مورفولوجيا المجتمعات السودانية ومردودها العام

خلال قراءاتي المتفرقة ، عثرت على ورقة بحثية للدكتور جميل الحمداوي(1) ، تحدث فيها عن مفهوم المورفولوجيا الاجتماعية ، قادتني بدورها للطلاع على دراسة متكاملة ، لـلمفكر وعالم الاجتماع ( موريس هالبواك )(2) ، على ضوئها عنّ لي كتابة هذه الورقة ، بغية تسكين مفهوم المصطلح ومقاربته مع واقعنا الاجتماعي ، فالمفهوم من المفاهيم الفاحصة للظروف البيئية ، التي تسهم في دوافع الاجتماع المتنوعة ومناشطها الاقتصادية.
المصطلح صاغه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير ( ديفد أميل دوركايم)(3) ، أحد رواد علم الاجتماع الحديث ، وواضعي قواعد المنهج السوسيولوجي ، حيث تولى تبويب علم الاجتماع إلى فروع ، منها ما اصطلح على تسميته ( بالمورفولوجيا الاجتماعية ) ، وهو الفرع الذي يُعنى بدراسة البيئة الجغرافية وعلاقتها بالنظام الاجتماعي ، حيث قدم له في مؤلفه ( السنة السوسيولوجية ) قائلا :-
((تستند الحياة الاجتماعية إلى أساس بتحدد في شكله كما في مقدار ، وهو يتكون من مجموع الأفراد الذين يؤلفون المجتمع ، والشكل الذي ينتظمون به على الأرض ، وطبيعة وشكل العلاقات الجماعية من كل نوع ، ولا تكمن المورفولوجيا الاجتماعية في علم مبسط من الملاحظات والوصف ، بل يجب ان تكون تفسيرية متسائلة عم ماهية القوانيين التطورية )) انتهى الاقتباس.
قطعا إن الفرضية الأهم في قواعد الرصد الاجتماعي ، تكمن في تفسير وفهم الدانمية الاجتماعية ، من حيث الدافع للاجتماع ومحفزات البقاء والاستمرار.
يقول الدكتور جميل الحمداوي أيضا في تفنيد المصطلح :-
(( إن مصطلح المورفولوجيا مستلف من حقل العلوم المادية أو الفيزيائية إلى حقل علم الاجتماع ، بغية دارسة بنية المجتمع أو شكله أو هيئته أو حالته البنيوية أو الشكلية ، كدراسة توزيع السكان فوق الأرض ، ووصف الظروف المكانية والجغرافية ، التي ترتبط بها المساكنة الديموغرافية وبالتالي فالمورفولوجيا الاجتماعية ، هي مجمل الظروف المادية الأساسية التي تنبني عليها الحياة الاجتماعية ، وهي التي تتحكم في قيّم المجتمع وتصرفاته وأفعاله ، كما تدرس المورفولوجيا الاجتماعية البنى البدوية والبنى الحضرية ، وكيفية انقسام الإقليم أو الدولة إلى مجموعة من البوادي والمدن الحضرية ، والهدف من ذلك كله معرفة آثار هذه المورفولوجيا في المجتمع وتنظيماته المتنوعة والمختلفة)) انتهي الاقتباس.
على الرغم من أن المصطلح مستلف لحقل الاجتماع كما جاء أعلاه ، غير أن الملاحظ تطرق علوم الجغرافيا البشرية والطبيعية لذات المضامين وفق مناهجها.
على أي حال ـ لو أجلنا النظر حول هياكل ونظم الكيانات الاجتماعية في السودان ، ونشاطها الاقتصادي ومردودهما على الوضع العام ، يبدو جليا أثر المورفولوجيا وعلاقتها المتجذرة بطبيعة وشكل نظمنا الاجتماعية ، جدير بالذكر أن علماء الجغرافيا الطبيعية ، يصنفون السودان كدولة مدارية ، فمن حيث موقعه الجغرافي و الفلكي ، يتميز بتعدد مناخي آثارة مباشرة على بيئته الطبيعية ، تتدردج من المناخ الصحراوي الذي يشكل ثلثه الأول ، إلى السافنا الفقيرة عند ثلثه الثاتي ، وأخيرا السافنا الغنية عند ثلثه الأخير.
