امكانية تعايش انصار حاكمية السماء وأتباع سلطة الأرض..كيف ؟

امكانية تعايش انصار حاكمية السماء وأتباع سلطة الأرض..كيف ؟

محمد عبد الله برقاوي..
[email][email protected][/email]

مثلما الأيام دول تتبدل مع حركة دوران دولاب الحياة الى الأمام ..أيضا نجد أن الموازين السياسة ومنذ قديم الزمان تتعادل أو تتفاوت كفاتها وفقا لتبدل المراحل والحقب ، فتسود فكرة وتحتل موقع الأخرى أو تاتلف فكرتان، ويظل التوافق و الصراع في هذا المعترك يسيران على قدم وساق ، ما بقى الانسان متقلبا ومجددا ومتجددا في علمه ومستنيرا في ثقافته عارفا بأمور عقيدته وساعيا لتأصيل فكره !
بيد أن ذلك كله ينهض بالامم اذا ما اتبعت أسلوب التواصل بالجدل والحجة القوية والبراهين الثابته لا الملفقة ..و لا بطريقة التفاصل والتنابذ والمبارزة بسيوف الألغاء ليسود القوى ويطغى لأنه ملك ناصية النصر بذراعه ، ولم يستحوذ على التفويض بمنطقه ورؤيته الثاقبة لخدمة خصومه قبل اتباعة وقد بات ممسكا لزمام الأمور !
لن نذهب بعيدا وننبش في ركام الآخرين ، فلدينا في وطننا السودان أكواما من المعضلات التى تقف حاجزا يعيق تقدم االوطن ولو قيد أنملة وتمنعه من اللحاق بالأنداد الذين نجحوا في قطع المشوار ليس بالمعجزات التي انتهى زمانها مع الأنبياء والرسل ، فليس لبشر اليوم من عصا موسى لتلتهم حيات فرعون واله أو تشق اليم ليعبر الصالحون الى بر الأمان وتضمه ليهلك الكافرون !
ولايملك أحد من أهل الدنيا أجنحة البراق ليعرج الى السماء ، مهما أدعى الصلاح والفلاح والتفوق على الآخرين بقربه من الله ، مرآة بالعبادات وأداء التكاليف والتميز بشكل ما في ظاهره !
فالمولى من بعد خاتم الأنبياء أغلق هذا الدرب على البشر ، الا أن يفتحه لهم بسلطان والى مدى محدود من العلو وصولا الى القمر أو المريخ مثلا بحثا عن المنافع ، وقد فسر العلماء العارفون بفك أعجاز لغة القران الكريم ذلك السلطان بأنه العلم الذي يصبح الخيارالأقوى مع العزيمة والايمان للنهوض بالأمم لا الجهل والتهويم في خيالات الأوهام !

