يوسف صديق والسودان

ربما كانت تلك أول إشارة لفتت إنتباهي إلى (يوسف صديق) أحد أبرز الضباط الأحرار الذي كان له الفضل في إنجاح ثورة 23 يوليو 1952 ، مقال ضاف كتبه المؤرخ السعودي (محمد حسين زيدان) في صحيفة الشرق الأوسط في أوائل الثمانينات ، تناول فيه دور مصر القومي في المنطقة العربية ، عرّج فيه بداية على السودان فتحدث عن حب الخرطوم لجمال وعن ذلك الضابط السوداني الذي بفضل تحركه وإستباقه لموعد الصفر كفل النجاح لثورة يوليو 1952 . شدتني المعلومة فأخذت أبحث عن مزيد من المعلومات فوجدت أن هذه الأسرة التي تنحدر من محافظة بني سويف بصعيد مصر إرتبطت إرتباطا وثيقا بالسودان عبر ثلاثة أجيال متعاقبة ، فجده يوسف صديق الأزهري كان حاكما لمديرية كردفان منذ عام 1871 حتى قيام الثورة المهدية ومع إندياح الثورة المهدية إنطلاقا من الغرب ، تعرضت العائلة إلى محنة حقيقية خينما هاجم متفلتون في لحظة غضب عارمة منزل الأزهري فقتل ومعه أخرون ، وهو الأمر الذي أغضب العديد من القادة المهدويون على هذا التصرف ، غير أن صديق والد يوسف وشقيقه أحمد نجيا من الكارثة بعد أن لجأالإثنان إلى بعض المعارف حيث جرى تأمين نقلهما إلى الخرطوم ثم إلى مصر .
بعدها عاد صديق والد يوسف إلى السودان مع الجيش المصري مع تداعي الدولة المهدية وكان وقتها يحمل رتبة يوزباشى . إستقر يوسف في السودان وعمل بسلاح المدفعية . بعد زواجه أنجب يوسف الذي إلتحق بالكلية الحربية في عام 1933 وشارك في الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية ثم في حرب فلسطين عام 1948 في خط الدفاع بين مجل وأشدود وأبلى بلاء حسنا . حينما عرض عليه الإنضمام إلى حركة الضباط الأحرار وافق على الفور وفي اليوم المحدد كان أول من تحرك ببزته العسكرية فيما غاب الأخرون بما فيهم حكيم وناصر اللذين تخفيا في الزي المدني ، بل قام بإطلاق سراحهما حينما إرتاب فيهما الجنود الذين لم تكن لديهم معرفة بهما . حينما أحس يوسف صديق بأن إثنين من كبار الضباط على وشك إجهاض التحرك ، أمر بإعتقالهما وقيدهما وألزمها مكانهما ، ثم بادر من ذاته ومن دون تلقي إخطار بالتقدم نحو مقر القيادة العسكرية في العباسية في الساعة التاسعة والنصف مساء قبل ساعة الصفر التي عدّلت في أخر لحظة إلى الساعة الثانية عشر مساء . كان لهذا التحرك المباغت أثر كبير في إنجاح الثورة ، إذ أمر يوسف صديق جنوده بالتعامل بحزم مع أي إعتراض وحينما فوجيء كبار الضباط بجدية الجنود ، أسقط في يدهم وأستسلموا للأمر الواقع .
لقد أجمع جل المؤرخين على أن يوسف صديق هو البطل الحقيقي لثورة 23 يوليو ، غير أنه حينما أينعث ثمار الثورة وحان قطافها سيطر الأخرون على المسرح السياسي وأستبعدوه ، ساعدهم في ذلك أنه لم يكن يحب الأضواء أو الشهرة ، بل كان يرغب في أن يؤدي دوره الوطني فحسب . كان يوسف صديق مثالا ونموذجا للعسكري المنضبط على أعلى مستوى ، لذا فإنه كان يرى بأن على الجيش أن لا يخوض المعترك السياسي وأن يعود إلى الثكنات . لذلك لم يكن غريبا أن ينحاز صديق إلى جانب نجيب وزكريا محي الدين في الخلاف الشهير الذي دار بين أعضاء مجلس قيادة الثورة حول إعادة دفة الجكم إلى الأحزاب أو إبقائها بين أيدي العسكر . في ظل تلك الظروف ومع أصرار الضباط على إبقاء الحكم بين أيديهم وعدم عودة الحياة البرلمانية ، إستقال يوسف صديق من مجلس قيادة الثورة فجرى تحديد إقامته في بلده ببني سويف ، ليجري إعتقاله بعد ذلك في السجن الحربي في أبريل 1954 وأفرج عنه في مايو 1955 . خلال حرب 1956 قاد المقاومة الشعبية في عزبة النخل ، غير أن القائمين على الأمر رفضوا أن يمنحوه أي وظيفة أو أن يرشح نفسه عن دائرة بني سويف . بعدها إشتد عليه المرض حتى توفي في 31 مارس 1974 . إن هذه الأحداث تبين إلى أي مدى يمكن أن يتنكر الذي يتملكهم حب السلطة والكرسي لرفاق الأمس . لقد جرى تهميش يوسف صديق مثلما جرى تهميش نجيب من قبل فأي لعبة بئيسة تحملها هذه السياسة في طياتها ؟
[email][email protected][/email]



عفوا .. أرجو التصحيح (إستقر صديق في السودان وعمل بسلاح المدفعية ) .. بدلا من (إستقر يوسف في السودان …….) .
عفوا .. أرجو التصحيح (إستقر صديق في السودان وعمل بسلاح المدفعية ) .. بدلا من (إستقر يوسف في السودان …….) .