ما يلاحظ في ثلثه الأول الصحراوي ، أن الفقر الشديد في موارد الحياة الأساسية كالماء والكلآ والأرض الخصبة ، لم يكسر حدتها سوى مجرى النيل وبعض الواحات المتفرقة ، حيث وفرا قدرا مناسبا من الموارد ، تفي بازدهار حياة بشرية وحيوانية على تخوم الوديان وحوض النهر لقد كفلت موارد الحوض النهري لمجموعات سكانية ، فرص الاستقرار المستدام عن طريق ممارسة نشاط زراعي تقليدي ، لا يتعدى عائده الاقتصادي حاجات المعاش الأولية ، غير أنه أسهم مع عوامل استراتيجية أخرى ، في ظهور بناء اجتماعي وعمراني من قدم ، أفرز أعراف وتقاليد ونظم سياسية ، أولت الأهمية القصوى لعلاقة الأسرة والمجتمع بالأرض وموارد النهر فعملت على اعادة صياغتها وتقنين استقرارها على نمط اقتصادي ، يبعدها عن الصيغ القبلية المؤسسة على حمية الدم ، الأمر الذي يسر انتقال هذه الكيانات إلى الحياة المدائنية بنظمها الإدارية والقانونية ، ولكن فيما غير وادي النيل نجد بقية التكوينات البشرية ، آثرت الحياة الصحراوية بشظفها ، وامتهنت الرعي محتمية بالوديان والواحات المتفرقة ، الأمر الذي فرض عليها نمط الحياة الرعوية ، بضوابطها ونظمها الإجتماعية القائمة على علاقة الدم ، كأفضل وسيلة لحماية الثروة وتنظيم علاقات الأفراد ببعضهم وتجاه الأغيار ، طبيعة حياتهم البدوية هذه خلت من أي حاجة ماسة أو دافع ضروري ، يجذب اهتمامهم بنظم الحكم الحديثة مركزية كانت أم لا مركزية ، وأذكر هنا مقولة عالم الاجتماع العربي ابن خلدون ، التي شخص فيها تلك النزعة الغير مستجيبة للقيود والنظم .
بالانتقال لمناخي السافنا الفقيرة والغنية نجدهما يوفران للسكان ، غطاء نباتي ومياه موسمية بمعدلات حسنة ، تفى بازدهار ثروة حيوانية ، مع ذلك ـ نلحظ أن طابع التنظيمات الاجتماعية وسبل كسب عيشها ، مضت على نسق سكان الصحاري القاحلة ، من حيث الاعتماد على الرعي والثمار كنمط اقتصادي غالب لمورد كسب العيش ، وبعض من نشاط زراعي موسمي طابعه معاشي فوق أنه بدائي ، البدائية التي أعنيها هنا منصرقة للوسيلة التي يمارس بها النشاط لا المهنة بذاتها ، ولما كان ثراء الغطاء النباتي مرتبطا بتقلبات المناخ ومواسمه فرضت تلك التقلبات على الكيانات البشرية ، وسيلة الارتحال خلف ثروتها الحيوانية بحثا عن الماء والكلآ ، وقد طبع ذلك حياة هذه الجماعات بطابع عدم الاستقرار ، ولما كان الاستقرار يشكل المدخل الأساسي لاعادة توظيف المجتمع ، وتنظيم حاجاته وتوجيه نشاطه الاقتصادي نحو بنيات اقتصاد السوق ، فمن الطبعى أن تؤسس نظم الحياة الاجتماعية بين أولئك الرعاة غير المستقرين،على حمية الدم وصلات القربى وفق متطلبات اقتصاد المعاش البيئي، بحسبانها الأكثر قدرة على حمايتهم وتنظيم علاقاتهم ببعضهم وتجاه الأغيار .