فالله وحده العالم بسرائر البشر ، ولا يميز بينهم الا بالتقوى ..لا بالمواقع ولا بالقبائل ولا بالتنظيمات ولا بالدول ، فربما درويش مشرد ينام في الطرقات أقرب الى الله من دعاة الولاية الذين يخر ضعاف النفوس ساجدين لهم ومقبلين اياديهم في بلاط قصورهم وسجادات خلاويهم بدعوى علو كعب شرفهم أونقاء عرقهم أو اصطفاء نسبهم من لدن السماء والأرض أو توهما في كرامات تنسب لهم !
ولكن بالمقابل ولنكون منصفين في تعادل ميزان التحليل ، فليس العلم مهما بلغ شأوا في سلم أولويات أية أمه ينبغي أن يكون ذريعة وممحاة لقيم الأمة الروحية والايمانية أيا كان الدين الذي انزل عليها أو زحف اليها لاحقا وأعتنقته عن أرث او قناعة ، فاذا كان العلم هو اللحم في جسد الامم ،فالعقيدة التي تربط هذه الأمة كجسر مع الخالق تظل هي العظم الذي ينبنى عليه ذلك الجسد ليحيا بدمه وروحه !
فالخواء الايماني ، مهما كانت درجة التطور العلمي والتقني في المجتمع يقود لا محالة الى التدهور الأخلاقي بحثا عن حشو ذلك الفراغ بموبغات الهلاك التي تنعكس سلبا على ذلك التطور بعد ان تسلب انسانه كثيرا من تلاحمه مع ذاته ومع من حوله من المجتمع المكون للدولة وان تطاولت في قوتها العسكرية وصلابة عودها الاقتصادي ومتانة عضدها الصناعي ، فينتشر التفكك الأسري ركوبا على ذريعة الحرية الشخصية وتنتشر الرذائل امتطاء لذلك السرج المقلوب ، وترتسم الأشكال المشوهة بعدم التواصل الانساني، وتنسحق تحت عجلات الية الحياة المادية اللاهثة بلا توقف جل الصور الجميلة لفطرة الانسان الذي خلق للتعارف وليس للتعارك سواء بالسلاح أوغيره من أدوات صراعات المدنية بكل أشكالها ومبرراتها الواهية في غالبيتها من عنصرية واستغلال موارد الضعيف خدمة لمصالح القوي !
السودان في شكله الحديث كانت لديه الفرصة ولا زالت ليشكل نموذجا ، أدعى للتعايش بين كل الملل الدينية والنحل المذهبية والكياناتن السياسية ، اذا ما أمّنا على وجوب استسلامه لتنوعه العرقي واللساني ولا نقول اللوني ، لان ذلك يظل قدرا لافكاك منه ولو باعدت جغرافيا السياسة لاحتمية التاريخ ولو مؤقتا بين البعض وفكّت لحمته عن الكل لسبب او آخر !
فاحترام الوهابي لقبة الصوفي أو خلافة الطائفي أو عدم سخرية العلماني من لحية أو ازار السلفي ، وعلى غرار اصطفاف المسجد والكنيسة والمعبد الهندوسي أو البوذي عند شارع واحد في كوالا لامبور عاصمة ماليزيا مثلا!
في وطن متوازن بين مدنية دولته وديمقراطيتها وتمسك مجتمعه بوحدته تكاملا بتسخير التباين العرقي خدمة للمكون الأشمل لأمة وان كانت أعراقا وشعوبا ، ودون المساس من طرف بالقيمة الروحية لأي طرف آخر ، تكريسا لمبدأ الحرية في تنوع الايمان العقائدي قبل الرأى السياسي !
فيصبح بالتالي لكل فسطاط مساحة الحركة للتعبير عن فكره أو اداء شعائره دون تداخل الخطوط في بعضها لأحداث الاحتكاك مما يولد شرارة اشتعال الفتن التي لن تؤدى الا ..الى نتيجة واحدة وهي وجود فريق مهزوم والآخر غير منتصر في ظل تمسك كل منهم بصحة رأية والمثابرة على تغليبه بسلاح الاستفزاز ، بالقدر الذي سيدخل المجتمع قبل الدولة في دائرة صراع تجعل منه هو الخاسر والمهزوم الأول ، لاسيما ان كانت الجماعة الحاكمة بدرجة انتهازية النظام الحالى الذي يحكم السودان و يستثمر مثل نتيجة واستمرار هذه التناحرات ليعيش هو في مائها العكر منصّبا نفسه كوسيط مثالى وهويتسيد وسط الطريق سعيا لاكمال مشواره في الحكم في غفلة انشغال الآخرين في تحطيم بعضهم ، وتراه في خبث يداهن هنا وسط تلك المعارك أوهناك ، تارة تمسحا في وضوئه من أبريق الصوفية ومرة دخولا في أزقة تنطع السلفين المظلمة مطفئا معهم حتى شمعات آخر النفق وان بدت عندها المخارج بعيدة ، وتجده ايضا يرقص في مسارح الليبرالين التي تصدح بموسيقى الشجن الأليم والذكريات في كل ليلة !
وهونظام يتبع براجماتية لئيمة بغرض أغراق المجتمع في حيرة التعاطي معه ، وعلى مدى عمره القميء الطويل ، فجعل الأسئلة الحائرة داخل النفوس المؤمنة بالسليقة في السودان تتمزق ولعا لترسو عند بر الأجابة الشافية ولا تجدها لاسيما عند البسطاء الذين يخشون الغيب ويسحرهم الظاهر ،فيما تسحقهم تلك الحيرة اكثر حيال ازدواجية جماعة هذا النظام ، بين سماع القول منهم نطقا بما يبدو أنه الحق ، والعمل جهرا بما يفضي الى االباطل البّين، في اسلوب الحكم الظالم والمحابي لقوم بعينهم على حساب الجمع الغالب واستغلال السلطة وصولا الى ثراء فاحش وتطاول في البناء ورغد في رفاه العيش ، ركوبا على ذريعة تفضيل البعض على البعض بالرزق من السماء كقول في معناه ومبناه يحض على اتباع الوسائل المثلى والنظيفة لبلوغ الرزق ولكنهم أحالوه الي غاية تؤدى مباشرة الى كنس خيرات الأرض وترك الريح للأخرين في بيد ر الوطن ، لالشيء الا لأنهم قد تملكوا الحقل بوضع اليد وأحرقوه ، بل أفسدوا خصوبة أرضة على الزارع من بعد زاولهم لأزمنة ستطول اذ قالوا ..و من بعدنا الطوفان!
أما المثقفون الذين يمثلون طليعة المجتمع وفيهم الليبرالي العلماني الناقم من كل ما حوله في غمرة احباطه المزمن أو حتى الاسلامي المستنكف أما اختلافا مع الجماعة الحاكمة عند تباين خطوط المصالح أو الحادب على العقيدة يغرد محذرا خارج منظومة سرب العصبة الحاكمة ويراهم يجاهرون بتجيير الدين للكسب ، وتسخيره للبطش بالاخرين ، لاصونا له من شرورتواجهه في حد ذاته كعقيدة وانما ابعادا للآخر عن حظيرة الحكم التي احكموا تمكين اسراج خيولها المطهمة والمعلوفة جيدا من عشب الصالح العام وأمتطوهاحصريا بذواتهم مع التكرم ببعض البغال الهزيلة والعقيمة على من أرتضوا أن يكونوا منظفين لروث مطاياهم بعد أن أعياهم الشتات في فضاءات المعارضة التي أعجزت أجنحة اصرارهم على بلوغ سماوات التغير التي تقتضي الصبر وان تعب الجناح ، لا التسليم بالعودة الى حضيض المشاركة في مرحلة الانحدار الكامل والدمار الشامل !
وللموضوع بقية ، قد نستمد جانبا منها ، من مساهمات كل المستنيرين من أهل الراى والمتداخلين ، الذين نعتبر أراءهم اضافة تحسب لنا وليست خصما علينا ، وان اختلفنا أو تباينت رؤانا لان في ذلك تكامل لنشل الحقيقة من بئرالوعي والادراك ،وذلك خير وأجدى من معارك تكسير العظام في ساحات الاقصاء وتحديدا عند منزلقات هاويات الالغاء التي قد تجر معها في تدحرج الخطى البليلة حتى الوطن تاريخا وجغرافيا وديمغرافيا ومستقبلا ونماءا وحتى وجودا وهو ليس بالناقص للمزيد من السقوط في هوة التأخر ..عافاه الله من كل معضلاته ..
وجزى الله من أصاب رأيه بأجرين ومن اجتهد ليصيب بأجر ..
أنه خير مستعان ..وأصدق من يجزي..
وهو من وراء القصد .

