مقالات وآراء

مسارات الثورة بعد ملحمة 17 يناير

جسّد موكب 17 يناير ملحمة تاريخية في مسار الثورة السودانية ضد طغمة 30 يونيو الحاكمة والتي اندلعت منذ التاسع عشر من ديسمبر 2018 انطلاقاً من مدن عطبرة وبورتسودان والنهود، ومثّل القمع الشديد الذي تعرّض له الموكب من قِبل قوى الأمن ومليشيات الأمن الشعبي مأساة حقيقية ومذبحة على اعتاب العالم المتحضر. سعى الموكب الذي تجمع في منطقة السوق العربي عند تقاطع شارع القصر مع شارع السيد عبد الرحمن للوصول للقصر الجمهوري بصورة سلمية بهدف تسليم مذكرة إلى رئاسة الجمهورية مطالبة بالتنحي الفوري للبشير وتسليم الحكم لسطلة انتقالية تمهد الطريق لانتخابات حرة، تحول بعد القمع الشرس الذي تعرض له إلى المناطق القريبة من السوق العربي. لكن الملحمة الأعظم جرت في منطقة بري حيث امتلأت شوارعها بالثوار وفتح السكان بيوتهم لحماية المتظاهرين وارهبت ضخامة المظاهرات مليشيات المؤتمر الوطني التي استهدفت المتظاهرين بالرصاص مباشرة فسقط ثلاثة شهداء وأصيب العشرات بطلقات الرصاص الحي، وانتهى اليوم باعتصام كبير أمام مستشفى رويال كير الذي تعامل معه الأمن بقساوة ضارية حيث أمتلأ المكان بدخان القنابل المسيلة للدموع وبأصوات طلقات الرصاص.
رغم الألم العظيم الذي سببه استشهاد شباب في مقتبل العمر والعدد الكبير للإصابات بين المتظاهرين، فقد حققت الثورة انتصاراً كبيراً بازدياد التفاف السودانيين حولها وتأكيدها أن نظام المؤتمر الوطني على وشك السقوط وأن العنف المفرط ما هو إلا محاولة لترهيب الناس وتكرار سيناريو سبتمبر 2013.
في اخر ليل الخميس ابتدر تجمع المهنيين السودانيين مناقشة مع المواطنين على صفحته في الفيس بوك حول مسارات الثورة السودانية في المرحلة القادمة حيث أكد المشاركون على:
– أن الطريق إلى اسقاط هذا النظام شائك وملئ بالمخاطر وذلك لأن عدد لا يستهان به من السودانيين متورطين معه في جرائمه يضاف إلى ذلك خوف رئيسه من مذكرة المحكمة الجنائية المطالبة بتسليمه لمحاكمته على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية،
– حتمية استمرا الثورة مهما كانت التضحيات التي يقدمونها مهراً للحرية،
– استمرار سلمية الثورة وعدم الاستجابة لمخطط المليشيات لجر المواطنين للعنف،
– أن كل أعمال البلطجة والقتل التي تنهجها قوات النظام هي من علامات انهياره،
– الحاجة لخطط جديدة لجذب المزيد من المتظاهرين عن طريق العمل على الأرض بين الناس لأن عدد مستخدمين الفيس بوك ليس كبيرا وينحصر غالباً بين الشباب وهناك شرائح كثيرة تحتاج لتبصيرها بالحراك وأهدافه وتحييد الخطاب الحكومي الذي يستهدفها، مثلاً عدد سكان ولاية الخرطوم يصل إلى ثمانية ملايين والذين يشاركون في المظاهرات فعلياً ربما لا يتجاوز عشرات الآلاف.
وطلب عدد كبير من المشاركين من تجع المهنيين السودانيين تعيين ناطق رسمي باسمه على أن يكون مقيماً خارج السودان حتى لا يتعرض للاعتقال، وبُرّر هذا الطلب بأن التجمع لا يزال جسم غامض بالنسبة للسودانيين، كما أن وجود ناطق رسمي يحمي التجمع من الحسابات الوهمية التي تنتشر باسمه على الفيس بوك وتحاول أن تصدر بيانات وتوجيهات مشوشة للمتظاهرين ومعيقة للحراك في مجمله، كما أن وجود الناطق الرسمي يسهل للتجمع مخاطبة العالم عبر القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية.