الشاهد فيما أسلفت ، أن الواقع الغالب في حياة قطاعات اجتماعية واسعة في السودان، تحكمت في تشكيلها طبيعة بيئتنا الجغرافية ، ولعل نقد وترويض تلك التشكيلات الاجتماعية القبلية نظريا أو قسرا ، دون تخطيط مدروس يأخذ بالمسببات ويضع بدائل تنموية تطبيقية ، لهو ضرب من يوتوبيا مناطحة حائط الواقع ، فالتشكيلات القبلية والإثنية مراحل طبيعية مرت بها سائر المجتماعات الأولية ، في مرحلة من مراحل تطورها نحو الأفضل ، وهي مرحلة تظل مفروضة بحكم قوانيين البيئة ، ما لم تحدث طفرة تنموية اقتصادية وحضرية تعليمية ، يُخطط لها بعناية بغية إحداث تغيير في موازين العلاقة الاجتماعية ، ونشاطها الاقتصادي ووعيها الجمعي ، تفتح مسارات للاستقرار الاجتماعي ، و التحول من نمط التنظيمات القبلية والاثنية إلى نمظ الحياة الحضرية المستقرة المحكومة بمعارف إدارية وقانونية مدائنية ، وبنية اقتصادية حديثة يستجيب لها المكون الاجتماعي ، ويخضع لشروطها في العمل ، تسمح بتنظيم حاجاته وضبط علاقاته بمعزل عن آصرة الدم .
لعلي لا أجافي الحقيقة حين أزعم أن تأخر الكيانات السودانية اجتماعيا واقتصاديا ، مرتبط بنمط الاقتصاد البيئي السائد المفتقر لشروط السوق ومفاهيمه النقدية ، وكما أسلفت قإن أنماط النشاط الاقتصادي الغالب طابعه معاشي ، وفق محددات بيئية ومناخية مسيطرة لا يملك السكان بقدراتهم المحدودة الفكاك منها ، ولعل تلك الأنماط البيئية هي التي لعبت الدور الرئيس في استنباط نوع السلطة ، ونظمها المتحكمة في علاقة الكيانات الاجتماعية ببعضها وببئتها فالنظم القبلية والعشائرية في البوادي والأرياف ، لم تنشأ نتاج أمزجة سلطوية أو مجتمعية غير محكومة بطبيعة البيئة ومعطياتها ، ولعل التطور الوحيد الذي أنجز على زمان السلطنات والممالك القديمة ، في العصور السودانية الوسطى قبل نشأة السودان الحديث ، هو تطور طفيف صاحب مفاهيم السلطة وهيكلها الإداري وشكلها الاجتماعي ، بمعزل عن أي تطويرأو تغيير صاحب النشاط الاقتصادي ، يمكنه أن ينتج أثرا في الوسائل التقليدية المعتادة ، أو يحدث اختراقا في طرق كسب العيش .
لقد انتقلت السلطة من نمطها القبلي والعشائري إلى سلطة شعوبية ( سلطنات) ، سمحت بتنظم التعايش بين عدد من القبائل المتنوعة والإثنيات تحت إدارتها ، استنادا على مميزات الغلبة وفق معايير الثروة أو القوة البشرية أو الحمية الدينية ، بينما ظل النشاط الاقتصادي تقليديا تتحكم فيه كما في السابق معطيات بيئة ، سواء كان رعويا أو زراعيا بوسائل بدائية .
إذن صور النظم السلطوية التي ظهرت وقتذاك ، لم يكن ضمن معاييرها نحو التطور الإداري تغيير في النشاط الاقتصادي ، بل كان الدافع الأوحد تنظيم سلطوي يستجيب لحاجات استيعاب التنوع الإثني ، الذي اجتذبه استقرار إداري وأمني وفرته في إطار حدودها الجغرافية المحلية .
