الأصوليون السودانيون والثقافة … خِصامٌ دائم

عثمان شنقر

في حادثةٍ أشبه بحوادث العصور الظلامية، الموغلة في الجهل والتخلُّف الحضاري، أقدم وزير ثقافة وإعلام سوداني، في بدايات تسنُّم الإسلاميين كرسيَّ السُّلطة في السودان، قبلَ ربع قرنٍ ، على اقتحام كلية الفنون الجميلة، في ثورةٍ عارمة ضد الفنون، وقام بتهشيم التماثيل وأشغال النحت التي كان يعكف عليها طلاب الكلية، بصورةٍ همجية جاهلة، مُستخدماً عصاه في البدء، ثم أمر مرافقيه من الحرس بتكسير كل التماثيل و «الأصنام» باعتبارها رجساً من عمل الشيطان!

ظلت هذه الحادثة البشعة محفورة في ذهن كل المشتغلين بالفنون والثقافة منذ ذلك الحين وحتى الآن. و شكلت الحادثة الغريبة على طبيعة الإنسان السوداني المتسامح، حاجزاً نفسياً بين المثقف والكاتب السوداني من جهة، و نظام الحكم الإسلامي السوداني، في إهابه الثوريِّ مطلع تسعينات القرن المنصرم، من جهةٍ ثانية.

بين الثلاثين من يونيو الماضي والثلاثين من يونيو 1989، جرتْ مياهٌ كثيرة تحت الجسر.

مع حلول الثلاثين من شهر يونيو الماضي، كانت حكومة الإنقاذ الوطني الحاكمة في الخرطوم، أكملت ربع قرن بالتمام والكمال في حكم السودان (30 حزيران/ يونيو 1989- 30 يونيو 2014). وقد خلَّف حكمها المديد، الكثير من أمور القصور والإخـــفاقات الماثلة في أوجهٍ عدة من أوجه الحـــياة في السودان على مســـتوياتٍ سياســـية واقتصادية واجتماعية وتربوية وصحية ورياضية وثقافية.

ربع قرن من الزمان في الانفراد بالحكم، اقتضى مراجعات وجرد حسابات كثيرة على أكثر من وجه. دأب أهل السياسة والاقتصاد على جرد مسيرة الإنقاذ العامرة بالإخفاقات في كل عام، منذ تسنّم مجلس ثورتها كرسيَّ الحكم، فيما يهمل أهل الشأن الثقافي «جرد حسابهم الخاص» مع الإنقاذ في كلِّ عام، وكأن الفعل الثقافي شأنٌ ثانوي بالنسبة إليهم، كما هو بالنسبة لأهل الحكم!

ولأن الحراك العام في السودان، في شتى مظانه الثقافية والفكرية والفنية، دائماً وأبداً، بلا ذاكرةٍ حيَّة ترصد وتوثق ما حدث، فلا بد من التعرُّض بشيء من الرصد والتحليل لما جرى طيلة ربع قرن للشأن الثقافي من إهمال وإقصاء للكُتَّاب والفنانين الحقيقيين وتشريدهم، الأمر الذي جعلهم يختارون منذ وقتٍ باكر المَهاجر البعيدة في أميركا وأستراليا وكندا.

الواقع أن ما ارتكبته الإنقاذ من جرائر تجاه الفعل الثقافي والفكري، سواء على مستوى مؤسسي أو فردي، كان بقصد متعمد ولم يكن معزولاً عن سياقه السياسي. فقد جاء الإسلاميون السودانيون إلى الحكم بلا كوادر ثقافية أو فكرية. وكانت حلقة الثقافة من أضعف الحلقات في مشروعهم المسمى «المشروع الحضاري»، وقد أشار الباحث الأكاديمي والإسلامي البارز عبد الله حمدنا الله إلى ذلك في إحدى إفاداته للصحافة. وبالنسبة إلى حمدنا الله، فإن الإسلاميين لم يولوا الشأن الثقافي والفني في مشروعهم الفكري عناية كافية، ليس لأن كوادرهم ضعيفة وقليلة في المجال فحسب، وإنما لأن المشروع نفسه، في سياقاته الفقهية، كان يتهيب الاقتراب من مكامن الفعل الثقافي والفني، لأسبابٍ ومسوِّغات غير محسومة فقهياً.

