المسرح المدرسي.. استئصال خلايا الإبداع من رحم الفنون.. إسدال الستار

الخرطوم – عثمان الأسباط
قد يُصعق الراصد لسيرة العلاقة الوجدانية لشريحة كبيرة من السودانيين بالمسرح المدرسي بأنه بدأ داخل أسوار المدارس، فتلك المسرحيات الرائعة المكتوبة بلغة سهلة وجاذبة كانت المحفز الأول والقادح الرئيس لخيال تلاميذ المدارس الابتدائية والوسطى والثانوية حينها، حيث أتاح لهم فرصة التوفر على مستويات أكاديمية رفيعة وعالية.
ولعب المسرح المدرسي أدواراً فاعلة في بناء شخصية الطلاب وتوجيه مشاعرهم وتحديد رغباتهم علاوة الثقة بالنفس وتقوية روابط الصداقة، فضلاً على مساهمته التي لا تخطئها الأعين في تبسط المواد الدراسية عن طريق مسرحتها بأسلوب أدبي مشوق وتعليم مهارات القيادة والمشاعر الإنسانية.
مساهمة فاعلة
ظل المسرح المدرسي يقدم لطلاب المراحل الدراسية المختلفة مسرحيات عظيمة، وساهمت هذه الأعمال على انفتاح أجيال كثيرة من التلاميذ على فنون أدبية جاذبة لم يألفوها من قبل، وقد أعانتهم على الشجاعة الأدبية والوقوف أمام الحشود الكبيرة دون خوف، علاوة على إفراغ كل المواهب في الأدوار التي تسند لهم بواسطة أساتذة متخصصين كانوا يلعبون أدواراً مهمة في العملية التعليمية عندما كانت وزارة التربية والتعليم وإدارات المدارس تولي اهتمامه الأعظم بالتلاميذ والطلاب، ترك المسرح المدرسي وشخوصه آثاراً نفسية وثقافية بالغة وعميقة على حياة الطلاب. وبالمثل، فإن الانفعالات التي حدثت لكثيرين جراء تفاصيل المسرحيات الرائعة تظل آثارها تسم شخصياتهم حتى ولو بلغوا من الكبر عتياً.
إطاحة من المدارس
كان هذا كله متوافراً قبل أن يُطاح على حين غرة وغفلة بالمرحلتين الابتدائية والوسطى من السلم التعليمي، ثم يؤتى على تلك الروائع جملة وتفصيلاً، فيقصى المسرح ويغيب عن المشهد كله بعد أن تغيرت المناهج التعليمية من قبل وزارة التربية والتعليم وافتقدت المهتمين بالفنون والمسرح والمتخصصين، علاوة على إقصاء المسارح من خارطة بناء المدارس الجديدة وإهمال إدارات المدارس للمسرح المدرسي وغياب الأساتذة المتخصصين عنه وجفاف الجمعيات الأدبية والثقافية وانصراف الطلاب إلى الانترنت وعالم التكنولوجيا الجديد، المسرح المدرسي كان محبباً لدى الكثيرين حد أنهم أحبوه، وخرج أجيالاً من عمالقة الدراما والمخرجين في السودان، قبل أن يصبح كل هذا أثراً بعد عين في ظل السياسات التعليمية الجديدة.
أسباب عديدة
وفي السياق، يقول الخبير التربوي حامد عبد الرحمن يونس لـ (اليوم التالي): المسرح المدرسي كانت تنظمه المدارس منذ عقود خلت ويقوم بتنفيذه طلاب المدارس تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً، وذلك لاكتشاف المواهب المسرحية المتميزة والأخذ بيدها إلى طريق الإبداع والتميز. وأضاف: في كل مدة يتم تنظيم أسبوع كامل لعرض المسرحيات المختارة بعدد من المدارس التي تعتني بهذا الفن وتؤمن بدور الإبداع التربوي. وأردف: هذه التجربة أثرت الحياة المدرسية وأغنتها بالإبداعات المتميزة، وقدمت أجيالاً مختلفة من المبدعين في ضروب الشعر والفن والأدب والمسرح، مؤكداً أن هناك نجوم سوامق في السودان يحتلون حالياً أرفع المناصب في عدة مجالات ساهم المسرح المدرسي في تقديمهم للناس والحياة. وكشف عن تراجع مريع في البنية المدرسية والتربوية بدأت منذ تغيير السياسات التعلمية والمناهج ما أفضى للتدهور الكبير في المدارس، وساهم في غياب الجمعيات الأدبية ودور المسرح والأساتذة المتخصصين في اكتشاف المواهب الطلابية. واستطرد: غابت بعدها الفنون المسرحية من تمثيل للشخصيات الأدبية والثقافية والبطولية للفتوحات الإسلامية في عبق التاريخ واندثر فن الإلقاء الفردي والجماعي إلى جانب الملاحم الشعرية (الأوبريت) وغيرها من المجالات الإبداعية التي تعزز القيم التربوية والوطنية والثقافية، فتصورها بفنون تمثيلية هادفة تعمق الاعتزاز بالدين والانتماء للوطن، وتنمي القدرات الشخصية المكتسبة لدى الطلاب والطالبات، وتساعدهم على بناء شخصياتهم وربطهم بلغتهم وإكسابهم القدرة على التعبير باللغة العربية الفصحى الخالية من الشوائب والأخطاء وتوطد صلتهم بالنصوص الأدبية العربية، وتمكنهم من المساهمة في حل مشكلات مجتمعهم بأسلوب مسرحي إبداعي، إلى جانب تحصينهم من الأفكار السلبية والمنحرفة والمتطرفة من خلال الدراما التي تحاكي الواقع وتجسد بفن تمثيلي على خشبة المسرح المدرسي.
معينات مهمة للنجاح
من جانبها، قالت المرشدة التربوية حياة أحمد سالم إن المسرح أداة ناجعة لإكساب الطلاب الصفات القيادية وتعليمهم ألوان الأدب العربي. وتضيف: إجراء المسابقات المسرحية الدورية في مجالات المسرح المختلفة مثل مسرح المناهج، والإلقاء الشعري والخطابة ومسرح العرائس الذي يناسب المرحلة التمهيدية مع وجود اختصاصي تربية مسرحية يتم تفريغه لوظيفته دون إشغاله بأنشطة أخرى يحقق نتائج تعود بأبنائنا إلى ساحة الثقافة الصحيحة التي افتقدناها وتحميهم من ثقافة الانترنت ووسائل الاتصال الحديث التي لا يُعرف لها مصدر. وأردفت: غياب هذه الأنشطة الفاعلة عن مدارسنا كالمسرح والجمعيات الأدبية ساهم بشكل كبير في إدمان الطلاب للانترنت. واستطردت: المسرح لا يساهم في تنمية شخصية الطالب وصقل موهبته الأدبية، فحسب بل يكسبه عدداً من مهارات التواصل مع الآخرين، ويعينه على حسن اختيار الأصدقاء. وأبان حياة: من حق كل شخص أن تكون لديه الفرصة لينمي موهبته من خلال المدرسة التي تقع المسؤولية على عاتقها
اليوم التالي



