ومع ذلك ندعو للزخم الثقافي

ليس هناك أروع وأجمل من أن تعج الساحة بالنشاطات الثقافية المتنوعة التي تحرص عليها مختلف المنتديات والكيانات والجماعات المتخصصة لما في ذلك من إثراء وإنعاش معرفي وتنشيط لدورة الثقافة الدموية لكي يواصل جسد الوعي الإنساني إرسال نبضاته بوتيرة عامرة بالعطاء. ومعلوم ان الانسان بحاجة لكل ما يغسل أدران معاناته اليومية وينير عقله ويضيء عتمة دربه ويحرك جمود مشاعره، لذلك يحرص على تتبع تلك البرامج الحية وحضور ما أمكن منها حيث يلتقي المبدعين والمفكرين والفنانين وجهاً لوجه ويتلقى منهم جرعات الحيوية ومعين الاستمرارية الوجداني فضلاً عن اختلاطه بالزملاء والأصدقاء، المهتمين والموجوعين مثله بهوس الثقافة والفنون، الذين باعد بينه وبينهم ذلك اللهاث اليومي والعصف الحياتي المتصاعد مع ضمور قدرة الثبات وتضاؤل جهد المقاومة. ولأن أيام الأسبوع معلومة وسريعة الدوران وأن هناك الكثير من المراكز والأندية والمنتديات الثقافية والاتحادات الأدبية التي تعتمد أياماً معينة لممارسة نشاطها، فقد تجد المتابعين وبالذات الذين لا يبعدون عن مقر النشاط يتجهون نحوها حتى دون أن يعلن عن موضوع المنتدى الأسبوعي مثلما يفعل رواد مركز راشد دياب أمسية كل أحد باعتبار أن هناك قطعاً إضافة ومتعة. ولكن لما كانت هنالك أنشطة متعددة ومكملة لدائرة الوعي الثقافي والفني، قد يحدث أن تجدها في ذات اليوم والوقت بمواقع متباعدة، وهنا لا تملك إلا أسقاط البعض وأنت نادم على هذا الفعل حيث تنشأ جدلية المفاضلة بناء على معايير لا إرادية.
لقد حشد برنامج يوم سبت الأسبوع الفائت نشاطات متعددة منها جلسة حوار ومؤانسة استثنائية مع المبدع العربي الزائر نصير شمة الذي نعلم جميعاً قدراته الفائقة في العزف على العود ابتكاراً وتطويعاً – وهو صاحب بيت العود بمصر – مع تقديم نماذج موسيقية وإضاءات تعريفية وذلك بمركز التميز التابع لمجموعة دال، بينما كان هناك بمنتدى امدرمان الذي لا يخلف وعداً ويعتمد التنوع أساساً لنشاطاته، ندوة عن الهوية الثقافية والمعمار مع عرض بالبروجكتر وفواصل غنائية. وفي سبت هذا الأسبوع تقام بالمسرح القومي ليلة الوفاء للفنان الدرامي الراحل إبراهيم حجازي حيث ستقدم إفادات وشهادات ومشاركات شعرية وموسيقية وسينمائية ومسرحية في حين يقيم مركز الفحيل للتدريب الفني الثقافي الإعلامي التوثيقي ببيت التراث بالخرطوم 2 الاحتفال باليوم العالمي للتراث تحت شعار (التراث السلمي والتنوع والتمازج الثقافي في السودان) وهو يوم يبدأ منذ الصباح الباكر ويتواصل حتى المساء حيث يحفل بالكثير ويتضمن ورش عمل ومعارض حرف وصناعات يدوية وفنون تشكيلية وأمسية فنية، كما يقيم منتدى امدرمان في ذات اليوم أمسية ثقافية على مشارف عيد الإذاعة السودانية يتحدث فيها من أهل الشأن الإذاعي عوض أحمدان مدير إذاعة ذاكرة الأمة بجانب الإذاعية ليلى عوض إضافة للفواصل الغنائية التي تصاحب تلك الندوات.
ومع تقديرنا لكل من يقف وراء هذه النشاطات وما أكثر منابرها، إلا أن ما يحزن المرء حضور بعضها وإسقاط الأخريات التي فيما يبدو لا غنى عنها للمهتمين والباحثين عن اكتساب المعرفة وإنعاش المخزون. ولعل هذا يعيد لذاكرتي تلك الطرفة الواقعية التي رواها صديق عن ذلك الشخص الأكول – بنفس قدرات ونهم وطريقة أشعب المعروف كصاحب نوادر في تاريخنا العربي – الذي لا تفوته وليمة إلا وملأ منها جوفه وتلمظ باحثاً عن الأخرى. وبينما كان يمارس هوايته في الأكل في ثالث مناسبة جاءه ابنه وهمس في أذنه ليقول له بأن هناك مناسبة رابعة تنتظره فما كان منه إلا أن ثار في وجهه بينما في الحقيقة أنه متحسر على ضياع المناسبة : قول لي أهل المناسبة دي يا جماعة أنا أعمل شنو يعني … أتقطّع؟
[email][email protected][/email]