فيما يورد الباحث حسن مكي، أحد الرموز الإسلامية المرموقة، رأياً طريفاً في هذا الصدد، مفاده أن الإسلامي الحركيَّ الذي يؤمن بالقتال والجهاد، إبان سني الحكم الأولى التي مات فيها كثير من شباب الإسلاميين في حربهم ضد الحركة الشعبية، بإمكانه إطلاق مئات الطلقات في الدقيقة الواحدة من بندقيته الآلية، وليس له استعداد لقراءة خمس صفحات من كتاب. للكثير من الإسلاميين المهتمين بالشأن الفكريِّ والثقافي آراء ووجهات نظر تعضِّد من هذا الرأي.

وبالعودة إلى حادثة وزير الثقافة الإنقاذي العتيد الذي اقتحم كلية الفنون وهشم تماثيلها، في فعلٍ أقلَّ ما يوصم به أنه همجيّ، فإن هذه الحادثة تحمل دلالات وإشارات واضحة تشير إلى أن الإسلاميين لا يمكن أن يتصالحوا مع الثقافة والفن على أيِّ حال. أولى مشكلاتهم مع الفنون والثقافة أنهم لم يحسموا بعد، في أدبياتهم، إن كان الفن حلالاً أم حراماً. وهذا الأمر يجعل الإسلاميين في السودان يتهيبون كل ما هو ثقافي وفني، مما يجعلهم يتخبطون كثيراً عندما يُقدمون على تقديم عمل ثقافي وفق فهمهم وإمكاناتهم وقدراتهم المحدودة.

في هذا السياق، كانت للإسلاميين تجربة طريفة مع أسلمة المسرح مطلع تسعينات القرن الماضي. فلا يزال المشتغلون بالفنون المسرحية يذكرون ذلك المخرج المسرحي الملتحي، صاحب التنظير الإسلامي الدرامي الذي ينهض على ما سماه «المسرح العابد»، وكل اجتهاده الفكري في الأمر أن يضع ضمن ديكور أيِّ مسرحية مئذنة مسجد في خلفية العرض، وبذلك يكون الفعل المسرحي ضمن منظومة الفن الإسلامي المزعومة التي جاء بها! فتأمل!

وبطبيعة الحال، فشلت هذه التجربة وغيرها من التجارب لأسلمة الفنون والثقافة فشلاً كبيراً في ذلك الوقت، وتحولت في ما بعد، وسط الفنانين والكُتَّاب، إلى سخرية لاذعة ومثار تندر ومزاحٍ شديديْن.

على أيِّ حال، وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً على حكم الإسلاميين في السودان، فإن العلاقة بينهم وبينهم الكُتَّاب والمثقفين والفنانين، ما زالت تراوح مكانها، بين سوء الظن وعدم الثقة من الطرفين.

دار الحياة

تعليق واحد

  1. يا حليلك يا خوجلي عثمان الفنان الانسان, دمك راح هدرا ضحية الكيزان!!! لا زلنا نبكيك والقلب ولهان, فنم قريرا شهيدا في أعلى الجنان … اللهم أرحمه واغفر له وتقبله عندك شهيدا, وخذ له حقه يوم تقيم الوزن بالقسط و لا تخسر الميزان …

  2. من هو هذا الوزير؟ أوعه يكون عبدالله محمد أحمد (صديق و حبيب و أخ الصادق المهدي ، كما وصفه في لقاء إذاعي).و في هذه الحالة يكون التركي و لا المتورك مثلا صادقاً.
    أحد الإسلاميين وضع كل التماثيل العارية و غير العارية في المخزن.
    ذهبتُ يوماً لزيارة أحد الأصدقاء و هو فنان كبير و طرقتُ الباب المغلق . لم يفتح إلا بعد فترة ! فقد كان منشغلاً بتغطية سؤأة التمثال الذي كان يعمل عليه و كان مرتعباً من الطارق! لعله طارقٌ و بئس القوم الظالمين !

