن اعتزازى باصلنا العربى، وبعروبتنا وباسلامنا…..).
    خضرحمد عمر الذى كان يعمل بجامعة الدول العربية، كان من اهم احلامه هو ضم السودان لجامعة الدول العربية. لتحقيق هذا الحلم ، قام بزيارات عديدة الى الدول العربية لى اقناعهم بعروبة السودان. وشاطروه هذا الحلم عضوء حزبة على عبدالرحمن الامين، الذى كان يقول “انا عروبي” وناضل باستماتة من اجل الهوية العروبية للسودان.
    الاصرار والرغبة الجامحة ل اثبات العروبة التى كانت تقابل بالرفض والسخرية لدى معظم العرب، عمت النخبة من القاء نظرة شاملة لمكونات الشعب السودانى و خلقت لهم عقد نفسية وتصدع ذاتهم وتصدو لكل شئ حتى ولو فى انفسهم او فى اى فئة سودانية اخرى تدل على افريقية السودان. ماسي وسلبيات اثبات العروبة وما تبعة من ذلك من ازمة نفسية ورفض الافرقانية عند النخبة السودانية المستعربة تتجلى فى معارك خضر حمد اثناء حج 1954 عندما كان هو امير الحجاج السودانيين وشغلة الشاغل اثبات عروبتة ونكران “الاخرين” واعتبراهم غير سودانيين.
    قال خضر حمد: (* رغم كل ما عمل وبذل من جهد، لقد كانت لفظة (التكارنة) نسمعها في كل مكان، كما نسمع التكارنة يقال عنهم (سودانيين) * كانت هذه المسألة شغلي الشاغل وكنت أحاول في كل مكان وكل حديث ومع كل صحفي أن أوضح الفرق بيننا وبين التكارنة، وأشرح لهم عروبتنا. ولكن كان عدد الحجاج السودانيين ستة آلاف بينما كان عدد القادمين عن طريق السودان ويحملون جوازات سفر حجاج سودانية يبلغون العشرين ألفاً..)
    لللحج مقاصد واهداف نبيلة من المفروض ان يتجمع فية كل المسلمين كاخوة بغض النظر عن كل شئ اخر. ولاكن تمعن فى اى حالة نفسية يجب ان تكون ليكون شغلك الشاغل اثناء فريضة الحج هو شرح اثبات عروبتك بدلا من شرح ان احد مقاصد الحج هو تثبيت “الأخوّة الإسلامية” على الاقل كرد للفظ “التكارنة”. ازمة خضر حمد تكمن فى انه كان سوف يوصف بالتكرونى حتى لو كان هو السودانى الوحيد فى ذلك الحج. فمن الصعب عليه اخفاء العنصر الافريقى الممتمثل فى لون بشرته او تقاطيع وجهه المزين بالشلوخ. كتعويض، وجد ضالته فى نكران سودانية عشرين الف حاملى اوراق سودانية ليشبع متطلبات مركب نقصه وايجاد مزنبين لفشله الزريع “لشرح” عروبته.
    سلوك انكار سودانية بعض المواطنين او مجموعات باكملها، لاتعود فقط ، لمشكلة الهوية العربية، بل للاتى ايضا:
    النخب والنخبة الحاكمة تنسى و تتجاهل دايمأ من هو الذى وضع هذة الحدود الذى تدعى الان بالدول او الاوطان الافريقية. تم صنع هذة الدول التي يتمسك بها البعض منا بعصبية عمياْء، فى مؤتمر برلين- افريقيا عام 1884 بحضور 12 دولة اوربية و امريكا و تركيا. الهدف الاساسى من ذاك المؤتمر, هو توزيع الدول الافريقية بينهم و حسب مصالحهم الخاصة. معظم الشعوب والقبائل وجدت نفسها فجاة موزعة فى بلدان عديدة، نتيجة لحدود ليس لهم فيها ناقة او جمل. بدلا من وضع استراتيجية موضوعية لمواجهة هذا التحدى، ووضع ترتيبات تسمح لتلك الشعوب التحرك بسهولة لتلبية حوائجهم الاقتصادية والاجتماعية، يستقل هذا الوضع للاسف بغباء تام ومتناقض تماما لمفهوم المواطنة. لذا كثير ما تسمع فلان “حبشى” وعلان “بقايه اتراك” او عبارة “ديل اصلهم ما سودانين” . هنا لا بد من ذكر مفارقتين، عسى ولعل تساعد فى فضح هذا الخبل:
    * هناك كثير ممن يجهرون بان جدهم العباس او اصولهم من الجزيرة العربية، وفى نفس اللحظة لا يترددون ثانية، بمطالبة غيرهم بالعودة الى نيجريا او الى حيث ما اتوا.
    * دول اوربا التى رسمت حدود الدول الافريقية تعمل جاهدة لازالتها فيما بينها. لانهم فهموا، التمسك بالحدود لا يعوق فقط النمو الاقتصادى، بل يعوق ايضا فكرة الوحدة الاوربية ويصعب تداخل الشعوب على بعضها البعض.
    ﻣﺣﻣﺩ ﺍﺣﻣﺩ ﻣﺣﺟﻭﺏ من اشهر المحامين في زمانه بداء عمله السياسي مستقلا حتى اتت له فرصة ذهبية جعلت منه زعيم المعارضة عام 1956، دون ان يكون عضو فى حزب الامة. فسرعان ما اثبت فى نهاية الامر بانه ليس احسن حالا عن بقية النخبة النافذة فيما يتعلق بالرؤية الواضحة من بناء دولة المواطنة، بعيدا عن الشجون الخاصة وحب الاضواء، فانضم الى حزب الامة ووجد مسرحا لى اِظهار مقدراته الخطابية. اسلوبة فى التقرب الى زعماء طائفة الانصار واسلوب ادارته لصراعه الشهير مع الصادق المهدى فى الزعامة السياسية للحزب، هى مؤشر للتناقض بين الممارسة والشعارات (شعارات الوطنية والديمقراطية).
