
ياسر العطا في أنقرة، والخرطوم تفتح مساراً استراتيجياً جديداً مع الرياض، والأمن والدفاع والاقتصاد تدخل في صلب العلاقة السعودية–السودانية. في المقابل، يتحرك البرهان لتقديم نفسه باعتباره رجل المرحلة المقبلة.
قد تبدو هذه التحركات منفصلة، لكنها في توقيتها تطرح سؤالاً خطيراً:
هل يجري إعداد غطاء إقليمي لإبقاء البرهان في السلطة بعد الحرب؟
لا توجد، حتى الآن، أدلة معلنة تثبت وجود صفقة إقليمية لتنصيب البرهان، لكن تزامن هذه التحركات يجعل التساؤل مشروعاً، خصوصاً أن البرهان يحاول الانتقال من قائد عسكري في حرب إلى رجل دولة يريد أن يحتفظ بموقعه في السودان الجديد.
البرهان ليس مشروع الشعب السوداني
لنقلها بوضوح: الشعب السوداني ليست لديه مصلحة في تحويل البرهان إلى “رجل الضرورة” أو منحه شرعية دائمة لمجرد أنه يقود الجيش.
البرهان جزء أساسي من منظومة الحكم التي قادت السودان إلى هذه الكارثة، وهو اليوم يقود المؤسسة العسكرية في حرب دفعت البلاد ثمنها باهظاً.
فماذا حقق السودانيون بعد كل هذا؟
مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد منهار، ومؤسسات دولة ممزقة.
فإذا كان الرجل نفسه جزءاً من المشهد الذي أوصل السودان إلى هذا الوضع، فمن أين تأتي الفكرة بأنه وحده القادر على قيادة السودان بعد الحرب؟
كيف يتحول الفشل إلى أهلية للحكم؟
أنقرة والرياض تبحثان عن مصالحهما
تركيا تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية في السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، والسعودية تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً مهماً من أمن البحر الأحمر ومصالحها الإقليمية.
وهذا طبيعي.
الدول تبحث عن مصالحها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مصالح هذه الدول إلى غطاء لبقاء سلطة سودانية لم تحصل على تفويض شعبي.
زيارة ياسر العطا إلى أنقرة ولقاؤه كبار المسؤولين العسكريين الأتراك، بالتزامن مع بناء إطار استراتيجي جديد بين الخرطوم والرياض، يستحقان قراءة سياسية أبعد من البيانات الرسمية.
هل يجري بناء علاقات للسودان، أم بناء شبكة حماية للسلطة التي تحكم السودان؟
هذا هو السؤال.
لا نريد استبدال الدعم السريع بحكم عسكري آخر
رفض الدعم السريع وجرائمه لا يعني منح البرهان شيكاً على بياض.
ورفض حميدتي لا يعني أن البرهان أصبح صالحاً لحكم السودان إلى الأبد.
السودانيون يريدون جيشاً وطنياً مهنياً، لا جيشاً يحكم الدولة.
ويريدون دولة مدنية قوية، لا جنرالاً يتحول من قائد مؤقت إلى حاكم دائم.
السودان ليس ثكنة عسكرية، والشعب السوداني ليس جنوداً في مشروع سياسي لأحد.
إذا كان البرهان يريد الشرعية.. فليطلبها من الشعب
لا أنقرة ولا الرياض تملكان تفويضاً لاختيار حاكم السودان.
يمكنهما التعاون مع الخرطوم، ويمكنهما حماية مصالحهما، ويمكنهما دعم الاستقرار.
لكن مستقبل السودان يقرره السودانيون.
وإذا كان البرهان يريد أن يدخل التاريخ كرجل دولة، فالباب واضح:
انتخابات حقيقية، مؤسسات مدنية، جيش مهني، ودستور يحدد من يحكم وكيف يحكم.
أما أن تنتهي الحرب ثم يتحول انتصار الجيش إلى مبرر لاستمرار حكم البرهان، مدعوماً بعلاقات إقليمية واسعة، فذلك ليس إنقاذاً للسودان.
إنه إعادة إنتاج للأزمة بوجه جديد.
السودان ليس غنيمة بعد الحرب
السؤال ليس من ينتصر: البرهان أم حميدتي.
السؤال هو: هل ينتصر السودان؟
فإذا انتهت الحرب ليجد السودانيون أنفسهم أمام حكم عسكري جديد، محمياً بعلاقات إقليمية، ومن دون تفويض شعبي، فما الذي تغير؟
لا شيء.
سيكون الشعب قد دفع ثمن الحرب، ثم دُفع به إلى دفع ثمن السلطة أيضاً.
ولهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
السودان لا يحتاج إلى برهان يحمي مصالح الآخرين فيه، بل إلى دولة تحمي مصالح السودانيين.
لا نريد حاكماً تختاره العواصم.
ولا جنرالاً يفرض نفسه باعتباره “الرجل الضرورة”.
ولا نظاماً يعيد تدوير نفسه تحت أسماء جديدة.
السودان للسودانيين، والشرعية للشعب، والجيش لحماية الدولة لا لحكمها.
ومن يريد فعلاً إنقاذ السودان، فليترك للشعب السوداني حق اختيار من يحكمه.
أما تحويل فشل الأمس إلى شرعية لحكم الغد، فذلك حلم قد يريده البرهان…
لكن ليس من حقه أن يفرضه على السودان.