تعليق واحد

  1. والله مقال ينم عن فكر عميق ولا تكفي قراءته مرة واحدة، واقترح على ادارة الراكوبة تثبيته لفترة حتى يحاول القراء الاثراء بهذا الطرح لمحاولة ايجاد حل لمعضلة (التناطح الفكري) بين الانتماءات الثقافية المختلفة والتي يمكن ان نجد بالراكوبة خير مثال لها، حيث ان هذا التناطح لا يخدم الا هذه الحكومة ولن يقدم لا لأحدنا ولا للوطن شيئاً!

    وعليه فامكانية الخروج منه تكون بإرساء ثوابت للحوار تشمل (على الاقل) عدم السخرية وعدم الاقصاء (من الليبرالي او العلماني او الاسلامي او غيره) وكذلك احترام المقدسات وعدم المساس بها ونقاشها باحترام ان لزم وقبل كل ذلك عدم الخوض في النوايا وسياسة (التخوين) التي يلجاء اليها البعض عند فراغ حجته وغيرها من الثوابت التي تساعد على ادارة حوار بناء بدلاً عن مجرد الصراخ من جانب كل طرف.

    و يمكن حينها الوصول (لميثاق شرف حواري) يطبقه الكل على نفسه عند نقاش الافكار بالراكوبة او غيرها، وسأحاول كغيري (رغم قلة المعرفة مقارنة بفكرك العميق) الاسهام بقدر المستطاع بما يعين على الخروج من هذه الدوامة بما يساهم على (إستمرار) الحوار ولكن بصورة هادفة وبناءة!