ظل الحال على هذا النحو في البقعة الجغرافية التي عرفت فيما بعد بالسودان ، إلى أن جاءت جيوش اسماعيل باشا غازية عام 1821م ، وبهزيمتها لأشكال السلطة السياسية السائدة ،أنشأت بديلا عنها سلطة استعمارية مركزية ، بنت إدارة البلاد على مفاهيم حديثة نوعا ما ، غير أن الهياكل التي وضعتها لشكل الحكم ومرافقه الإدارية ، لم تكن بالعمق الذي يطول أو يخترق الوضع القاعدي لتنظيمات المكونات الاجتماعية ، أو يسعى لتغيير أو تطوير نمط نشاطها الاقتصادي التقليدي السائد ، حيث ابقت على النظام الاجتماعي القاعدي وموارده الإقتصادية على حاله ، تحت سلطة أهلية بذات بنيانها العشائري ، من فوقها وضعت هيكل الدولة ومرافقها الإدارة الاستعمارية الجديدة ، لهذا السبب ظلت علاقة المحكومين بالحاكمين منبتة ، واستمرت أهداف الحكم وغايتة الرئيسة ، محصورة في جباية المال وامتصاص عرق الكادحين والثروات الطبيعية ، دون أدنى اهتمام بتنمية المجتمع أو تطوير وسائلة البدائية في كسب العيش .
على ذلك النحو استمر تكسب الدولة الاستعمارية الأولى ، مستخدمة سائر الوسائل الغير إنسانية التي تتيحها أي سلطة مطلقة منبتة عن المجتمع ، بما في ذلك الإنسان نفسه كسلعة قابلة للتداول التجاري وأعمال السخرة والعبودية ، الأمر الذي راكم الظلم والقمع والجورعلى الكيانات الاجتماعية السودانية ، وتركها متقوقعة داخل صدفتها القبلية ، أومتسربلة بحميتها الدينية الطائفية .
لقد ظلت الدولة الحديثة بشكلها الذي تأسست عليه في العهدين الاستعماري الأول والثاني ، هو الثابت المتكرر حتى في ظل النظم الوطنية بعد الاستقلال ، والحال كذلك ـ يصبح من الطبعي أن تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة مختله ، تضمر الكثير من روح عدم الرضا إن لم تكن الغربة التي تفصم علاقة المحكومين بالحاكمين ، يلاحظ أيضا أن المكون الاجتماعي الحضري ، الذي نشأ بمظهر مدائني في بقاع متفرقة من الوطن ، جاء مولده مستندا على كتف المراكز الإدارية ، تلك المراكز التي أنشأها الحكام منذ العهود الاستعمارية فتدافع الناس إليها وعلى الرغم من ظلها الإداري وما وفرته لمكونها السكاني من أمن ووظائف إدارية دنيا كانت أو عمالية محدودة ،غيرأنها كانت فقيره بلا روافع اقتصادية أو مرافق انتاجية ، باستثناء مدن قليلة منها بورت سودان ( الميناء ) .
مدني ( مشروع الجزيرة ).
القضارف ( الزراعة الآلية ).