    جسد الاستاذ محمد احمد المحجوب نفسه بامتياز كمفكر، كسياسي وشاعر بانيا هذا الصرح الشخصي على اساس انه عربي اصيل ومجيد للغة العربية ومبهورا بالتاريخ العربي. اجادته وحبة للغة ليس جذور لمشكلة ما او سبب لفشل ما، لاكن امتطاط هذة الملكة والموهبة لاشباع نفسية مرتبكة تجاه العروبة تطفوا الى السطح فى ممارسته، كتابته او احاديثه. فمثلا كتب عن حسن ملك المغرب:
    (يعد الملك الحسن الثانى، من القلة وسط الزعماء العرب، اللذين يجيدون اللغة العربية. ولانى شاعر، فاننى وبصفة خاصة اقدر اجادته للغة العربية. سالته مرة، بعد نهاية مؤتمر، عن الطريقة التى تمكن بها اجادة اللغة. اخبرنى، بانه بعد عودته من الدراسة فى باريس، احضر له والده الملك محمد الخامس معلمين من جامعة القرويين بالقرب من فاس، اجلسوه على الحصيرة وعلموه القانون الاسلامى واللغة العربية. (رحم الله روح والدك) قلت معلقا: لقد منحك كنزا اوجب عليك وعلينا ان نشكره عليه.) بدا الملك محتارا وسالنى ( اعلم بانه يجب على شكره، ولكن لماذا يجب عليكم؟) اجبته ( على الاقل، لم نتعرض للغة عربية ركيكة النحو لبعض الوقت فى المؤتمر. اؤكد لجلالتكم بان ذلك يعد نعمة من اللة) وابتسم ولم يعلق . لتعضيض مدى حمايته للغة كان يسخر من اعضاء البرلمان السودانى اللذين يتحدثون عربية ركيكة، متناسيا ان اللغة العربية لست اللغة الام لمعظم السودانيين.
    معظم النخبة المتغردنة واسياد الطوائف الكبرى (امة وختمية) ورغم صراعهم الحاد من اجل السلطة والثروة، اتفقوا على شئ واحد “انهم عرب وان السودان دون شك دولة عربية”. تترجمت هذة الشجون العروبية بضم السودان لجامعة الدول العربية بعد اسبوعين تقريبا بعد اعلان الاستقلال. بهذا يكون السودان اسرع دولة انضمت الى جامعة الدول العربية بعد استقلالها. هذة دلالة واضحة لمدى تعمق هاجس العروبة وفكرة العرق فى ظواهر وبواطن معظم النخبة السودانية الماسكة لزمام الامور فى السودان. هذة النزعة العروبية المروية باستعلاء وهمى للذات، لم تجعلهم فقط يتجاهلون مكونات السودان الاخرى وبل فى كثير من الاحيان يقللون من شان من يصنوفوهم بغيرعرب ويستهزون بهم، تارة لعدم اجادتهم للغة العربية او التشكيك فى سودانيتهم تارة اخرى.
    استقل الانجليز هذا النوع من الصفوة العروبية لمحاربة اشهر الثوارت الوطنية المناهضة للاستعمار، ثورة اللواء الابيض. وقفت معظم النخبة المستعربة واسياد الطوائف ضد حركة ومظاهرات اللواء الابيض المعادية للمستعمر الانجليزى وانعكس ذلك فى المقال الذى تم نشرهه فى احدى صحف ذلك الزمان:
    (اهينت البلاد لم تظاهر اصغر و اوضع رجالها دون ان يكون لهم مركز فى المجتمع بانهم معبرون عن راى الامة. ان الشعب ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ، هولاء هم اصحاب الحق فى الحديث عن البلاد. ومن هو على عبداللطيف الذى اصبح مشهورا والى اية قبيلة ينتمى؟)
    بهذا النوع من المقالات والمماراسات وضعت النخبة السودانية المتسلطة مبكراَ كل العوائق والعثرات التى تمنع قيام او بناء سودان على اساس المواطنة الكاملة للجميع. لكى لا يظهر او يشتهر امثال على عبدالطيف فى المستقبل وضع الانجليز والنخبة العروبيه طريقة اقصائية اساسها القبلية، عند التقديم لدخول الكلية الحربية او كلية الشرطة. هكذا نوع من التحالفات السياسية المبنية على القبلية والعرق لم تمنع فقط بناء السودان الوطن بل خلقت عقد ومركبات نقص لدى معظم الصفوة والمجتمع واتنجت مفردات سامة وقاتلة، القصد منها تقليل الشان والاساء مثل (عبد، فلاتى ،حبشى) ومفردات الاستعلاء الوهمى للذات مثل (ود بلد، ود عرب). ليس هكذا تُبنى الاوطان.
    ومن سخرية القدر تضرر حتى دعاة العروبة امثال اسماعيل الازهرى وغيرة من النخبة النافذة، من سياسات “اللا مواطنة” هذة.
    عندما قام اسماعيل الازهري بنشر مذكراته تعرض لهجوم عنيف من معارضية، يوصفونه بى،… “الفلاتى”،… “ابوالقدح”… (اى حضر الى السسودان محمولا على ظهر امه) وبى.. ” قدودو” (اكلة فى غرب السودان). بهذا ينتمى اسماعيل الازهري الى تلك المجموعة التى عكرت عروبة خضر حمد اثناء حج عام 1954.