    أسأل المولى ان يخلص نوايانا وان يوفقنا لما فيه خير بلادنا واهلنا

  2. صدقت يا برقاوى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم )ولكن مصيبة الجبهجية هى عقدة الفشل فكيف لحركة اسلامية فى دولة جل اهلها مسلمون تسقطهم فى كل الانتخابات اذا لابد ان يتم صياغة هذا المجتمع المسلم الى مجتمع متأسلم حسب رؤيتهم القاصرة طيب كيف نصل للسطة بدون انتخابات الحل فى بعض العسكريين المفلسين احترافيا وماديا فكانت ثورة الانقاذ لهدفين رئيسين الاول انقاذ الجبهجية من فشلهم السياسى وانقاذ جيوب العسكر المتسلطين والنتيجة كما نرى الآن ازداد الفاشلين فشلاً والانقاذيين افلاساً وحسبك لا تسألنى إن كان بهم رجل رشيد فكلهم متنطعين .

  3. استاذنا الحترم برقاوي.

    رغم الخلاف الفكري ولكن لاشك بأن كل من يقراء مقالاتك بعمق فسيستفيد منها حتى وان خالفك في بعض ارائك.

    أريد التنويه الى انه من المؤكد أثناء محاولة تطبيق هذا النموذج الاسمى للحوار والاختلاف فستحدث سقطات وأخطاء نتيجة هذا الارث من المهاترات الفكرية التي مارسناها لردح من الزمان بالاضافة الى الاراء المسبقة لكل ذو رأي، ولقد وجدت في تعليقاتي انا شخصياً بالراكوبة العديد من الامثلة على مثل هذه السقطات وكذلك لاحظت ان الكاتب بمقاله واثناء تناوله لاستغلال النظام للخلاف قد ذكر الصوفية وربطهم بأباريقهم وذكر العلمانية والليبرالية ومسارحها المليئة بموسيقى الشجن الاليم والذكريات ولكنه عند ذكر السلفيين فقد ربطهم بأزقة التنطع. ولكن رغم ذلك نقول

    لابد ان يبقى المهم دائماً هو ان نتذكر – حتى وان حدثت مثل هذه السقطات من المعلقين او الكتاب – بأن المعركة هي ليست بيننا ولكنها مع من ظلمنا وأن هدفنا جميعاً هو تحقيق العدل والمساواة وغيرها من القيم السامية وان اختلف فهمنا لهذه القيم، ويبقى الفيصل بيننا هو الحجة والبرهان وليس الصراخ والعويل والاستفزاز!

    وإن كانت فعلاً نوايانا (صادقة) ولم يكن الامر بالنسبة لنا مجرد استعراض لعضلاتنا الفكرية فاننا لن نتصيد لبعضنا البعض الاخطاء وسنركز دائماً على تحقيق هدف ازالة الظلم دون التخلي عن حق كل منا في اثبات وجهة نظره بالمنطق والحجة بحوارات محترمة وبناءة حتى ولو اخطاء الآخر، لأن هدفنا هو ليس مجرد اثبات من المخطئ منا ومن المصيب ولكن الهدف اسمى من ذلك بكثير (على ما أظن)!

    وأكرر بأنه حتى أنا كاتب هذا التعليق قد اخطئ واحيد عن المبادئ التي اقترحها وكذلك الكاتب او غيرنا ولكن لا يجب ان يكون ذلك ذريعة ابداً للاخرين بارتكاب او تكرار الخطاء (عن قصد)، لان ثباتك على الحق سيلفت نظر من يخطئ ويذكره بالرجوع الى طريق الحق هذا الذي حاد عنه (قصداً أو جهلاً).

    وأما ان بداءنا في تصيد اخطاءنا والتي سيعمل عدونا بالتأكيد على النفخ فيها واشعال الفتنة بسببها فحينها لا خاسر غيرنا ولا كاسب غير عدونا!

    والله المستعان وهو يهدي السبيل

  4. ياريت لو واحد من الكيزان يكلف نفسه ويقراء المقال دا لكنهم لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا سرعان ما ينسون يعنى زى العرب ما قال رئيس وزراء دوله الاحتلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..