عطبرة وكوستي وكريمة ( السكك الحديدية والنقل النهري) على سبيل المثال ، بينما غلب على صيغ الاجتماع التي جاءت منتقلة إلى بقية المدن الادارية ، الصبغة الإثنية أو الطائفية الثقافية بري المحس ، حي العرب ، العباسية ، المسالمة ، حلة حمد ، الدناقلة ، الدامر ، كسلا ، الخ على سبيل المثال ، الشاهد في ذلك ـ أن المجتمعات السودانية بمظهرها البدوي والحضري المدائني ، لازالت تقبع تحت نير معطيات بيئتها الطبيعية ، وما تجود به من موارد تدار بأساليب تقليدية وغايات أولية ، وما لم ننجح في إعادة تسكينها في وحدات انتاجية ، محكومة بمفاهيم اقتصاد السوق ، سوف يبقى الحال على ما علية ، مجرد تشكيلات ديموغرافية تقليدية سارحة في البوادي والأرياف ، لا تملك خيارا يؤمن وجودها ويضمن معاشها ، سوى تلك الصيغ القبلية وما تجود به الطبيعية ، أو تجمعات سكانية في المراكز الإدارية ، لا تخلو مناشطها من صيغ العطالة المقنعة ، والتكسب من خلال مناشط رأس المال الطفيلي ، مثل هذا الوضع لا يدفع بحال في اتجاه اقتصاد السوق الاجتماعي المنتج .
ما يوسف له أن الدولة السودانية متلكئة ، وغير حفية ، ولا تملك رؤية علمية متكاملة ، نحو تغير بنية المجتمع الاقتصادية وتنظيماته التقليدية ، وأزعم أن العلة تكمن في كونها سارت على ذات البني الإدارية والسياسات الاقتصادية للدولة الجابية السيدة المخدومة التي أنشأها المستعمر لا الدولة الخادمة لمجتمعاتها ، ولعل صيغ الاستثمارات الخارجية والقروض التي تسعى لها الدولة ، بغية تحقيق الطفرة الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة ، ليست كلها إيجابية باـتثناء ما تعلق منها بالبنيات التحتية ، أو الاستثمار في المجالات التقنية والصناعية .
قطعا للاستثمارات الصناعية مرود جيد ومباشر ، من حيث تحسين العائد الاقتصادي القومي وتعديل صيغ النظام الاجتماعي ، ذلك بما تسهم به في ظهور تجمعات عمالية ومهنية وسطى تعيد صياغة أفرادها وتنظم حاجاتهم بعيدا عن أواصر الدم ، غير أن الملاحظ في الغالب من الاستثمارات الخارجية أنها زراعية حيوانية ، وهي استثمارات مردودها سالب في إطار المدخول الجمعي لأفراد المجتمع ، ذلك لأن عائد هذه المشروعات يذهب لجيوب ملاكها الأجانب في المقام الأول ، ومن بعدهم الدولة في شكل رسوم وعوائد وضرائب ، فضلا عن نسبة من الأرباح فيما إن كانت الدولة مركزية كانت أو ولائية شريكة ، ولعل كل الذي يطول الفرد والمجتمع من منافع مثل هذه المشاريع ، لا يتعدي توظيف عمالة محلية محدودة كسيرة الجناح لقلة عدديتها ، وغياب تنظيم نقابي غير متماهي مع سياسات الحكام يحمي حقوقها وبعض خدمات بسيطة كالإسهام في تأسيس مرافق خدمية تعليمية أو صحية أولية ، هي أصلا من أوجب واجبات الدولة الخادمة .
عليه فإن مثل هذه الاستثمارات الزراعية ، لا يرجى منها تحقيق طفرة اقتصادية محلية ، تسهم في تحسين حياة أفراد المجتمع أو تعدّل صيغ الاجتماع التقليدية ، بعيدا عن واقعها السائد الآيل إلى التصدع .
مثل هذه الاستثمارات هي شكل من أشكال الاستثمارات المقنعة ، المخادعة للذهن الشعبي لوكنها جاءت مستغلة لضعف رأس المال المحلي ، فعطلت أو ربما تعيق فرص نموه المستقبلي إلى الأبد .
