عبدالعزيز أبوعاقلة
إذا كان درويش وسعيد قد تركا لنا سؤالًا عن الهوية، فإن الوطن اليوم يضع هذا السؤال أمامنا في صورته الأكثر قلقًا وإلحاحًا: ماذا يحدث للإنسان حين تتحول هويته من مساحة إنسانية يتعدد داخلها، إلى جدار يفصله عن الآخرين؟
هنا لا نعود إلى درويش وسعيد لكي نقارن بين تجربتهما وتجربة السودان في الهوية؛ فلكل تجربة تاريخها وشروطها وجرحها الخاص. نعود إليهما لأنهما تركا لنا أدوات يمكن أن تساعدنا على النظر إلى ما يحدث، لا لكي نستعير تجربة الآخرين لفهم أنفسنا. وربما لهذا تبدو عبارة درويش «أنا المتعدد» اليوم كأنها تقف في الجهة المقابلة تمامًا لما يحدث في السودان.
فالسوداني الذي كان يستطيع أن يحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه، وأن يكون من مدينة وقبيلة ومنطقة وثقافة ولغة، يجد نفسه اليوم، تحت ضغط الحرب، مطالبًا أحيانًا بأن يختار واحدًا منها. لا يكفي أن تقول من أنت؛ عليك أن تثبت من لست معه. وهنا تبدأ الكارثة.
الحرب لا تقتل الناس وحدهم؛ إنها تعيد ترتيب ذاكرتهم أيضًا. تجعل الإنسان يتذكر الجرح وينسى ما كان يجمعه بالآخر. ومع استمرار الخوف، يصبح الانتماء الأول أكثر حضورًا: القبيلة، المنطقة، الثقافة، الجهة، اللون، اللغة، وحتى القرية. كأن الحرب، بعد أن عجزنا عن بناء هوية وطنية جامعة، قررت أن تعيدنا إلى ما قبل الدولة. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في السودان: كلما احتجنا إلى هوية وطنية أوسع، انكمشنا داخل هويات أصغر.
ولم تكن القبيلة في السودان اختراعًا للحرب، بالطبع. وهي ليست شرًا في ذاتها، ولا يمكن اختزال المجتمعات السودانية في فكرة القبيلة. فالقبيلة كانت تاريخًا اجتماعيًا وشبكة من العلاقات والذاكرة والانتماء، لكنها تصبح شيئًا آخر عندما تتحول من رابطة اجتماعية إلى معيار للحكم على الإنسان، ومن ذاكرة إلى حدود، ومن انتماء إلى سلاح.المشكلة إذن ليست في أن يكون للإنسان قبيلة، وإنما في أن تصبح القبيلة وطنًا بديلًا عندما تفشل الدولة والنخب السياسية في بناء وطن للجميع.
وهنا نستطيع أن نفهم شيئًا مما يقوله سعيد عن الهوية من زاوية سودانية مختلفة. فالهوية ليست صندوقًا مغلقًا نضع الإنسان داخله ثم نطلب منه أن يظل مطابقًا له. إنها علاقة مستمرة بين الذات والتاريخ والمكان والآخر. وحين تغلق هذه العلاقة، تتحول الهوية إلى أداة إقصاء.ربما لهذا يبدو السودان اليوم كأنه يعيش مفارقة مؤلمة: بلد شديد التنوع ثقافيًا واجتماعيًا، لكنه يتعامل مع هذا التنوع وكأنه مشكلة. بلد لا يمكن اختزاله في هوية واحدة، لكنه كلما دخل أزمة حاول أن يبحث عن هوية واحدة تنقذه. وحين لا يجدها، يعود إلى الهويات الأولية.كأننا نبحث عن وطن كامل بأدوات الانقسام.
والأخطر أن الحرب لا تكتفي بإعادة القبيلة إلى الواجهة، بل تعيد إنتاج الكراهية والانقسام الهوياتي داخل وطن واحد. فبعد أن يصبح الآخر مسؤولًا عن الخوف، يتحول الخوف بالتدريج إلى حكم أخلاقي: الآخر ليس مختلفًا فقط، بل سيئ؛ ليس منافسًا، بل خطر؛ وليس مواطنًا له حق مختلف، بل شخص يجب الحذر منه أو التخلص منه.وهنا تصبح الكراهية أكثر من شعور عابر. تصبح لغة يومية. نسمعها في وصف الناس، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي خطاب الحرب، بل تتخذ أحيانًا شكل ممارسات غير مكتوبة تقوم على الاشتباه في «الوجوه الغريبة» بناءً على الملامح أو اللهجة أو الانتماء الجغرافي. وتظهر أيضًا في الخطابات التي تختزل ملايين السودانيين في جماعة أو منطقة أو قبيلة أو لون، وفي ما يُطرح أحيانًا تحت مسميات مثل مشروع وهمي يسمي (البحر والنهر ) .وحين تصبح اللغة بهذه الأقصاء ، لا تعود الحرب بحاجة إلى أن تقتل كل شيء بيدها؛ يكفي أن تجعل الإنسان يتوقف عن رؤية الإنسان في الآخر.