  3. للحقيقة والتاريخ الذي قام بتكسير التماثيل في كلية الفنون الجميلة ليس وزير الثقافة بل هو طالب كان يدرس في نفس الكلية وكان متميزا ولكن عاد من إحدى الاجازات بحالة نفسية مختلفة قام على أثرها بتحطيم الاصنام كما سماها الطالب المريض، ولا يوجد داعي لتزوير الحقائق واقحام السيد علي شمو وزير الثقافة والاعلام حينها في الموضوع

  4. العزيز شنقر .تحياتى. هذا رصدجيد ومختصر . ولكن راجع هذا الإقتباس مما كتبت “على أيِّ حال، وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً على حكم الإسلاميين في السودان، فإن العلاقة بينهم وبينهم الكُتَّاب والمثقفين والفنانين، ما زالت تراوح مكانها، بين سوء الظن وعدم الثقة من الطرفين.” و الحال كذلك ألا ترى ان هؤلاء الاسلاميين اكثر ذكاءاً منا نحن فى إتحاد الكتاب السودانيين حينما تسربوا الى معاقلنا بدعوى إستضافة بعض الكتاب المصريين فى دارنا . وهم من قاموا بدعوتهم ليجملوا وجوههم فى العالم العربى لما علموا ان اتحادنا عصى على الإنصياع لموجهات التوجه الحضارى . الا ترى انه من الواجب علينا فى اتحاد الكتاب السودانيين ان نطلع عضويتنا على الثغرة التى تسرب بها شباب المؤتمر الوطنى الى عرين الاتحاد و إقامة منشط من مناشطه ؟ و لماذا إختار إتحانا من دون المراكز الثقافية التى تعج بهااليلاد ؟ هل كان من الممكن أن يجرؤ على ذلك فى زمن الامين العام السابق؟ حاولت أن ادفن هذه الخطيئة عميقا فى دواخلى و لكنها تنقحنى بإستمرار و ها أنت اثرتها من جديد ز و اريد ان اؤكد أن الاسلامويون قد حسموا علاقتهم بالثقافة و الفنون قبل أن يسطوا على السلطة و لذلك لم يك لهم اى منتوج ثقافى إنسانى . و الان بعد “ان مرت مياه كثيرة ” و بعد ان فشلوا فى إزهاق روح الثقافة و الفنون يحاولن ان يتسربوا الى رئاتها ليخنقوها او يلوثوا القابضين جمرها . واول الثغرات إهتبلوها . وإنا لله و إنا إله راجعون .

  5. يا عثمان شنقر
    خليك واقعي وصادق مع نفسك .. قل الحقيقة ولو على ذاتك ونفسك .. لو لم يكن للاسلاميين فكر واهتمام ثقافي لما جلسوا على صدر الحكم ربع قرن من الزمان.. والكل يعرف ان الصراع والاهتمام الفكري لم يعرفه طلاب الجامعات في نقاشاتهم وأركانهم السياسية إلا مع الشيوعيين والاسلاميين الذين كانت تتوزع بينهم النخب الثقافية والأكاديمية في جامعة الخرطوم وغيرها.. وأبحث الخواء الفكري والثقافي بين ظهراني تنظيمات البيوتات والأسر التي ما زادت السودان إلا تخلفاً.

  6. يا حليلك يا خوجلي عثمان الفنان الانسان, دمك راح هدرا ضحية الكيزان!!! لا زلنا نبكيك والقلب ولهان, فنم قريرا شهيدا في أعلى الجنان … اللهم أرحمه واغفر له وتقبله عندك شهيدا, وخذ له حقه يوم تقيم الوزن بالقسط و لا تخسر الميزان …

  7. من هو هذا الوزير؟ أوعه يكون عبدالله محمد أحمد (صديق و حبيب و أخ الصادق المهدي ، كما وصفه في لقاء إذاعي).و في هذه الحالة يكون التركي و لا المتورك مثلا صادقاً.
    أحد الإسلاميين وضع كل التماثيل العارية و غير العارية في المخزن.
    ذهبتُ يوماً لزيارة أحد الأصدقاء و هو فنان كبير و طرقتُ الباب المغلق . لم يفتح إلا بعد فترة ! فقد كان منشغلاً بتغطية سؤأة التمثال الذي كان يعمل عليه و كان مرتعباً من الطارق! لعله طارقٌ و بئس القوم الظالمين !