    تعرض محمد احمد المحجوب ايضا لبعض الشائعات الى تعمقت للبحث فى اصله الاثنى والطبقى. اذ كان يقال ان والدته من “الرقيق” ووالده من “الشوايقة” وينحدر من طبقة فقيرة جداَ. السائد ان محمد احمد المحجوب من مواليد الدويم (1908) عاش مع عائلة والدته فى امدرمان بحى الهاشماب. بالرغم من عائلة والدته معروفة كعائلة انصارية ولاكن بالرغم من ذلك كان يشاع بان والده “اختفى!” او توفى مبكرا. الاكيد خلفية والده ظلت غير واضحة. انتهى ما يشاع.
    لمحن الزمن، شخصيتين مثل الازهرى والمحجوب يطالهم هذا النوع من الخبل والغوغائيه ،التى هم ليس ببراءة فى التاسيس لها. مع كل ذلك، لا حياة لمن تنادى.
    المعضلة فى جوهرها لا تكمن على اختيار هذة النخبة للعروبة “كهوية” شخصية لهم، بل تكمن فى ان تصرفاتهم تلك، وضعت حجر اساس ادارة الدولة وتداول السلطة على اٌسٌس عرقية، اِثنية وقبلية. افة العرقية هذة وإكسسواراتها، مورست باستمرار، فنمت وعشعشت تقريبا فى اذهان جميع الصفوة والعامة. اخطر واهم ما يميز المنهج العرقى اوالقبلي، هو الركض وراء التميز، تغييب العقل، التعامل بغير موضعية فى مواجهة ابسط الاحداث الخلافية ولأن فى اصلها مبنية على العواطف، يسهل امتطاتها وتعبئتها. هناك امثلة عديدة، على مستوى الدول او المجتمعات، تعلمنا ان هذا النوع من السلوك لا يؤدى الا للدمار والفشل الذريع. الصومال، اليمن، ليبيا، سوريا…….حتى الحرب العالمية الثانية ودمار المانيا حينذاك، كان نتيجة لهوس العرق “الأري” عند هتلر.
    المحبط والمؤسف، هو إن فيروس افة المنهج القبلي متفشية حتى عند معظم قادة وصفوة ، ما يعرف بالحركات المسلحة. اما صفوة دولة جنوب السودان، انفصلوه وحملوا معهم نفس “الفيروس” وكانت المحصلة، فاجعة….
    خلاصة: عدم ادراك النخبة المتسلطة لتبعيات وراثة ارض شاسعة، لم يكن لهم اى دور فى رسم حدودها، غياب التشخيص والتفحيص مع حالة “سيكولوجية” عطشانه دوما للعروبة، شلت عقول معظم الصفوة لخلق او حتى التفكير فى استراتيجية جامعه لى ادارة التنوع السودانى وصارت معرفتهم او تعليمهم فقط قادره لصناعة اوهام وشعارات، لا تعاش فى ارض الواقع. فظل هذا التناقض فيما يقال ويمارس، شئ طبيعى وتلقائى فى كل المجالات (السياسية، الدينية، الاجتماعية….). السودان كوطن يكفل لجميع سكانه الحقوق الاساسية والمواطنة الكاملة لم يتم تاسيسه بعد. انفصال الجنوب والوضع الراهن الهش والفاشل فى كل النواحى، ما هو الا حصاد لذلك.

  2. اتابع هذة الانواع من الافكر بقدر الامكان. واشارك بى الاتى

    نخبة السودان تراكم الفشل و صناعة الاوهام
    “عبد،فلاتى،ودعرب،ودبلد”

    مرمى هذه السطور هى محاولة لرصد بعض الاوهام التى زرعتها الصفوة السودانية من فترة التحضير للاستقلال ( فترة ما قبل وبعد تكوين مؤتمر الخريجين) مرورا بفترة استلام السلطة وادارة الدولة الموروثة من الحكم الثنائى الى يومنا هذا. يتعامل الناس مع هذه الاوهام والشعارات حتى الان وكانها ثوابت يقينية مقدسة يجب فقط الايمان بها دون تفكير وتفاكر والا تكون قد كفرت.
    هدف هذة السطور فى اى حال من الاحوال هو ليس ايجاد مذنبين لفشل السودان او الدعوة للسب والتجريح لتلك او هذة النخبة والاستكانة من بعد ذلك. بل هى دعوة الى عدم تغييب العقل والمنطق والابتعاد عن الثوابت اليقينية العاطفية وعن قداسة الافراد, الطوائف والايدولجيات عند محاولة فهم اسباب دوامة فشل النخبة السودانية لبناء دولة على اساس الوطن والمواطنة حتى هذة اللحظة.
    اهم ما نصبو له بهذة المشاركة هو البدء لتكوين عقل جمعى لا يتقبل المعلومات (قديمة كانت او جديدة) على ظاهر باطن دون تمحيص وتشخيص والابتعاد عن ترديد شعارات و مفاهيم لا ينطبق عليها المنطق.
    وهم كفاح النخبة المتغردنة (خريجى كلية غردون) وقادةالطوائف لنيل الاستقلال
    معظم الدول التى نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن ذلك فى المقام الاول نتيجة لنضال تلك الشعوب او نخبتها ضد المستعمر. مقاومة الاستعمار ومناهضتة برغم انها كانت فى بعض الدول عنيفة وذو طابع شرس ومفعمة بالتضحيات مع كل هذا لم يكن ذلك دائمأ السبب الرئيسى اوالوحيد الذى اجبر مثلأ بريطانيا وفرنسا للتخلى عن الحكم المباشر لمستعمراتها.