بينما طالب أغلبية المشاركين باستمرار المواكب والمظاهرات الليلية في الأحياء، برزت أصوات تطالب بالتوقف عن التظاهر والإعلان عن العصيان المدني والاضراب الشامل، ترى هذه الشريحة أن النظام لا يتسم بالقدر الأدنى من المسؤولية والوطنية فهو على استعداد لقتل الالاف في سبيل استمراره في السلطة وحقناً لدماء شباب السودان على جميع العمال والموظفين والطلاب والعسكريين الوطنيين أن يبقوا في منازلهم وأن يشلوا البلاد تماماً، قوبل هذا الاقتراح بتحفظات كثيرة يمكن اجمالها فيما يلي:
– هناك عدد لا يستهان به من الموظفين المنتسبين أو المتعاطفين مع المؤتمر الوطني وذلك لأنه طوال سنوات الإنقاذ كان التعيين في الوظائف الحكومية يناله أصحاب الولاء وعشيرتهم، كما أن هؤلاء الموظفين يسهل ارهابهم عن طريق تهديدهم بالفصل والحرمان من الاستحقاقات،
– الانسحاب من الشوارع بسبب العصيان يتيح فرصة للنظام ليستجمع أنفاسه ويعيد ترتيب صفوفه وسيتيح له الفرصة لتكثيف خطابه التحفيزي والترهيبي والذي ربما يضر بتراكمية الفعل الثوري،
– ان العصيان يقتضي نجاحه القيام بحملة كبيرة بين المواطنين لتنويرهم وهو الأمر الذي يعجز عن تحقيقه في الوقت الراهن تجمع المهنيين والأجسام السياسية المتحالفة معه بسبب قلة المنابر وبسبب الحملة الأمنية الشرسة التي تستهدف الناشطين والصحفيين في كل مكان.
طالبت شريحة من المشاركين بالاعتصام بالقرب من السفارة الامريكية وذلك بهدف حماية المعتصمين من بطش الأجهزة الأمنية التي تخشى العين الأمريكية ويد اليانكي الطويلة، وسيؤدي هذا الاعتصام للتدخل الأمريكي الذي سيصبح عندها معني بدرجة كبيرة بهذا الصراع كما أن اهتمام الاعلام الأمريكي بالمظاهرات سيزداد وسيمثل هذا دعماً كبيراً لثورة 19 ديسمبر.
أم المشاركون الذين طالبوا باستمرار المظاهرات والمواكب فقد انقسموا إلى فريقين، يرى فريق وجوب انتهاج لا مركزية المواكب بمعنى أن يتم تسيير مواكب إلى اهداف مختلفة بدلاً عن استهداف فقط القصر الجمهوري، فهم يرون أن يتم تسيير مواكب متزامنة إلى كل من: القيادة العامة الخرطوم بهدف تحفيز الضباط الوطنيين على الانحياز للثورة والمجلس الوطني أم درمان والقصر الجمهوري الخرطوم ومواكب للمحليات، مثلاً موكب إلى محلية جبل أولياء ومحلية كرري وهكذا، كما اقترحوا تسيير موكب إلى شارع المطار والذي سينتج عنه حتماً تعطيل حركة الملاحة الجوية لأن إجراءات السلامة الموصي بها من هيئة الطيران المدني تقتضي ذلك في حال وجود مظاهرات حول أي مطار.
بينما يرى فريق اخر بضرورة الابتعاد عن منطقة وسط الخرطوم لأنه يسهل فيها استهداف المتظاهرين والناشطين وأنه لا ضرورة لاستهداف القصر الجمهوري بالمواكب وفضل هذا الفريق تظاهرات الأحياء التي توفر بطبيعتها حماية للمتظاهرين لأن المتظاهر يتحرك في منطقة جغرافية يعرفها كما يسهل عليه تمييز عناصر الأمن المندسة، علاوة على أن مظاهرات الأحياء يسهل المشاركة فيها من قبل الجميع دون جهد مهدر في التنقل لمسافات بعيدة، كما ينتج عنها إنهاك كبير للأجهزة القمعية التي تجد نفسها مشتتة في مساحة جغرافية كبيرة.
تقتضي المرحلة القادمة تنسيقاً كبيراً بين مختلف القوى السياسية الفاعلة وتنويراً كبيراً للمواطنين، فالثورة تمضي بقوة نحو غايتها العظيمة: اسقاط طغمة 30 يونيو، وأصبحت أقرب لتحقيق ذلك أكثر من أي وقت مضى، ويشيع مناخ من التفاؤل بين الجميع رغم قسوة بطش الأجهزة الأمنية الموالية للمؤتمر الوطني.
عاطف الحاج سعيد
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..