  8. للحقيقة والتاريخ الذي قام بتكسير التماثيل في كلية الفنون الجميلة ليس وزير الثقافة بل هو طالب كان يدرس في نفس الكلية وكان متميزا ولكن عاد من إحدى الاجازات بحالة نفسية مختلفة قام على أثرها بتحطيم الاصنام كما سماها الطالب المريض، ولا يوجد داعي لتزوير الحقائق واقحام السيد علي شمو وزير الثقافة والاعلام حينها في الموضوع

  9. العزيز شنقر .تحياتى. هذا رصدجيد ومختصر . ولكن راجع هذا الإقتباس مما كتبت “على أيِّ حال، وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً على حكم الإسلاميين في السودان، فإن العلاقة بينهم وبينهم الكُتَّاب والمثقفين والفنانين، ما زالت تراوح مكانها، بين سوء الظن وعدم الثقة من الطرفين.” و الحال كذلك ألا ترى ان هؤلاء الاسلاميين اكثر ذكاءاً منا نحن فى إتحاد الكتاب السودانيين حينما تسربوا الى معاقلنا بدعوى إستضافة بعض الكتاب المصريين فى دارنا . وهم من قاموا بدعوتهم ليجملوا وجوههم فى العالم العربى لما علموا ان اتحادنا عصى على الإنصياع لموجهات التوجه الحضارى . الا ترى انه من الواجب علينا فى اتحاد الكتاب السودانيين ان نطلع عضويتنا على الثغرة التى تسرب بها شباب المؤتمر الوطنى الى عرين الاتحاد و إقامة منشط من مناشطه ؟ و لماذا إختار إتحانا من دون المراكز الثقافية التى تعج بهااليلاد ؟ هل كان من الممكن أن يجرؤ على ذلك فى زمن الامين العام السابق؟ حاولت أن ادفن هذه الخطيئة عميقا فى دواخلى و لكنها تنقحنى بإستمرار و ها أنت اثرتها من جديد ز و اريد ان اؤكد أن الاسلامويون قد حسموا علاقتهم بالثقافة و الفنون قبل أن يسطوا على السلطة و لذلك لم يك لهم اى منتوج ثقافى إنسانى . و الان بعد “ان مرت مياه كثيرة ” و بعد ان فشلوا فى إزهاق روح الثقافة و الفنون يحاولن ان يتسربوا الى رئاتها ليخنقوها او يلوثوا القابضين جمرها . واول الثغرات إهتبلوها . وإنا لله و إنا إله راجعون .

  10. يا عثمان شنقر
    خليك واقعي وصادق مع نفسك .. قل الحقيقة ولو على ذاتك ونفسك .. لو لم يكن للاسلاميين فكر واهتمام ثقافي لما جلسوا على صدر الحكم ربع قرن من الزمان.. والكل يعرف ان الصراع والاهتمام الفكري لم يعرفه طلاب الجامعات في نقاشاتهم وأركانهم السياسية إلا مع الشيوعيين والاسلاميين الذين كانت تتوزع بينهم النخب الثقافية والأكاديمية في جامعة الخرطوم وغيرها.. وأبحث الخواء الفكري والثقافي بين ظهراني تنظيمات البيوتات والأسر التي ما زادت السودان إلا تخلفاً.

  11. يا راجل خليك من الثقافة وموجباتها من الحريات .. الاسلاميين ديل في شغل الدين

    اللي فالق لينا بيهو روسينا عملوا شنو ؟

    هل ظهر فيهم مثلا مفسر زي قامة عبد الله الطيب ..؟

    هل ظهر قراء مجودين مثلا ظهرت شهرتهم على مستوى العالم الاسلامي؟

    هل ظهرت ليهم اي اجتهادات اقتصادية استفاد منها العالم الاسلامي وهم يكادوا يكونوا

    الدولة الوحيدة في الدنيا اللي طبقت “الاقتصاد الاسلامي ” في روسين المساكين السودانية . خمسة

    وعشرين سنة من اقتصاد الفساد والنهب والسرقة والفشل التنموي ….

    هل زاد عدد المساجد في ال25 سنة بما يتوافق مع الجعجعة والطنين الفارغ . ما هو الا مسجد العالم

    بالله البشير من مال الشحدة والسحت …

  12. شنقر الثقافة اخلاق ز وليس ادعاء شئ واتيان ما دونه الاسلاميين لا يتحرشون بالفتيات لا يسكرون لا ينطق لسانهم بقبيح اللفظ يا شنقر صاحب العيون الحمراء من

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..