    الاتفاق او التفاهم الذى حدث عام 1941 بين رئس وزراء بريطانيا شيرشل و رئس الولايات المتحدة الامريكية روزفلت هو السبب الاساسى والرئسى الذى ادى الى نيل معظم الدول استقلالها. اهم اهداف تلك الوثيقة (وثيقة التحالف الاطلسى) كان هو بناء نظام عالمى جديد يراعى مصالح القوة العظمة الصاعدة حينذاك (الولايات المتحدة و روسيا). اهم بنود تلك الوثيقة: نبذ التوسع الإقليمي، المساواة في فرص التجارة العالمية و الحصول على المواد الخام، ونبذ استخدام القوة، وتقرير المصير للشعوب. بعد فوز القوى العظمى الجديدة على المانيا فى “الحرب العالمية الثانية” ما كان بمقدور بريطانيا و فرنسا الا الرضوخ لمطلبات العصر الجديد ولأسيما ان فرنسا كانت بالفعل قد سقطت في يد المانيا وبريطانيا كادت ان تسقط. هذة الحقيقة التاريخية دون الخوض فى تفاصيلها، تعنى بكل بساطة ظهور قوة عالمية عظمة جديدة تريد ان تضمن حقها من “الكعكة” وان الاستعمار لم ينتهى بل سوف يلبس ثوبا جديدا، مواكب للتطورات العالمية ولن تكون هناك حوجة للاستعمار المباشر لضمان تدفق الموارد من المستعمرات. فبدات بعد ذلك حقبة عرفت بالاستعمار الجديد .(New Colonialism)من يعتقد استبدال الحكام الانجليز، الفرنسيين او غيرهم بابناء المنطقة، النهاية المطلقة لحقبة الاستعمار فاما هو ضحية للعاطفة الوطنية الغير واعية لما يجري حولها اوجزء من المنظومة الحاكمة التى لايهمها شئ غير مصالحها الشخصية الضيقة جدا.
    نعيش الان فى عهد العولمة إستعمارا جديدا ملائما “للجيوسياسية” الحالية واسمية “إستعمار ما بعد الحداثة” (Postmodern Colonialism).
    استقلال السودان لأيخرج عن سياق تبعيات النظام العالمى الجديد وتحقيق لى اهداف وثيقة عام 1941 ولم يكن على كل حال بفضل نخبة قادة كفاح وطنى مسلح كما حصل إبان الثورة المهدية.
    هناك اتفاق جمعى تلقائى غير مكتوب بين معظم نخبة السودان للمبالغة فى تعظيم دور قادة استلام السلطة من الحكم الثنائى، مما خلق قداسة وهمية حولهم. تداعيات هذا الوهم جعلت الاجيال المتتالية عاجزة عن كشف الاخطاء الجزرية التى وقعت فيها تلك النخبة. فبدلا من كشف هذة الاخطاء تعمقت وتفننت فيها كل النخب اللاحقة, حاكمة كانت او معارضة وزادو الطين بله. وبهذا وضعوا طريقا لايؤدى مهما طال الزمن وزاد الالم إلا للفشل.
    اكبر خطاء قاتل ومعشعش قى اعماق نخب السابق والحاضر, هو وهم استلامهم وطن (حَدَادِى مَدَادِي) وامة سودانية جاهزه من الانجليز وما عليهم إلا استلام السلطة والتناقس فى الحكم والثروة. الاوطان والامم لا تورث من مستعمرين بل على النخب المعنية بنايتها . الابداع فى صناعة الشعارات العاطفية وخداع قادة اهل الجنوب وتخديرهم بوعود كاذبة فى سياستهم المفعمة بمنطق ( رزق اليوم باليوم) حفظت لهم السلطة الى يومنا هذا ولاكن ادت الى ضياع الجنوب والى وضع هش قابل للانفجار الكامل فى اى لحظة.

    الوطن والمواطنة ضحية لوهم الهوية العربية والمصالح الشخصية
    لجات بريطانيا الى استراتيجية شراء ذمم شيوخ القبائل وقادة الطوائف لكى تكون يدهم الخفية فى اشباع مصالحهم الخاصة وللهيمنة الامنية والسيطرة الاقتصاية والسياسية. هذة الاسترتيجية طورها البارون البريطانى فريدريك لوقارد وطبقتها بريطانيا لاول مرة قى نيجريا واتت اكلها وبداء تطبيقها كل ما امكن فى معظم المستعمرات البريطانية. سميت هذة الاستراتيجية باسترتيجية الادارات الاهلية.
    السيد عبدالرحمن المهدى الذى كان يعيش مع اسرته حياة بسيطة ومتواضعة بحى العباسية فى امدرمان, كان من اكبر المستفيدين من استراتيجية الادارات الاهلية. اذ سمح له الانجليز بزراعة القطن فى اراضى شاسعة من مشروع الجزيرة مما مكنهه من جمع ثروات طائلة على حساب اتباعة فى الجزيرة، اللذين كانوا يعيشون ويعملون فى تلك المزارع فى حالة اشبة بالعبودية اوالاقطاعية الحادة. وبالضرورة كان الانجليز هم المستثمرين والمشترين لهذا القطن الذى كان يصدر معظمة الى بريطانيا. سياسة فيد واستفيد هذة، جعلت عبدالرحمن المهدى رجل بريطانيا الاول فى السودان.