بالعود لفكرة استقرار الرحل ، لعله من المفيد الإشارة هنا لتجربة جرت في كينيا بتمويل من البنك الدولي ، التجربة في ذاتها لم تكن معيبة ، غير أنها لم تحقق هدفها بسبب ظروف أخرى هامة كان من الواجب وضعها في الاعتبار، قطعا مثل هذه المشروعات الاقتصادية /الاجتماعية تمس عادات الناس وثقافتهم ، لذا من الضروري أن يصحبها مشروع توعوي تطبيقي موازي يدرس تقاليد المجتمع المستهدف وأعرافه وقيمة الاجتماعية ، ويضع لها الحلول العلمية ، فلا جدوى منتظرة من تنفيذ مشروع لاستقرار الرحل ، وتطوير نمط نشاطهم الاقتصادي التقليدي دون ابتداع بدائل تغير المفاهيم الاجتماعية ونظرتها للحيوان ، بحيث لا تكون النظرة الاجتماعية لقيمة ومكانة الفرد في المجتمع ، مرتبطة بعدد ما يملكة من ثروة حيوانية ، والعمل على ترسيخ القيمة النقدية في تعاملات العلاقات الاجتماعية كالمهور في الزواج والديات في حوادث القتل ..الخ ، كعمل مرافق لمشروع تطوير النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار.
خاتمة :
لإن كانت تلك جملة حقائق اجتماعية اقتصادية على الأرض ، يكشف عنها واقعنا المورفولوجي الاجتماعي ، فمن العبث إلهاء الوعي الجمعي من خلال تسخير القلم المثقف ، ليمضي غارقا في سفسطة ايديولوجية عقدية ، ومؤتمرات وبحوث ومقارعات فوقية عن الهوية ومعانى المواطنة في أوساط مجتمعات لا زال قسمها الأكبر ، برزح تحت تشكيلات أولية ووعي إثني و طائفيات ثقافية ، و بقيته الحضرية جاء اجتماعها المدائتي كما أسلفت ، متطفلا على المراكز الإدارية تعتاش من ريع سمسرتها من خدماتها .
وضعنا الآن أحوج ما يكون لمراكز بحثية تُجري الدراسات والبحوث ، وتصوغ حلول علمية تشرع في تنفيذها مؤسسات الدولة ، عندها فقط تكون أقدامنا قد تحسست موضعها نحو النهوض واللحاق بحضارة العصر، فالدولة لا تنشيء المجتمع بل المجتمع هو الذي ينشيء الدولة.
:
مراجع:
(1) ورقة بحثية للدكتور جميل حمداوي حول المروفلوجيا الاجتماعية ..
(2) موريس هالبواك / المرفولوجيا الاجتماعية / ترجمة دكتور حسين حيدر / منشورا عويدات بيروت.
(3) إميل دوركايم / قواعد المنهج في علم الاجتماع/ ترجمة: محمود قاسم والسيد محمد بدوي/ دار المعرفة الجامعية .
(4) معلومات عامة جغرافية / تاريخية / اجتماعية من قراءات سابقة مختزنة في الذاكرة
حول طبيعة وصور الحياة الاجتماعية السائدة في السودان.
[email][email protected][/email]




اﻻستاذ محمدعلي شكرا على المقال التنويري الرائع والتشخيص الحالة االرعوية والمدنية في السودان…المشكل الكبير هو ان جميع مشاريعنا التنموية عندما يتحدث عنها المخططون حاجة فوق الممتاز مثل النفرة الخضراء، السدود، الكباري، المطارات…الخ لكن على ارض الواقع تاخذك الحيرة الى الطريق المعاكس …الله يكون في عون الجميع…تحياتي لك واﻻسرة…
اﻻستاذ محمدعلي شكرا على المقال التنويري الرائع والتشخيص الحالة االرعوية والمدنية في السودان…المشكل الكبير هو ان جميع مشاريعنا التنموية عندما يتحدث عنها المخططون حاجة فوق الممتاز مثل النفرة الخضراء، السدود، الكباري، المطارات…الخ لكن على ارض الواقع تاخذك الحيرة الى الطريق المعاكس …الله يكون في عون الجميع…تحياتي لك واﻻسرة…