وهذه النقطة تحديدًا تعيدنا إلى درويش، وإلى عبارته التي تركناها في الجزء الأول: «أنتمي لسؤال الضحية».فالسؤال الحقيقي ليس: من هي قبيلتي؟ ولا: من هو الطرف الذي أنتمي إليه؟ وإنما: هل أستطيع أن أرى الضحية عندما لا تكون من جماعتي؟هذه ربما هي أصعب لحظة في اختبار الهوية.لأن التعاطف مع ضحية تشبهني ليس دائمًا موقفًا أخلاقيًا كاملًا. قد يكون مجرد امتداد طبيعي للخوف والانتماء. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تكون الضحية من الطرف الذي تعلمنا أن نكرهه.
هنا تصبح عبارة درويش أكثر من جملة شعرية؛ تصبح موقفًا أخلاقيًا يمكن أن نضعه امامنا اليوم: هل نستطيع أن ننتمي إلى سؤال الضحية، لا إلى هوية الضحية فقط؟فالضحايا في السودان ليسوا قبيلة واحدة، ولا منطقة واحدة، ولا لونًا واحدًا، ولا طرفًا واحدًا. الحرب وسعت دائرة الانقسام والجرح في النسيج الاجتماعي حتى أصبح الوطن نفسه هو الضحية، وإن اختلفت مواقع الناس داخل هذه المأساة واختلفت مسؤولياتهم عنها.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة الانتماء.لأن الانتماء سهل حين يكون العالم مقسومًا إلى «نحن» و«هم». أما أن تقول إن الضحية إنسان قبل أن يكون من جماعتي، فذلك يعني أن تخرج من الراحة الأخلاقية التي تمنحها لك الهوية المغلقة.
وهنا تحديدًا يصبح إدوارد سعيد حاضرًا بطريقة مختلفة. كان يحذر من تحويل الهوية إلى مركز نهائي للعالم، لأن كل مركز ينتج هامشًا، وكل تعريف مغلق للذات يحتاج في الغالب إلى آخر كي يثبت وجوده. وربما هذا ما يحدث في السودان: كلما ضاقت مساحة «نحن»، اتسعت مساحة «هم».
وفي هذه اللحظة لا تعود القبيلة وحدها هي المشكلة، ولا الجهة وحدها، ولا السياسة وحدها. المشكلة تصبح في الطريقة التي بدأنا بها نرى أنفسنا ونرى الآخرين.لقد عشنا عقودًا طويلة ونحن نؤجل السؤال الأصعب: من نحن؟ وما هو السوداني؟
ليس من الناحية القانونية، وإنما من الناحية الإنسانية والسياسية. هل السوداني هو العروبي؟ أم الإفريقي؟ أم هو الذي ينتمي إلى قبيلة بعينها؟ أم إلى منطقة بعينها؟ أم إلى لون بعينه؟ أم إلى ثقافة بعينها؟ أم أن السوداني هو كل هذا وأكثر، بحيث لا يستطيع أي جزء منه أن يدعي امتلاك الوطن كله؟ واحتكار السلطة والثروة .
ربما كانت الإجابة موجودة في تاريخ السودان نفسه، قبل أن نحاول تقسيمه بهذه القسوة. فالسودان لم يكن يومًا ثقافة واحدة، ولا لغة واحدة، ولا دين واحد ، ولا جماعة واحدة. كان دائمًا نتيجة لقاءات وهجرات وتداخلات وصراعات ومصالح وذاكرات متعددة. أي أن «التعدد» لم يكن عيبًا طارئًا في السودان؛ كان جزءًا من تكوينه.لكننا أخطأنا حين تعاملنا مع هذا التعدد باعتباره أزمة ينبغي التخلص منها، بدل أن نبني دولة تجمعنا جميعًا وتستطيع أن تحوله إلى قوة.