    والد على الميرغنى زعيم الطائفة الختمية كان قد هرب الى مصر بعد هزيمته على يد المهدية فلحق على الميرغنى بأبيه فى مصر. عاد على الميرغنى الى السودان مساعدا للغزاة الانجليز فى القضاء على دولة المهدية وفى السيطرة على السكان المحليين. كرد للجميل هذا منحهه الانجليز كثيرمن الالقاب والاوسمة واصبح بذلك اقوى قادة الادارات الاهلية واشهر زعيم طائفى لتلك الحقبة. عندما حان اوان خروج الانجليز، تقربوا الى عبدالرحمن المهدى اكثر من على الميرغنى لانهم يعلمون علاقة الاخير بمصر امتن من الاول وهم لايريدون ان يتبع السودان مصر بعد خروجهم. كرد فعل لهذة العلاقة الجديدة بين ال المهدى والانجليز توجه على الميرغنى بكل ثقله نحو مصر وصار اكبر دعاة الوحدة مع مصر وحامى حماة المصالح المصرية فى السودان. بالمقابل وجد زعيم الختمية دعم مصرى فى كل المحافل واهديا قصرا فخما بالاسكندرية، حسب علمى هذا القصرمازال موجودا حتى اليوم. ذلك الدعم المصرى وبالذات المادى لم يقتصر فقط على ال الميرغنى بل شمل ايضا تلك النخبة الت كانت على صلة بمصر ومشبعة حتى النخاع بهاجس العروبة (اسماعيل الازهرى ورفاقة). ونتيجة لهذا الدعم المصرى تكونت كل الاحزاب والحركات السياسية التي تدعو إلى الوحدة بين مصر والسودان. هذة الأحزاب مازالت تحافظ فى أسمائها على كلمة “الاتحادى” حتى يومنا هذا .!!! هل مازالوا يؤمنون بان يتبع السودان يوما ما مصر ام فقط يريدو ان يقولو مهما طال الزمن “العين لا تعلو على الحاجب”؟!!!
    الدعم الذى توفر لهاتين الطائفتين من القوة الاستعمارية مكنها او ساعدها من حشد وتاسيس قواعد شعبية قائمة على الولاء الديني والتبعية العمياء. هذه القواعد يتم استغلالها دوما فى المناورات السياسية ليكونوا على راس السلطة او على الاقل لضمان المال والجاه لاغير.
    اذا تمعنت بعيدا عن الولاء الاعماء وتحررت من العاطفة والشعارات الخادعة وتسالت عن الكيفية التى تم بها تأسيس هاتين الطائفتين وكيفية تعامل وخنوع قادتها للقوة المستعمرة، لادركت انهم كانو بعيدا جدا، عن تاسيس وطن او تحرير شعب او جلب العيش الكريم على الاقل لمن يتبعهم حتى الموت.
    خنوع وولاء قادة طائفتى الانصار والختمية للمستعمر تظهر بوضوح وبدون رتوش خلال زيارتهم لقصر المستعمر عام 1919 فى لندن. خطاب زعيم طائفة الختمية اظهر خنوعه مستخدما العبارات الاتية فى نهاية خطابه الموجة للملك جورج الخامس: (واخيرا نقدم وبكل تواضع لعرش جلالَتِكم كامل ولائنا وخضوعنا). اما خطاب زعيم الانصار كان اوضح فى منافسته لخضوع السيد على الميرغنى حيث جاء فى خطابه الذى تم نشرهه من قبل احد الناشطين:
    (يا جلالةَ المَلِك، أنتهِزُ هذه السانِحة الكريمة لأضع فى يَدىِّ جلالتِكُم هذا السَيْف التاريخي، “سيفُ النصر”، الذى كانَ عِندَ وآلدِى، كعربونٍ حقيقى للوَلاءِ والخُضُوع لمَقامِ عرشِكُم السَامِى. وأعدّ نقل هذا السيف لجلالتِكُم دليلاً قاطِعاً ومُطلقَا لرَغْبتِى فى أنْ تعتبِرُونِى أنا وأتباعِى فى السودان خدَّامَاً مُطِيِعين لكم. لقد أظهَرْتُ، ولسنواتٍ بعد إعادة إحتلالِ السودان، لرِجالِكم العاملين فى السودان وبطُرِقٍ مُختلفة خدماتى وكامِل وَلَائِى. وهنالك الكثير من أفرادِ شعبى الذين ينتظِرُونَ عودَتِى عقبَ مُقابلتِى لجَلالَتِكُم ظافِراً بكريمِ عَطْفِكم، ويتمّنُونَ أنْ يكونُوا من ضمنِ رَعايَاكُم المُخْلِصِين. وأنا الآنَ أعرِضُ على جلالَتِكم خدَمَاتِى المُخلِصَةُ والمُتواضِعَة).
    لو حللنا موقف هولاء الزعماء وعلاقتهم بالمستعمر فى الماضى وممارسة وارثيهم الحالية داخل طوائفهم او احزابهم لادركنا جليا بعدهم عن مفهوم الوطن والمواطنة وحقوق الانسان والفرد. هم مازال يعولون على الولاء الاعمى والمصالح الذاتية لبعض قادتها ويستغلون العامة من مريديهم، بل يتركونهم حتى يومنا هذا بتقبيل ايديهم او حتى رجولهم.
