
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو التحركات الأمريكية الحاسمة ضد الحركات الإسلامية، تتضح مؤشرات تحول كبير في استراتيجية الغرب تجاه الإخوان المسلمين وفروعهم حول العالم. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة Just The News، والتي أكد فيها أن الإخوان يشكلون تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها، لم تكن مجرد كلام سياسي، بل بداية لمسار عملي قد يعيد رسم خارطة القوة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
تعزز هذه التحركات صدقية القرار ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي أعلن أن الإدارة تجري دراسة دقيقة لتصنيف الإخوان وفروعهم كمنظمة إرهابية أجنبية. بالتوازي، تمضي ولاية تكساس بخطى حثيثة لتفعيل خطوات تصنيف التنظيمات المرتبطة بالإخوان ككيانات إرهابية، بما يعني أن “اليد الغليظة” لم تعد مجرد تهديد، بل على أبواب التنفيذ.
السودان، للأسف، أصبح نموذجًا حيًا لضرورة هذا التحرك الدولي.
الحركة الإسلامية السودانية، التي تُسوق نفسها كحزب سياسي، هي في الواقع التنظيم المسلح الوحيد في البلاد الذي يمتلك جيشًا داخل الجيش ويدير ميليشيات وأذرعًا مسلحة نفذت أبشع الفظائع على مدى يزيد عن ثلاثة عقود: الدفاع الشعبي، الأمن الشعبي، الأمن الطلابي، كتائب العمل الخاص، كتائب البراء بن مالك، البنيان المرصوص، البرق الخاطف، وعشرات الأسماء الأخرى، كل هذه الكتائب كانت أدوات لتنفيذ مشاريع الدم والتدمير، لا برامج سياسية.
وخلال هذه العقود، ارتكبت الحركة الإسلامية السودانية أكبر الجرائم التي شهدها الوطن: حرب الجنوب التي أودت بحياة أكثر من مليوني سوداني وانتهت بفصل الجنوب، وحرب دارفور التي خلّفت أكثر من 300 ألف قتيل، وعشرات الآلاف في كردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة، بالإضافة إلى مجازر بورتسودان وكاجبار والعيلفون، وشهداء ثورة ديسمبر، ومجزرة فض الاعتصام، والحرب الحالية التي تجاوزت خسائرها 150 ألف قتيل.
هذا السجل الدموي يوضّح الفرق بين حزب سياسي وبين تنظيم مسلح يمتلك المال والسلاح والقدرة على إدارة الصراع وتمويله وإطالة أمده. ومن هنا، يصبح تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كمنظمة إرهابية نتيجة طبيعية للتحركات الدولية الرامية إلى مواجهة الإرهاب الإسلامي السياسي، وليس مجرد قرار معزول.
وعلى أرض الواقع، يعني هذا التصنيف تجميد الأصول، إغلاق الحسابات البنكية، شل حركة السفر، وقطع مصادر التمويل، بما يعيق قدرة التنظيم على تحريك المليشيات وتمويل الصراعات، ويضع كل من يتعامل معه تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب الدولية.
السودان لن ينهض ما لم يُقطع هذا الشريان الحيوي الذي غذّى الحروب والإرهاب لعقود. والتاريخ يعلمنا أن بعض العقد لا تُفك بالحوار وحده، بل بقطع مصادر القوة التي تسمح باستمرار الخراب. تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية هو حماية للشعب، ووقف لموت ثلاثة عقود، وإعلان أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى ..!!