وهنا نصل إلى المفارقة الأكبر: لم تكن مشكلة السودان يومًا في تعدد هوياته؛ ربما كانت المشكلة أن الدولة لم تستطع أن تجعل هذا التعدد قابلًا للحياة داخل وطن واحد.وعندما فشلت الدولة، تقدمت الجماعات.وعندما تراجعت المواطنة، تقدمت القرابة.وعندما ضعفت فكرة الوطن، أصبحت الجغرافيا أكثر أهمية.وعندما فقد الإنسان ثقته في المستقبل، عاد يبحث عن حماية في الماضي.
لهذا فإن العودة إلى القبيلة ليست مجرد عودة اجتماعية؛ إنها علامة على انهيار فكرة أوسع: فكرة أن الدولة لا تستطيع أن تحمي الفرد لأنه مواطن، وهنا ربما يكون أخطر ما فعلته الحرب أنها لم تكتفِ بتدمير المدن والبيوت، بل بدأت تهدم المسافة الهشة التي كانت تفصل السوداني عن هويته الأولية.
قبل الحرب كان يمكن لشخص أن يكون مواطنا سودانيًا، من دارفور أو الجزيرة أو الشمالية أو الشرق، ثم من ثقافة أو قبيلة معينة، ثم من مدينة أو قرية، وأن يحمل كل هذه الانتماءات دون أن يضطر إلى تحويل واحد منها إلى عدو للآخر.
أما في زمن الحرب، فقد أصبح السؤال أحيانًا أكثر بدائية:
«أنت مع من؟ وهذا السؤال، في ظاهره سياسي، لكنه في عمقه سؤال عن الهوية.وحين يصبح «أنت مع من؟» أهم من «من أنت؟»، تبدأ الدولة في التراجع ويبدأ الاصطفاف.
وهنا يعود حوار درويش وسعيد من جديد، فالرجلان لم يتركا لنا وصفة جاهزة للخروج من أزمة الهوية، وإنما تركا سؤالًا أصعب: هل نستطيع أن نحافظ على انتمائنا دون أن نحوله إلى سجن؟ربما تكون هذه هي المسألة التي يحتاج السودان إلى مواجهتها بعد الحرب، أيًا كان شكل نهايتها. فإعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدن ممكنة، وإن كانت شاقة. وإعادة بناء الدولة ممكنة، وإن احتاجت إلى سنوات. لكن الأصعب هو إعادة بناء الإنسان الذي أصبح يرى الآخر من خلال خوفه.لأن الحرب تنتهي عسكريًا قبل أن تنتهي داخل الذاكرة.وقد تتوقف البنادق، بينما تظل الكلمات تطلق النار.
لهذا فإن المعركة القادمة في السودان لن تكون فقط حول من يحكم، ولا حول شكل الدولة، ولا حول توزيع السلطة والثروة. ستكون، في جوهرها، حول سؤال أعمق: أي سودان نريد أن نعيش فيه بعد كل هذا الخراب والموت؟
سودان يعود إلى المربع الأول، حيث القبيلة هي الحماية، والجهة هي الهوية المغلقة ، والكراهية هي اللغة؟
آن الان للسوداني أخيرًا أن يفهم أن «أنا المتعدد» ليست عبارة شعرية لدرويش فحسب، وإنما يمكن أن تكون واحدة من أكثر الأفكار ضرورة لإنقاذ مجتمع متعدد مثل السودان؟ربما لا يحتاج السودان، بعد كل هذا الخراب، إلى هوية جديدة بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يعيش هوياته المتعددة داخل دولة تستوعبه كأنسان اولا دون أن يجعل واحدة منها شرطًا لإلغاء الأخرى؛ أن يرى نفسه في مرآة حقيقية، لا في مرآة صنعتها الحرب.او هوية مفروضة .
وهنا اليوم نستطيع أن نضيف سؤالًا مهما :
هل نستطيع أن نكون متعددين دون أن نقتل بعضنا كي نثبت من نحن؟
ربما يكون مستقبل السودان كله معلقًا على الإجابة.فالحرب قد تنتهي، لكن السؤال لن ينتهي معها.وربما لهذا لم يكن رحيل درويش وسعيد إغلاقًا للحوار، كما قلنا في الجزء الأول، بل تركاه لنا نحن؛ لكي نختبره في أماكن لم يتحدثا عنها، وفي أوطان ما زالت تبحث عن نفسها.
ومن بين هذه الأوطان يقف السوداني الآن أمام مرآته الحقيقية .
مرآة لا تسأله فقط: من أنت؟ بل تسأله السؤال الأصعب:
ماذا تريد أن تكون؟
(يتبع)
عبدالعزيز أبوعاقلة لندن 2026