    اما معظم بقية النخبة المتغردنه او الاكاديمية لم تكن اوفرا حظا من قادة الطوائف فى ما يتعلق بمفوهم الوطن والمواطنة، التى تكفل للجميع الحرية والحقوق الأساسية، لذا تخلى معظمهم من احزابهم ومجموعاتهم الذى كان قد اسسوها وانضمو للطائفتين بحثا عن الجاه والسلطة. وبهذا اكتملت الدائرة ومن حينها الى يومنا هذا تتنازع النخبة السودانية على السلطة والثروة واشباع طموحاتها الشخصية ويرافق ذلك انتاج شعارات خادعة ومخدرة بعيدة عن جزور الازمة وهموم العامة.
    اذا تمعنا ممارسات اهم شخصيات حزب الاشقاء (اسماعيل الازهرى، خضر حمد، على عبدالرحمن الامين) ومحمد احمد المحجوب (حزب الامة) بعيدا عن ما يردودوه من شعارات لوجدنا ان اولياتهم تكمن فى كيفية الوصول الى السلطة والحكم وبالتالى لصنع القرار وتقرير المصير لبقية سكان السودان دون ان تكون لهم رؤيه واضحة عن ماذا ورثوا من الحكم الثنائي غير السلطة. لم يسالو انفسهم حتى من هم سكان تلك المساحة الشاسعة التى سوف يرثوها؟ هل هم شعب واحد ام امة واحدة؟ ام ماذا؟. عدم وجود او التركيز على مثل هذا النوع من الاسئلة ادى الى غياب الرؤية الاستراتيجية السليمة لبناء السودان الوطن.
    سال ديقول اسماعيل الازهرى عندما قابله فى مصر عام 1944، هل السودان امة واحدة؟ فرد الازهرى قائلا نعم “السودان امة واحدة”!!! مثل هذا النوع من الرد يكفى فقط كشعار لى استلام السلطة ولاكن يحتاج لى كثير من العمل الجاد لبناء هذة الامة التى فى حقيقة الامر غير موجودة. الاستعمار لا يبنى امم.
    مفهوم الامة السودانية الواحدة عند الازهري، سرعان ما يبهت فى خضم مناوراته السياسية، بالذات عندما قال خلال مؤتمر المائدة المستديرة حول مشكلة الجنوب: (اشعر فى هذة المرحلة الحاسمة بانه يجب على ان اعلن اعتزازى باصلنا العربى، وبعروبتنا وباسلامنا…..).
    خضرحمد عمر الذى كان يعمل بجامعة الدول العربية، كان من اهم احلامه هو ضم السودان لجامعة الدول العربية. لتحقيق هذا الحلم ، قام بزيارات عديدة الى الدول العربية لى اقناعهم بعروبة السودان. وشاطروه هذا الحلم عضوء حزبة على عبدالرحمن الامين، الذى كان يقول “انا عروبي” وناضل باستماتة من اجل الهوية العروبية للسودان.
    الاصرار والرغبة الجامحة ل اثبات العروبة التى كانت تقابل بالرفض والسخرية لدى معظم العرب، عمت النخبة من القاء نظرة شاملة لمكونات الشعب السودانى و خلقت لهم عقد نفسية وتصدع ذاتهم وتصدو لكل شئ حتى ولو فى انفسهم او فى اى فئة سودانية اخرى تدل على افريقية السودان. ماسي وسلبيات اثبات العروبة وما تبعة من ذلك من ازمة نفسية ورفض الافرقانية عند النخبة السودانية المستعربة تتجلى فى معارك خضر حمد اثناء حج 1954 عندما كان هو امير الحجاج السودانيين وشغلة الشاغل اثبات عروبتة ونكران “الاخرين” واعتبراهم غير سودانيين.
    قال خضر حمد: (* رغم كل ما عمل وبذل من جهد، لقد كانت لفظة (التكارنة) نسمعها في كل مكان، كما نسمع التكارنة يقال عنهم (سودانيين) * كانت هذه المسألة شغلي الشاغل وكنت أحاول في كل مكان وكل حديث ومع كل صحفي أن أوضح الفرق بيننا وبين التكارنة، وأشرح لهم عروبتنا. ولكن كان عدد الحجاج السودانيين ستة آلاف بينما كان عدد القادمين عن طريق السودان ويحملون جوازات سفر حجاج سودانية يبلغون العشرين ألفاً..)
    لللحج مقاصد واهداف نبيلة من المفروض ان يتجمع فية كل المسلمين كاخوة بغض النظر عن كل شئ اخر. ولاكن تمعن فى اى حالة نفسية يجب ان تكون ليكون شغلك الشاغل اثناء فريضة الحج هو شرح اثبات عروبتك بدلا من شرح ان احد مقاصد الحج هو تثبيت “الأخوّة الإسلامية” على الاقل كرد للفظ “التكارنة”. ازمة خضر حمد تكمن فى انه كان سوف يوصف بالتكرونى حتى لو كان هو السودانى الوحيد فى ذلك الحج. فمن الصعب عليه اخفاء العنصر الافريقى الممتمثل فى لون بشرته او تقاطيع وجهه المزين بالشلوخ. كتعويض، وجد ضالته فى نكران سودانية عشرين الف حاملى اوراق سودانية ليشبع متطلبات مركب نقصه وايجاد مزنبين لفشله الزريع “لشرح” عروبته.
    سلوك انكار سودانية بعض المواطنين او مجموعات باكملها، لاتعود فقط ، لمشكلة الهوية العربية، بل للاتى ايضا:
    النخب والنخبة الحاكمة تنسى و تتجاهل دايمأ من هو الذى وضع هذة الحدود الذى تدعى الان بالدول او الاوطان الافريقية. تم صنع هذة الدول التي يتمسك بها البعض منا بعصبية عمياْء، فى مؤتمر برلين- افريقيا عام 1884 بحضور 12 دولة اوربية و امريكا و تركيا. الهدف الاساسى من ذاك المؤتمر, هو توزيع الدول الافريقية بينهم و حسب مصالحهم الخاصة. معظم الشعوب والقبائل وجدت نفسها فجاة موزعة فى بلدان عديدة، نتيجة لحدود ليس لهم فيها ناقة او جمل. بدلا من وضع استراتيجية موضوعية لمواجهة هذا التحدى، ووضع ترتيبات تسمح لتلك الشعوب التحرك بسهولة لتلبية حوائجهم الاقتصادية والاجتماعية، يستقل هذا الوضع للاسف بغباء تام ومتناقض تماما لمفهوم المواطنة. لذا كثير ما تسمع فلان “حبشى” وعلان “بقايه اتراك” او عبارة “ديل اصلهم ما سودانين” . هنا لا بد من ذكر مفارقتين، عسى ولعل تساعد فى فضح هذا الخبل:
    * هناك كثير ممن يجهرون بان جدهم العباس او اصولهم من الجزيرة العربية، وفى نفس اللحظة لا يترددون ثانية، بمطالبة غيرهم بالعودة الى نيجريا او الى حيث ما اتوا.
    * دول اوربا التى رسمت حدود الدول الافريقية تعمل جاهدة لازالتها فيما بينها. لانهم فهموا، التمسك بالحدود لا يعوق فقط النمو الاقتصادى، بل يعوق ايضا فكرة الوحدة الاوربية ويصعب تداخل الشعوب على بعضها البعض.
    ﻣﺣﻣﺩ ﺍﺣﻣﺩ ﻣﺣﺟﻭﺏ من اشهر المحامين في زمانه بداء عمله السياسي مستقلا حتى اتت له فرصة ذهبية جعلت منه زعيم المعارضة عام 1956، دون ان يكون عضو فى حزب الامة. فسرعان ما اثبت فى نهاية الامر بانه ليس احسن حالا عن بقية النخبة النافذة فيما يتعلق بالرؤية الواضحة من بناء دولة المواطنة، بعيدا عن الشجون الخاصة وحب الاضواء، فانضم الى حزب الامة ووجد مسرحا لى اِظهار مقدراته الخطابية. اسلوبة فى التقرب الى زعماء طائفة الانصار واسلوب ادارته لصراعه الشهير مع الصادق المهدى فى الزعامة السياسية للحزب، هى مؤشر للتناقض بين الممارسة والشعارات (شعارات الوطنية والديمقراطية).
    جسد الاستاذ محمد احمد المحجوب نفسه بامتياز كمفكر، كسياسي وشاعر بانيا هذا الصرح الشخصي على اساس انه عربي اصيل ومجيد للغة العربية ومبهورا بالتاريخ العربي. اجادته وحبة للغة ليس جذور لمشكلة ما او سبب لفشل ما، لاكن امتطاط هذة الملكة والموهبة لاشباع نفسية مرتبكة تجاه العروبة تطفوا الى السطح فى ممارسته، كتابته او احاديثه. فمثلا كتب عن حسن ملك المغرب:
    (يعد الملك الحسن الثانى، من القلة وسط الزعماء العرب، اللذين يجيدون اللغة العربية. ولانى شاعر، فاننى وبصفة خاصة اقدر اجادته للغة العربية. سالته مرة، بعد نهاية مؤتمر، عن الطريقة التى تمكن بها اجادة اللغة. اخبرنى، بانه بعد عودته من الدراسة فى باريس، احضر له والده الملك محمد الخامس معلمين من جامعة القرويين بالقرب من فاس، اجلسوه على الحصيرة وعلموه القانون الاسلامى واللغة العربية. (رحم الله روح والدك) قلت معلقا: لقد منحك كنزا اوجب عليك وعلينا ان نشكره عليه.) بدا الملك محتارا وسالنى ( اعلم بانه يجب على شكره، ولكن لماذا يجب عليكم؟) اجبته ( على الاقل، لم نتعرض للغة عربية ركيكة النحو لبعض الوقت فى المؤتمر. اؤكد لجلالتكم بان ذلك يعد نعمة من اللة) وابتسم ولم يعلق . لتعضيض مدى حمايته للغة كان يسخر من اعضاء البرلمان السودانى اللذين يتحدثون عربية ركيكة، متناسيا ان اللغة العربية لست اللغة الام لمعظم السودانيين.
    معظم النخبة المتغردنة واسياد الطوائف الكبرى (امة وختمية) ورغم صراعهم الحاد من اجل السلطة والثروة، اتفقوا على شئ واحد “انهم عرب وان السودان دون شك دولة عربية”. تترجمت هذة الشجون العروبية بضم السودان لجامعة الدول العربية بعد اسبوعين تقريبا بعد اعلان الاستقلال. بهذا يكون السودان اسرع دولة انضمت الى جامعة الدول العربية بعد استقلالها. هذة دلالة واضحة لمدى تعمق هاجس العروبة وفكرة العرق فى ظواهر وبواطن معظم النخبة السودانية الماسكة لزمام الامور فى السودان. هذة النزعة العروبية المروية باستعلاء وهمى للذات، لم تجعلهم فقط يتجاهلون مكونات السودان الاخرى وبل فى كثير من الاحيان يقللون من شان من يصنوفوهم بغيرعرب ويستهزون بهم، تارة لعدم اجادتهم للغة العربية او التشكيك فى سودانيتهم تارة اخرى.
    استقل الانجليز هذا النوع من الصفوة العروبية لمحاربة اشهر الثوارت الوطنية المناهضة للاستعمار، ثورة اللواء الابيض. وقفت معظم النخبة المستعربة واسياد الطوائف ضد حركة ومظاهرات اللواء الابيض المعادية للمستعمر الانجليزى وانعكس ذلك فى المقال الذى تم نشرهه فى احدى صحف ذلك الزمان:
    (اهينت البلاد لم تظاهر اصغر و اوضع رجالها دون ان يكون لهم مركز فى المجتمع بانهم معبرون عن راى الامة. ان الشعب ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ، هولاء هم اصحاب الحق فى الحديث عن البلاد. ومن هو على عبداللطيف الذى اصبح مشهورا والى اية قبيلة ينتمى؟)
    بهذا النوع من المقالات والمماراسات وضعت النخبة السودانية المتسلطة مبكراَ كل العوائق والعثرات التى تمنع قيام او بناء سودان على اساس المواطنة الكاملة للجميع. لكى لا يظهر او يشتهر امثال على عبدالطيف فى المستقبل وضع الانجليز والنخبة العروبيه طريقة اقصائية اساسها القبلية، عند التقديم لدخول الكلية الحربية او كلية الشرطة. هكذا نوع من التحالفات السياسية المبنية على القبلية والعرق لم تمنع فقط بناء السودان الوطن بل خلقت عقد ومركبات نقص لدى معظم الصفوة والمجتمع واتنجت مفردات سامة وقاتلة، القصد منها تقليل الشان والاساء مثل (عبد، فلاتى ،حبشى) ومفردات الاستعلاء الوهمى للذات مثل (ود بلد، ود عرب). ليس هكذا تُبنى الاوطان.
    ومن سخرية القدر تضرر حتى دعاة العروبة امثال اسماعيل الازهرى وغيرة من النخبة النافذة، من سياسات “اللا مواطنة” هذة.
    عندما قام اسماعيل الازهري بنشر مذكراته تعرض لهجوم عنيف من معارضية، يوصفونه بى،… “الفلاتى”،… “ابوالقدح”… (اى حضر الى السسودان محمولا على ظهر امه) وبى.. ” قدودو” (اكلة فى غرب السودان). بهذا ينتمى اسماعيل الازهري الى تلك المجموعة التى عكرت عروبة خضر حمد اثناء حج عام 1954.
    تعرض محمد احمد المحجوب ايضا لبعض الشائعات الى تعمقت للبحث فى اصله الاثنى والطبقى. اذ كان يقال ان والدته من “الرقيق” ووالده من “الشوايقة” وينحدر من طبقة فقيرة جداَ. السائد ان محمد احمد المحجوب من مواليد الدويم (1908) عاش مع عائلة والدته فى امدرمان بحى الهاشماب. بالرغم من عائلة والدته معروفة كعائلة انصارية ولاكن بالرغم من ذلك كان يشاع بان والده “اختفى!” او توفى مبكرا. الاكيد خلفية والده ظلت غير واضحة. انتهى ما يشاع.
    لمحن الزمن، شخصيتين مثل الازهرى والمحجوب يطالهم هذا النوع من الخبل والغوغائيه ،التى هم ليس ببراءة فى التاسيس لها. مع كل ذلك، لا حياة لمن تنادى.
    المعضلة فى جوهرها لا تكمن على اختيار هذة النخبة للعروبة “كهوية” شخصية لهم، بل تكمن فى ان تصرفاتهم تلك، وضعت حجر اساس ادارة الدولة وتداول السلطة على اٌسٌس عرقية، اِثنية وقبلية. افة العرقية هذة وإكسسواراتها، مورست باستمرار، فنمت وعشعشت تقريبا فى اذهان جميع الصفوة والعامة. اخطر واهم ما يميز المنهج العرقى اوالقبلي، هو الركض وراء التميز، تغييب العقل، التعامل بغير موضعية فى مواجهة ابسط الاحداث الخلافية ولأن فى اصلها مبنية على العواطف، يسهل امتطاتها وتعبئتها. هناك امثلة عديدة، على مستوى الدول او المجتمعات، تعلمنا ان هذا النوع من السلوك لا يؤدى الا للدمار والفشل الذريع. الصومال، اليمن، ليبيا، سوريا…….حتى الحرب العالمية الثانية ودمار المانيا حينذاك، كان نتيجة لهوس العرق “الأري” عند هتلر.
    المحبط والمؤسف، هو إن فيروس افة المنهج القبلي متفشية حتى عند معظم قادة وصفوة ، ما يعرف بالحركات المسلحة. اما صفوة دولة جنوب السودان، انفصلوه وحملوا معهم نفس “الفيروس” وكانت المحصلة، فاجعة….
    خلاصة: عدم ادراك النخبة المتسلطة لتبعيات وراثة ارض شاسعة، لم يكن لهم اى دور فى رسم حدودها، غياب التشخيص والتفحيص مع حالة “سيكولوجية” عطشانه دوما للعروبة، شلت عقول معظم الصفوة لخلق او حتى التفكير فى استراتيجية جامعه لى ادارة التنوع السودانى وصارت معرفتهم او تعليمهم فقط قادره لصناعة اوهام وشعارات، لا تعاش فى ارض الواقع. فظل هذا التناقض فيما يقال ويمارس، شئ طبيعى وتلقائى فى كل المجالات (السياسية، الدينية، الاجتماعية….). السودان كوطن يكفل لجميع سكانه الحقوق الاساسية والمواطنة الكاملة لم يتم تاسيسه بعد. انفصال الجنوب والوضع الراهن الهش والفاشل فى كل النواحى، ما هو الا حصاد لذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..